🧲 حيثما يتركز الاهتمام، تولد الأموال: أصبح عنصر الانتباه العنصر الرابع (إلى جانب الأرض والمال والعمالة) المكون للنظام الاقتصادي في عالمنا المعاصر، إذ تتنافس منصات التسويق والترفيه بشكل كبير على جذب انتباه المستخدمين والمستهلكين. ومع تراجع معدلات الانتباه والتركيز بشكل كبير، أصبحت الموارد العقلية البشرية “سلعة” نادرة متنازع عليها من الجميع، بحسب مجلة إيكونوميست.
**لينكات إنتربرايز فقط تظهر على الإيميل، اضغط على عنوان الفقرة بالأعلى لقراءتها مصحوبة بكل الروابط**
اقتصاد الانتباه: في عصر يفيض بالمعلومات، هناك قوة حقيقية يمنحها المستخدم لكل ما يستحوذ على انتباهه. يتطلب الاستثمار في اقتصاد الانتباه فهما عميقا لكيفية جذب انتباه الأفراد، لأنه — بعكس العناصر الأخرى مثل الأرض والعمالة — يصعب التحكم فيه أو تنظيمه. يشمل العمل على هذا العنصر أخذ كيفية عمل الذاكرة والتركيز الانتقائي والتركيز البصري في الاعتبار، بحسب بحث أجراه عالما الاقتصاد والنفس جورج لوينشتاين وزاكاري فويتوفيتش.
انتباه الفرد يعتمد بشكل كبير على الحالة العاطفية والبيئة المعلوماتية شديدة التقلب المحيطة به، ما يجعله عرضة للتأثر بعوامل خارجية رغما عنه. وعندما تستغل الأسواق هذه الثغرة، فإننا نتخلى عن عنصر أساسي من هويتنا. فمثلا الآلية التي تعمل بها منصات السوشيال ميديا تشبه كثيرا الآلية النفسية التي تدفع لإدمان القمار، إذ تهدف لتشجيع المستخدمين على تصفح تطبيقاتها لمدة أطول بكثير. هذه المنصات تستغل عمدا ميل الفرد وضعفه أمام الدوبامين الناتج عن الإعجابات والتعليقات وغيرها، لخلق حاجة قهرية تدفعه لامساك الهاتف كل دقيقة والنظر إلى قائمة الإشعارات، وهو ما يحول كيمياء المخ إلى سلعة مربحة وعرضة للاستغلال على طريقة جورج أورويل.
“الانتباه هو جوهر الوعي ذاته”، حسبما يشير تقرير ذا أتلانتك. فقبل التفكير والكلام، يأتي الانتباه أولا. غالبا ما تستحوذ الأمور على انتباهنا قبل حتى أن ندرك ذلك، فالانتباه في حالة هشاشة دائمة أمام أي محفز. هذه اللحظات الأولى التي تخطف الانتباه، تجعل من السهل للغاية سرقة وعينا والاستحواذ عليه أو توجهيه. يعتمد الاقتصاد الحديث بشكل متزايد على الانتباه، إذ تعتبر المضاربة والمراهنات السوقية أدوات رئيسية لتوسيع رأس المال، وفقا لنيويورك تايمز.
إلى أي مدى يمكن أن يصل الأمر؟ حاليا، يمثل انتباه المستهلك الدجاجة التي تبيض ذهبا بالنسبة لأصحاب الأعمال، وحجر الزاوية في وسائل التواصل والترفيه والإعلانات والتسويق. يزدهر اقتصاد الانتباه بشكل أساسي في المجال الرقمي، بحسب الكاتبة الاقتصادية كايلا سكانلون، مع أن وسائل التواصل بإمكانها إعادة توجيه تركيز المستخدمين نحو قضايا أو موضوعات أكثر قيمة. كما أن جذب الانتباه أصبح هدفا وقيمة في حد ذاته بالنسبة للسياسيين، وهو ما يمثل تطورا خطيرا على حساب الخطاب الديمقراطي.
كيف يمكننا تنظيم الآثار المترتبة على هذا الاقتصاد الجديد؟ يمكن البدء بوضع حدود عمرية لاستخدام السوشيال ميديا. فكما أن قوانين العمل تحمي الأطفال من الاستغلال، لا ينبغي بيع انتباه الشباب أو تسليعه، وإلا فكيف نضمن ألا يتحول هذا الأمر إلى استغلال مالي غير مقيد؟ ولأن وضع قيود على مقدار الانتباه الذي يمكن استغلاله ماديا وانتزاعه من الأفراد انتزاعا يبدو أمرا بعيد المنال، يعتبر تنظيم هذه الأمور ضروريا إن كنا نأمل في الحفاظ على قدر من السيطرة على عقولنا، وحماية الجانب الإنساني من أنفسنا.