☕ بينما يحتفل عشاق القهوة بيومها العالمي، تواجه الصناعة الضخمة تحديات قد تعيد تشكيل عادة الصباح الأشهر عالميا. عوامل مثل ارتفاع درجات الحرارة وتقلبات الطقس والرسوم الجمركية الأمريكية واضطرابات سلاسل التوريد، تخلق ما يصفه الخبراء بأنه إحدى أكثر الفترات اضطرابا في تاريخ القهوة المعاصر.
**لينكات إنتربرايز فقط تظهر على الإيميل، اضغط على عنوان الفقرة بالأعلى لقراءتها مصحوبة بكل الروابط**
قهوتك الصباحية أصبحت أغلى؟ لست وحدك: ارتفعت أسعار القهوة بنسبة تقارب 21% خلال الـ 12 شهرا الماضية، بحسب تقريرالأمن الغذائي الصادر عن الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ والتابعة للأمم المتحدة. ارتفع سعر بيع التجزئة لنحو ½ كيلو جرام من البن المحمص المطحون إلى مستوى قياسي بلغ 8.9 دولار في الولايات المتحدة، مرتفعا من 7 دولارات في يناير الماضي. يمثل هذا الارتفاع أكثر بكثير من مجرد تقلب مؤقت في السوق، فهو مؤشر على تغيرات هيكلية عميقة تواجه قطاع القهوة عالميا، تمتد لتؤثر على القهوة في مختلف الدول المنتجة.
ارتفاعات كبيرة: بين يوليو 2024 ويونيو 2025، ارتفع سعر قهوة أرابيكا بنسبة 91% في أسواق العقود الآجلة، في رقم قياسي جديد جاء مدفوعا بمزيج من صدمات الإنتاج المتعلقة بالمناخ والتغييرات السياسية التي أعادت تشكيل أنماط التجارة العالمية، بحسب تقرير أو دي أي جلوبال. "في بداية هذا العام، كانت الأسعار ترتفع كل أسبوعين"، حسبما قال مؤسس شركة ريقاف المصرية عليخطاب لإنتربرايز. الآن استقرت الأسعار نوعا ما، وإن كانت بعيدة عن الأسعار القديمة. "لا تزال الأسعار مرتفعة ولكنها تستقر، بما يمكننا الآن من التسعير والتخطيط والتنبؤ". لكن يظل التهديد الوجودي الأكبر للقهوة هو تغير المناخ.
تغير المناخ هو السبب: أثرت التغيرات المناخية بشكل كبير على غلة المحصول، فلم يعد المعروض قادرا على تلبية الطلب. بعد أن كانت كل 10 أشجار تنتج طنا واحدا، أصبحنا بحاجة إلى 70 شجرة لإنتاج الكمية ذاتها، بحسب خطاب. وقد يزداد الوضع سوءا، إذ تواجه الأراضي المناسبة لزراعة البن خطر التقلص بنسبة 50% خلال السنوات الـ 25 المقبلة، وفقا للإذاعة الوطنية العامة الأمريكية.
ينمو بن أرابيكا — الصنف الرئيسي الأكثر انتشارا ومبيعا من البن عالميا — على ارتفاعات عالية، تكون عادة من 1200 متر فوق مستوى سطح البحر أو أعلى. ولكن مع ارتفاع درجات الحرارة، لم تعد بعض المناطق المنخفضة التي كان ينمو فيها بن الأرابيكا مناسبة لنموه، ما يجبر المزارعين على التوسع في زراعته في الجبال بغلة أقل. كما يمثل صدأ أوراق البن، وهو مرض فطري ناتج عن تغير المناخ، أحد أكبر التهديدات لإنتاج البن العالمي، مما يفاقم التحديات التي يواجهها المزارعون بالفعل.
الآثار وخيمة: بالنسبة لشركات القهوة، فإن الآثار المترتبة على تراجع الجودة كبيرة. "إذا كنت ترغب في الحفاظ على جودة منتجاتك، فعليك التأقلم على الزيادات في التكلفة، وإلا ستجبر على العمل بحبوب أقل جودة، وهو ما بدأنا نشهده للأسف في السوق"، بحسب خطاب. ورغم أن لاعبي القطاع المحلي ينافسون في سوق شديد الحساسية للأسعار، فإن النهج المتمثل في التركيز على الكفاءة وتحسين سلاسل التوريد لاستيعاب الصدمات والصدق مع العملاء هو ما يمثل كلمة النجاح، حسبما قال المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي لبراون نوز عمر عبد الله لإنتربرايز، مشيرا لمنهجية العلامة التجارية الشهيرة الناجحة. "يزداد وعي المصريين بالقهوة المتخصصة، وهم على استعداد لدفع سعر عادل عندما يدركون جودتها. المفتاح ليس فقط تحمل التكاليف، بل الارتقاء بالتجربة ككل".
