🪤 قيود الأسر تقوض الرغبة في الحياة فعليا: عندما تحتجز الحيوانات في بيئة آسرة، وتزداد وعيا بطبيعة القيود المفروضة عليها وظروفها المحيطة، تبدأ في إظهار أنماط سلوكية شاذة تشمل حركات جسدية غريبة واضطرابات نفسية واختلالات هرمونية فيما يعرف باسم “الزوكوزيس”. تعريف هذه الظاهرة ببساطة: الأنشطة النمطية المتكررة التي تقوم بها الحيوانات بصورة رتيبة دون هدف ظاهر أو غاية محددة، بحسب دراسة نشرتها مجلة الحياة البرية والتنوع البيولوجي عام 2022. رغم تباين نتائج الدراسات بشأن هذه القضية، إلا أن العديد منها، ومن ضمنها الدراسة المذكورة، يشير إلى أن أحد أبرز أعراض الزوكوزيس هو تراجع الرغبة في التكاثر ورعاية النسل في بيئة الأسر. وبعبارة أخرى، تعزف الحيوانات المصابة بهذه الحالة عن التكاثر نتيجة الضغوط النفسية الحادة.

**لينكات إنتربرايز فقط تظهر على الإيميل، اضغط على عنوان الفقرة بالأعلى لقراءتها مصحوبة بكل الروابط**

وجه جديد لمعاناة الإنسان معاصر: يرى كثير من مستخدمي منصات التواصل الاجتماعي، خاصة رواد تيك توك، أن هذه الظاهرة قد تفسر الانخفاض المستمر في معدلات المواليد عالميا. هذا يشير إلى أن الإنسان نفسه قد يعاني من أحد أشكال مرض الذهان على نحو مشابه، بعدما وجد نفسه في حالة من الأسر وإن كانت مختلفة في طبيعتها.

أسرى سجون صنعناها: يعيش الإنسان المعاصر في عالم مصطنع لا يشبه البيئة الطبيعية التي نشأت فيها البشرية خلال العصر الجليدي الأخير، ويبدو أنه قد أصبح أسيرا لهذا العالم، وفقا لما قاله عالم النفس البيئي فوجان ويلكنز في لقاء مع مجلة سايكولوجي توداي. يرى ويلكنز أن البشر قد وضعوا أنفسهم في قفص مجازي تحكمه العادات والمفاهيم التي لا تخدم صحتهم النفسية والجسدية.

فراغ حقيقي لا يملؤه شيء: الحيوانات التي تظهر سلوكيات نمطية شاذة نتيجة أسرها في حديقة الحيوان مثلا، يقدم لها عادة وسائل تشتيت مؤقتة وتغييرات بيئية سطحية مثل ألعاب جديدة لامعة أو أطعمة مختلفة أو تحسينات شكلية في أماكن الاحتجاز. وإذا تأملنا في ذلك، سنجد أن هناك مشتتات مماثلة نتعرض لها باستمرار مثل: دمى لابوبو القبيحة، وشوكولاتة دبي الشهيرة، وجنون مشروب الماتشا في كل حدب وصوب. وسائل الإلهاء المادية الصغيرة، كالمشتريات الفاخرة العابرة، تمنح الإنسان شعورا بالراحة والسيطرة وتخلق لديه وهما بالحرية، ليدور في دائرة اجتماعية فارغة ومفرغة من كل مضمون حقيقي.

انعكاسات شعور البشر بالأسر تتجاوز مجرد هوس الاقتناء. المصدر الحقيقي للضغط الذي يثقل كاهل الإنسان المعاصر لا يتمثل في القيود المادية فحسب، بل في القيود النفسية الناجمة عن عدم الرضا الوظيفي والشعور باليأس في ظل الاضطرابات الاقتصادية العالمية، والقلق المستمر بشأن المستقبل. أكد 39% من المشاركين في استطلاع رأى شمل 14 دولة أن الضغوط المالية تحد مباشرة من قدرتهم على الإنجاب، وبناء الأسرة التي يرغبون فيها، وفقا لتقرير الأمم المتحدة لحالة سكان العالم لعام 2025 (بي دي إف).

الخوف من المستقبل يسيطر على الصورة: أفاد واحد من كل خمسة مشاركين بأن مخاوفهم بشأن المستقبل، بما فيها تغير المناخ وتدهور البيئة والحروب والأوبئة، دفعتهم إلى إنجاب عدد أقل من الأطفال مما كانوا يرغبون فيه في الأصل. وقال واحد من كل أربعة إنهم لم يتمكنوا من الإنجاب في الوقت الذي كانوا يفضلونه. وقال أحد المشاركين “لا أرغب في إنجاب طفل خلال فترات الحرب أو في ظل تدهور أوضاع الكوكب، إذا كان ذلك يعني أن الطفل سيعاني بسببها”. بينما أضافت مشاركة أخرى أن “العديد من السياسات حول العالم تعادي الرعاية الصحية للنساء، وهو ما يدفعنا إلى البقاء عازبات والعزوف عن إنجاب الأطفال”.

رغم أن الاستطلاع لم يشمل مصر، تؤكد الدراسة أنه رغم تحقيق البلاد تقدما ملموسا في تحسين الوصول إلى خدمات الرعاية الصحية للأمهات، لا تزال الأعراف الراسخة التي تكرس عدم المساواة بين الجنسين تحد من قدرة النساء على اتخاذ قراراتهن بحرية، مما ينعكس على طموحاتهن الأسرية. كما تبين أن الضغوط الاقتصادية المتزايدة تساهم في تأجيل قرار الزواج والإنجاب.

إلى أين يتجه العالم؟ سجلت معدلات الخصوبة العالمية انخفاضا تاريخيا لتستقر عند مستوى 2.24، وهو ما يشير إلى اتجاه محتمل نحو تراجع سكاني عالمي، وفقا لدراسة حديثة لصندوق النقد الدولي. تكمن المفارقة في أن القلق الاقتصادي الذي يدفع الأفراد إلى إنجاب عدد أقل من الأطفال قد يتسبب في نهاية المطاف إلى إضعاف النمو الاقتصادي نفسه وبمعدلات أكبر. على الجانب الآخر، انخفاض وتيرة النمو السكاني قد يؤدي إلى تخفيف الضغط على الموارد الطبيعية والحد من المخاطر المناخية في الوقت ذاته. ومن بين هاذين السيناريوهين، كيف سيكون شكل المستقبل يا ترى؟