لا يزال النقد وسيلة دفع رائجا في الشرق الأوسط وأفريقيا، حتى مع الانتشار السريع لوسائل الدفع الإلكترونية، وفقا لأحدث دراسة لمجموعة بوسطن كونسلتنج (بي سي جي) بعنوان "تكلفة المدفوعات الإلكترونية والنقد". ويذكر التقرير — الذي يضم للمرة الأولى مصر ضمن أربع دول في الشرق الأوسط وأفريقيا — أن اعتماد المنطقة على النقد لا يزال يميزها عن أوروبا وغيرها من الأسواق المتقدمة، رغم تراجع حصته في الأعوام الأخيرة.

لا يزال النقد يمثل نحو 35% من المعاملات في الشرق الأوسط وأفريقيا، مقارنة بنحو 20% في أوروبا. لكن التقرير — الذي استندت نتائجه إلى استطلاعات شملت 100 تاجر في كل من مصر والسعودية والإمارات وجنوب أفريقيا، إلى جانب استطلاعات إضافية للمستهلكين والتجار أُجريت في ديسمبر 2024 — يؤكد أن التراجع كان حادا، مدفوعا بحملات التحول الرقمي الحكومية وتغيّر عادات المستهلكين نحو البطاقات والمحافظ الرقمية وغيرها من وسائل الدفع الإلكترونية.

التكلفة الحقيقية للمدفوعات تتجاوز الرسوم: رغم أن التجار عادةً ما يحسبون تكلفة المدفوعات باعتبارها الرسوم المدفوعة للبنوك أو لمزوّدي الخدمة، إلا أن تقرير بي سي جي يوضح أن هذه ليست سوى جزء من الصورة. ويشير التقرير إلى أن "أدوات الدفع، بما في ذلك النقد، تأتي مع رسوم مباشرة متعددة، وخدمات مرتبطة بها، وطيف واسع من التكاليف غير المباشرة".

النقد ليس مجانيًا: يفضل التجار في مصر عادةً تحصيل الدفع نقدا لافتراضهم أنه "مجاني"، لكن الواقع غير ذلك. "تُظهر تحليلاتنا أن تكلفة النقد في مصر تقارب 1.8%. لا تزال أقل من وسائل أخرى، لكنها ليست صفرًا"، حسبما يقول باسم فايق، الشريك والمدير العام في بي سي جي القاهرة لإنتربرايز. ويضيف التقرير: "يكشف التحليل الشامل من البداية إلى النهاية أن تكلفة قبول النقد تتراوح بين 1.3% و3.0% في أسواق الشرق الأوسط وأفريقيا". وفي مصر، يبلغ متوسط التكلفة الإجمالية للتعامل مع النقد 1.8% من قيمة المعاملة، تتوزع إلى 0.1% تكاليف مباشرة، و1.2% تكاليف غير مباشرة مثل المعدات وفاقد النقد، و0.5% لتسويات المكاتب الخلفية. وتتبع السعودية (1.6%) والإمارات (1.3%) نمطًا مشابهًا، بينما تُعد جنوب أفريقيا حالةً شاذة عند 3.0% بسبب ارتفاع معدلات الجريمة التي تزيد تكلفة النقل الآمن. حتى عندما تكون التكاليف المباشرة منخفضة، تظل التسويات وفاقد النقد عاملين أساسيين يرفعان الفاتورة.

تكاليف النقد ستزداد مع انخفاض استخدامه: يحذّر تقرير بي سي جي من أن تكلفة التعامل مع النقد في مصر وغيرها من أسواق المنطقة سترتفع مع تراجع الاستخدام، على غرار أوروبا ودول الشمال. تتراوح تكاليف قبول النقد في مصر بالفعل بين 1.8% و2.4%، بما يتماشى مع نظرائها إقليميًا ولكنها أعلى من بعض المعايير الدولية. وفي الأسواق الأكثر تقدمًا، ومع انخفاض استخدام النقد، ترتفع التكلفة لكل معاملة لأن البنوك تفقد وفورات الحجم اللازمة لصيانة أجهزة الصراف الآلي والبنية التحتية الأخرى، كما يوضح فايق.