محاولات لإنقاذ ما يمكن إنقاذه: رغم التشاؤم الذي يسود القطاع، يعمل الباحثون والجهات الفاعلة في الصناعة على تطوير حلول مبتكرة. مثال على ذلك مبادرة " بوليرو " الممولة من الاتحاد الأوروبي، والتي تركز على تطوير أنواع جديدة من البن عبر تقنيات التطعيم التي تربط قمم نباتات البن بجذور أكثر متانة من البن البري أو أصناف الروبوستا، ما ينتج عنه نباتات قادرة على تحمل الجفاف والآفات ودرجات الحرارة القصوى.
هذا الابتكار قد يوفر ميزة حاسمة: السرعة. قد يستغرق نمو النباتات التقليدية عبر التلقيح الخلطي من 20 إلى 30 عاما، وهي نافذة زمنية أطول بكثير من وتيرة تغير المناخ. يسمح التطعيم للمزارعين بالحفاظ على إنتاج أصنافهم المفضلة، مع جعل النباتات أكثر مرونة في غضون سنوات قليلة، وليس عقودا طويلة.
تكتسب أنواع القهوة الأقل استخداما مثل روبوستا، اهتماما متزايدا لقدرتها الأكبر على تحمل درجات الحرارة. تنمو روبوستا في المرتفعات المنخفضة، وقد زادت نسبتها من نحو 25% من الإنتاج العالمي في أوائل التسعينات إلى أكثر من 45% اليوم. ولطالما اعتبرت حبوب روبوستا رديئة الجودة، فهي مرة جدا ولا تحتوي على أي نكهة فاكهة. أما الآن، تركز دول مثل فيتنام وآسيا بشكل عام على تطويرها وتحسين مذاقها، بحسب خطاب.
مصائب قوم عند قوم فوائد: أدت الرسوم الجمركية الأمريكية الباهظة على الدول المنتجة للقهوة إلى ارتفاع الأسعار في الولايات المتحدة. وبينما قد يمتد تأثير هذه الرسوم إلى الأسواق المصرية، فإن هناك جانبا إيجابيا يراه خطاب: "الولايات المتحدة من أكبر مستوردي حبوب البن من أمريكا اللاتينية، لذا قد تدفع الرسوم الجمركية البائعين إلى التركيز على أسواق أخرى، وعرض منتجاتهم بأسعار أقل".
لماذا إذن نشهد ارتفاعا في أسعار القهوة محليا؟ تغير المناخ لا يؤثر وحده على صناعة القهوة المصرية، والتي شهدت قفزة مضاعفة في معدلات الاستهلاك بين عام 2017 و2021. إذ تعمل المشكلات اللوجستية على مضاعفة أثر أزمة التوريد العالمية والتغيرات الاقتصادية المحلية، رغم الموقع الجغرافي الذي يضعنا في نفس القارة التي تضم مصادر غنية للقهوة مثل إثيوبيا وكينيا. كانت القهوة القادمة من أفريقيا تأتي إلى أقرب ميناء على البحر الأحمر ثم تصدر إلى قناة السويس، أما الآن فهي بحاجة إلى الذهاب للجانب الآخر والمرور عبر موانئ الإسكندرية، وفقا لخطاب. وبالتالي، فإن التكلفة اللوجستية قد زادت على الرغم من أن سلال التوريد الخاصة بنا لم تتأثر مثلما تأثرت دول أخرى. ينطبق هذا أيضا على القهوة القادمة من أمريكا اللاتينية وآسيا، فقد أدت الهجمات الإسرائيلية المتزايدة على غزة إلى ارتفاع تكلفة المرور عبر قناة السويس.
تفاؤل حذر رغم كل شيء: تسود حالة من التفاؤل بين لاعبي القطاع المحلي، إذ استحوذت مصر على أعلى حصة في سوق القهوة الإقليمية العام الماضي، ومن المتوقع أن تنمو سوق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بنسبة 7.8% سنويا على الأقل حتى عام 2032. عندما يتضاءل الفارق بين كوب القهوة العادي وكوب القهوة المتخصصة، يبدأ المستهلكون في التساؤل: لماذا لا يختارون الجودة الأفضل؟ بحسب عبد الله، الذي أضاف أنه في مصر هناك شريحة وسطى متنامية تقدر التجربة والأصل وأسلوب الحياة، فلم تعد القهوة بالنسبة لهم مجرد جرعة كافيين، بل تعبيرا عن الذوق. وبينما لا تزال السوق حساسة تجاه التكلفة، يرى عبد الله أن رفع مستوى الجودة بدأ يترسخ: "لم تعد القهوة المتخصصة مفهوما غربيا مستحدثا، بل أصبحت مهمتنا كمشغلي مقاهي ومحامص أن نجعل هذا التحول طبيعيا قدر الإمكان".