? ما الذي يجعل الكائن وحشا؟ هذا هو السؤال الذي تطرحه رواية ماري شيلي الخالدة فرانكنشتاين، الصادرة عام 1818. بعد قرنين من الزمان، لا يزال مخلوق فرانكنشتاين يطارد خيالنا، وقد صار أيقونة من أيقونات الرعب تعيد الأفلام والمسلسلات والمسرحيات صياغتها طوال الوقت. وربما تكون أجواء الهالوين الحالية هي الوقت المثالي للعودة إلى واحدة من أعظم المآسي الأدبية في التاريخ.

**لينكات إنتربرايز فقط تظهر على الإيميل، اضغط على عنوان الفقرة بالأعلى لقراءتها مصحوبة بكل الروابط**

الحبكة: نشأ فيكتور فرانكنشتاين وهو مهووس بما يسميه “الفلسفات الطبيعية” وكل ما يتعلق بأسرار الحياة، فكان يقرأ بنهم أعمال المفكرين القدماء. وعندما التحق بالجامعة انغمس في دراسة الكيمياء والفلسفة الطبيعية، لكنه وجد شغفه الحقيقي حين بدأ دراسة تشريح الإنسان، وهنا ولدت فكرته المجنونة القائمة على محاولة خلق الحياة نفسها. وفي ليلة ماطرة بشهر نوفمبر، تمخضت تجارب فرانكنشتاين عن وحشه الشهير. وما أن أفاق فيكتور من نوبة جنونه العلمي حتى أدرك هول ما صنع، فدب فيه الرعب من مخلوقه ولم يحتمل حتى رؤيته.

وحش في نظر المجتمع: منذ اللحظة التي واجه فيها فيكتور مخلوقه، تملكه الخوف فهرب وتركه وحيدا. هذا المخلوق، بعقله الطفولي ووعيه الناقص، بدأ يهيم على وجهه في عالم لا ينتمي إليه. مظهره المشوه يجعله منبوذا رغم ما يحاول أن يتعلمه بنفسه من أدب وإنسانية. ورغم أنه لا يختلف في جوهره عن أي كائن آخر يبحث عن المودة والقبول من الآخرين، فإنه لا يلقى سوى الرعب والرفض.

ما تلا ذلك كان رحلة في الأسئلة الأخلاقية المعقدة بين الخالق ومخلوقه. فحين لم يجد الوحش الحب من صانعه، قرر أن ينتقم منه، فحول حياة فيكتور إلى سلسلة من المآسي. أما فيكتور فامتلأ كراهية وخوفا من مخلوقه، وغرق في الذنب والعذاب، ورفض تحمل مسؤولية الحياة التي أوجدها. حين حاول لعب دور الإله، لم يجد في المقابل سوى الانكسار الأخلاقي والعار واليأس.

خيال شيلي قدم للعالم الأدبي تأملا مذهلا في مخاطر الطموح العلمي الأعمى والسعي المفرط وراء المعرفة. مخلوق فرانكنشتاين يقلب مفهوم البطولة رأسا على عقب، فيحول "الوحش" إلى كائن حي يثير تعاطف القراء أكثر مما يثير خوفهم. ومن خلال مظهره غير المألوف، تفتح الرواية نقاشا عن التحيزات الاجتماعية والخير والشر داخل الطبيعة البشرية.

وعبر مناظر طبيعية باردة وعواصف مظلمة، تبني الرواية جوا غامضا هو جوهر الأدب القوطي. فأسلوب شيلي الدرامي ولغتها المشحونة بالعاطفة وسردها المتأمل، يجعل القراءة تجربة مشبعة بالرهبة والتفكير.

رواية فرانكنشتاين هي المزيج الأمثل بين الخيال العلمي والدراما القوطية، مع لمسة وجودية خفية تجعلها خالدة في عالم السرد. ورغم أننا شاهدنا الفكرة تتجدد مرارا في أفلام مثل Poor Things الحائز على الأوسكار، أو النسخة المنتظرة التي يؤدي دور البطولة فيها جاكوب إلوردي، فضلا عن عشرات الاقتباسات السابقة، فإن العودة إلى الأصل الذي كتبته ماري شيلي يبقى التجربة الأكثر عمقا وإشباعا.

أين تقرأونه: الترجمة العربية متاحة في نسختها الورقية عبر عصير الكتب ونيل وفرات، أما النسخة الإنجليزية الأصلية فيمكن ابتياعها من خلال عصير الكتب ونيل وفرات والمصرية اللبنانية.

العلامات: