? عين على تاريخ مصر المعاصر: في روايته القصيرة " الباقي من الزمن ساعة "، يسرد عميد الرواية العربية نجيب محفوظ حكاية وطن يمتد على مدار ثلاثة أجيال، نرى بأعينهم ما عاصروه على الصعيد العام والخاص، بداية من سقوط الملكية وحتى معاهدة كامب ديفيد. نشر محفوظ هذه الرواية عام 1982، قبل أن تتحول إلى مسلسل تلفزيوني عام 1987 من بطولة فريد شوقي ومديحة يسري وعزت العلايلي.
**لينكات إنتربرايز فقط تظهر على الإيميل، اضغط على عنوان الفقرة بالأعلى لقراءتها مصحوبة بكل الروابط**
الحبكة: يعيش حامد برهان وزوجته سنية المهدي بصحبة أبنائهم كوثر ومنيرة وعلي في منزل واسع بحديقة خضراء داخل حي حلوان الهادئ، والذي لم يكن يسكنه سوى القليل من الناس آنذاك. حامد موظف من الطبقة المتوسطة ميسورة الحال، وفدي حتى النخاع، يؤمن بمبادئ ثورة 1919 وينتمي لفكر حزب الوفد قلبا وقالبا. ولكن سرعان ما تتغير الأوضاع ويبدأ الحراك السياسي متمثلا في ثورة الضباط الأحرار 1952، والتي تغير الواقع المصري حينها أيما تغيير. وبمجرد أن ينضج الأبناء، يصبح لكل منهم توجها واضحا، فمحمد يميل إلى فكر الإخوان المسلمين، ومنيرة ناصرية، فيما يبدو أن كوثر لا تعبأ كثيرا بالسياسة.
نتابع بعيون أسرة حامد شريطا يسرد الواقع السياسي والمجتمعي المصري على مدار ما يقرب من نصف قرن. فمع مرور السنوات بخفة، يتزوج الأبناء ويخلقون جيلا جديدا من الأحفاد، يدور عليهم الزمن فيعيشون النكسة ويتجرعون مرارة الهزيمة، قبل أن تستعيد مصر أرضها خلال أكتوبر 1973. فنجد منهم المؤمن بهذا الانتصار ومن شارك فيه ومنحه من روحه وجسده مجازا وحرفا، ومنهم من يعتبره إيذانا بخيانة أكبر تتمثل في استسلام لا سلام. ومع كل هذه الديناميكيات تتجلى التوجهات السياسية بقوة ما بين الماركسية والليبرالية وغيرها.
هذه الرواية انضمت سريعا إلى قائمة مفضلاتنا لنجيب محفوظ، ففيها يبدع الأديب الكبير في توثيق فترة شديدة التعقيد والخصوصية من التاريخ المصري بطريقة سلسة وصادقة وواقعية، تجذب العقول وتخطف الألباب. كما أننا لا نشهد التغييرات السياسية فحسب، بل إن التغييرات الداخلية التي تعصف بآل حامد برهان كل حين وآخر لا تقل درامية عما يحدث خارج أسوار منزلهم المشيد بحلوان.
بطريقته الآسرة وسرده العبقري ولغته البديعة، يأتي وصف محفوظ بليغا للغاية. كثيرا ما استوقفتنا بعض المشاهد والفقرات لشدة تأثيرها والبلاغة في وصفها، لدرجة أننا أعدنا قراءتها مرارا للاستمتاع ببلاغة اللغة أولا، وبدقة الوصف وواقعيته ثانيا. ومن هذه المشاهد كان تصوير لحظة تنحي جمال عبد الناصر، ومشهد وفاته وجنازته المهيبة. يرصد محفوظ تناقضات المجتمع بكل تفاصيله، ويلخصها في حكاية أسرة بسيطة تخرج من نسيج المجتمع الأكبر، لتمنحنا صورة رمزية مصغرة عنه.
هذه الرواية لكم إن كنتم من المهتمين بالتاريخ والسياسة، أو من عشاق نجيب محفوظ وتستمتعون بأعماله وخاصة حديث الصباح والمساء والحرافيش، إذ أنها تشبه في بنيتها هاتين الروايتين كثيرا، وننصحكم بألا تفوتوا قراءتها والاستمتاع بها. كما ننصح بها أيضا إن كنتم جددا في عالم محفوظ، خاصة بالنظر إلى حجمها الذي لا يتعدى حاجز 200 صفحة، والكفيل بأن يكون بوابتكم إلى عالم مؤرخ الأدباء الساحر.
أين تقرأونها: الرواية متوفرة في مكتبات ديوان والمصرية اللبنانية وعصير الكتب، ومتاحة رقميا عبر مكتبة هنداوي، وبالنسخة المسموعة عبر ستورتل.