وسائل الدفع البديلة تبدأ مجانية ثم تضيف رسوماً: تشير بي سي جي إلى أن وسائل الدفع البديلة — مثل المحافظ الرقمية والتحويلات من حساب إلى حساب — يمكن أن تنافس البطاقات من حيث التكلفة عند بلوغها حجمًا كافيًا. ففي جنوب أفريقيا، على سبيل المثال، بلغت تكلفة قبول وسائل الدفع البديلة داخل المتاجر 2.7% مقابل 2.6% لبطاقات الخصم و3% للنقد. وفي أسواق مثل السعودية، حيث تشجع السياسات الحكومية على تبنيها، تكون التكلفة أقل بكثير (0.3% مقابل 1% لبطاقات الخصم).

لكن مصر كانت استثناء وقت إعداد التقرير: إذ كانت تكلفة وسائل الدفع البديلة شبه معدومة لعدم تطبيق رسوم على التجار، وكانت المعاملات تُعامل إلى حد كبير كتحويلات مجانية بين الأفراد. غير أن التقرير يشير إلى أنه جرى منذ ذلك الحين فرض رسوم معاملات من جانب المزوّد الرئيسي لوسائل الدفع البديلة في مصر — وهو اتجاه عالمي تتحول فيه خدمات النظير لنظير المجانية إلى فرض رسوم على التجار عند التوسع.

تذكر- في أبريل، فرضت منصة "إنستاباي" الحكومية للمدفوعات الرقمية رسوم تحويل قدرها 0.1% لكل معاملة، على أن تتراوح الرسوم بين 0.50 جنيه و20 جنيهًا. جاء ذلك بعد تسجيل التطبيق رقمًا قياسيًا بلغ 1.5 مليار معاملة في 2024 بقيمة 2.9 تريليون جنيه. ويبيّن تطور "إنستاباي" كيف تبدأ وسائل الدفع البديلة كخدمات مجانية لتعزيز التبني، قبل أن تتحول إلى نموذج قائم على الرسوم عندما تصبح جزءًا أساسيًا من منظومة المدفوعات.

الائتمان مقابل الخصم ووسائل الدفع البديلة: لا تزال الأدوات المعتمدة على الائتمان — بما في ذلك بطاقات الائتمان وحلول الشراء الآن والدفع لاحقًا — أكثر تكلفة من بطاقات الخصم ووسائل الدفع البديلة، إذ يتحمل التجار تكاليف مباشرة أعلى مرتبطة بتقديم الائتمان. وعلى مستوى المنطقة، تُعد حلول الشراء الآن والدفع لاحقًا الأعلى تكلفة: بلغت رسوم القبول داخل المتاجر 5.6% في السعودية، و5.9% في الإمارات، و6.3% في جنوب أفريقيا. وتكون حلول الشراء الآن والدفع لاحقًا عبر الإنترنت أعلى تكلفة بواقع 0.3–0.6 نقطة مئوية إضافية. وعبر الأسواق، تعد حلول الشراء الآن والدفع لاحقًا أكثر من ضعفي تكلفة بطاقات الائتمان، ويرجع ذلك أساسًا إلى ارتفاع التكاليف المباشرة الناتجة عن التمويل ومخاطر التعثر.

مصر تخالف الاتجاه: تبلغ تكلفة قبول الشراء الآن والدفع لاحقًا في مصر 2.4% فقط — قريبة من بطاقات الائتمان عند 2.1% — لأن فوائد التمويل يتحملها المستهلكون لا التجار. وتشير بي سي جي إلى أن ذلك يخفف رسوم خدمة التاجر، ما يجعل الشراء الآن والدفع لاحقًا أرخص بكثير لتجار التجزئة في مصر مقارنة بالأسواق المجاورة. وفي مصر، تتقارب تكلفة الشراء الآن والدفع لاحقا مع بطاقات الائتمان، لكن النموذج مختلف: فبطاقات الائتمان غالبًا ما تكون مضمونة بودائع، بينما لا تتطلب حلول الشراء الآن والدفع لاحقًا ذلك، ما يزيد مخاطر التعثر ويمنح المستهلكين قدرة شرائية أعلى على المدى القصير، كما يوضح فايق.

المستهلكون في مصر لا يزالون ميّالين للنقد: يلفت التقرير أيضًا إلى أن "الدفع عند الاستلام" يظل أكثر تكلفة على التجار في مصر مقارنة بوسائل الدفع البديلة أو بطاقات الخصم أو الائتمان. ومع ذلك، يحتفظ بجاذبية قوية، إذ يفضّل كثير من المتسوقين معاينة السلع قبل الدفع — وهو نمط تقول بي سي جي إنه يعكس جاذبية "الدفع لاحقًا" في منتجات الائتمان مثل الشراء الآن والدفع لاحقًا.

الوصول إلى العملاء أهم من اعتبارات التكلفة: "المزيد من الخيارات يعني الوصول إلى قاعدة عملاء أوسع. على سبيل المثال، قد يقبل طبيب أسنان الشراء الآن والدفع لاحقًا، حتى لو كانت أكثر تكلفة، لأنها تتيح لمرضى لم يكونوا قادرين على تحمل تكلفة العلاج أن يدفعوا"، كما يقول فايق. وتشير بي سي جي إلى أن التجار في مصر والمنطقة لا يختارون وسائل الدفع بناءً على التكلفة وحدها — بل العامل الحاسم هو الوصول إلى شرائح مختلفة. تمنح البطاقات — خاصة المرتبطة بشبكات دولية — وصولًا إلى العملاء الأكثر ثراءً والعملاء التجاريين، بينما يُنظر إلى النقد كقناة للوصول إلى الشرائح الأصغر سنًا والمستهلكين الأكثر محلية. وفي المقابل، تحجز حلول الشراء الآن والدفع لاحقًا ووسائل الدفع البديلة مكانًا بين المستهلكين الأصغر سنًا والأكثر إلمامًا بالتقنية. وفي القطاعات الأعلى قيمة مثل الفنادق والأثاث المنزلي تُفضل البطاقات، بينما تعتمد متاجر المواد الغذائية والمطاعم أكثر على النقد ووسائل الدفع البديلة.

أما المستهلكون فيولون أهمية للأمان ومكافحة الاحتيال: وجد الاستطلاع أن "75% من المستهلكين يشعرون بحماية قوية عند استخدام بطاقات الائتمان، يليهم 64% لبطاقات الخصم، و61% لوسائل الدفع البديلة، و56% لحلول الشراء الآن والدفع لاحقًا". وتضيف بي سي جي أن نحو ثلث المستهلكين سيخفضون إنفاقهم إذا لم تكن هذه الحماية متوافرة، ما يبرز دور الأمان في الحفاظ على أحجام المعاملات.

الأنشطة الصغيرة والمتوسطة تتحمل تكاليف نقدية أعلى: يُظهر التقرير أن حجم النشاط التجاري محدد رئيسي للتكلفة. "تكلفة قبول النقد لدى الأنشطة الصغيرة والمتوسطة تزيد بما يتراوح بين 2.5 و4 مرات مقارنة بالأنشطة الكبيرة"، إذ تفتقر إلى وفورات الحجم في معالجة ونقل النقد. وعلى النقيض، لا يقتصر الأمر على تفاوض الأنشطة الكبيرة على رسوم أقل لقبول البطاقات — أقل بنحو 30% من الصغار — بل تدمج أيضا بين صناديق الدفع وأجهزة نقاط البيع لتقليص التكاليف غير المباشرة مثل أخطاء الإدخال.

وفي مصر، يعني ذلك أن الشريحة الأصغر من سوق التجزئة لا تزال تتحمل عبئًا غير متناسب عند خدمة العملاء المفضلين للدفع نقدًا، بينما تتمتع الأنشطة الكبيرة بقدرة أفضل على امتصاص تكاليف المعاملات الرقمية بفضل خصومات الحجم وقوة التفاوض مع مزوّدي خدمات الدفع.

المزودون لديهم المفتاح: يشدد التقرير على أن مزوّدي خدمات الدفع سيلعبون دورا محوريا في مساعدة التجار على التعامل مع التكاليف غير المباشرة وتكاليف المكاتب الخلفية المتزايدة. فمن خلال دمج المدفوعات في العمليات التجارية وتقديم المشورة بشأن المزيج الأنسب من الوسائل، يمكن للمزودين مساعدة التجار على تحقيق التوازن بين التكلفة والوصول إلى العملاء. هناك فرصة أمام شركات التكنولوجيا المالية وحلول "نظير إلى نظير" لتصميم عروض موجهة خصيصًا للأنشطة الصغيرة والمتوسطة. ولم ينجح أحد بعد في حل معضلة مدفوعات الأنشطة الصغيرة والمتوسطة. إنها مساحة تستحق المتابعة، كما يقول فايق.