مساحات واسعة من شواطئ الساحل الشمالي لمصر تتآكل بوتيرة مثيرة للقلق، والمطورون وأصحاب المنازل المتضررون يدقون ناقوس الخطر. جرف موسم الشتاء القاسي هذا العام كميات هائلة من الرمال، ما أنتج سواحل صخرية أضيق من المعتاد في عدد من الكمبوندات بالساحل.

المطورون يسابقون الزمن لإيجاد حلول هندسية، لكن الحذر مطلوب: فالمعالجات الجزئية لمشكلة واسعة بهذا الحجم قد لا تحقق النتائج المرجوة. ولسنا وحدنا في ذلك، إذ تضخ مناطق ساحلية حول العالم مليارات لإعادة تأهيل الشواطئ التي تآكلت بسبب العواصف وارتفاع مستوى سطح البحر. التدخلات الصناعية عادة ما تتطلب صيانة سنوية باهظة الكلفة. في بينيلاس كاونتي بولاية فلوريدا، على سبيل المثال، بلغت تكلفة إعادة الرمال وبناء الكثبان بعد إعصار 2024 نحو 26 مليون دولار.

تغيرات سريعة: أظهرت دراسة للباحثة إسراء المصري بقسم علوم البحار بجامعة الإسكندرية أظهرت أن المنطقة بين الضبعة ورأس الحكمة فقدت في المتوسط نحو 55 سم من الشريط الساحلي سنويًا بين 1990 و2020. هذا المعدل مرتفع للغاية مقارنة بما سجله تقرير للبنك الدولي عن تآكل السواحل في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، والذي قدر أن كامل الساحل المتوسطي المصري فقد نحو 10 سم سنويًا بين 1984 و2016.

ما الذي يحدث؟ التآكل الساحلي هو عملية طبيعية طويلة الأمد تُفقد الشواطئ تدريجيًا الرمال والتربة بفعل الأمواج والتيارات والعواصف. لكن الأنشطة البشرية في العقود الأخيرة سرّعت من هذه الظاهرة.

البنية التحتية والتطوير العمراني ساهمت في تفاقم التآكل. أحد أبرز الأسباب يعود إلى بناء السد العالي، بحسب دراسة صادرة في 2021 عن المركز القومي لبحوث المياه. السد حدّ بشكل كبير من تدفق الرواسب الطبيعية إلى الدلتا والساحل الشمالي، ما حرم الشواطئ من مصدر أساسي لتجديد الرمال.

تغير المناخ أيضًا عامل رئيسي: ارتفاع مستوى سطح البحر عالميًا وزيادة شدة العواصف بفعل التغير المناخي عمّقا من حدة التآكل والتغيرات قصيرة الأمد في الخط الساحلي.

رمال أقل = قيم عقارية أدنى: من الطبيعي أن يشعر المطورون وأصحاب المنازل بالقلق. شاطئ أقل رمالاً قد يضغط على أسعار العقارات ويقلل من جاذبية الساحل كوجهة عطلات على المدى الطويل.

الشواطئ هي رأس المال الأهم للساحل. والسياحة الساحلية، التي تشهد نموًا متسارعًا، أصبحت ركيزة أساسية في طموحات مصر السياحية الأشمل. فقدان هذه الميزة الطبيعية قد يشكل تحديًا لهذه الطموحات.

ومع مشروع ضخم بحجم رأس الحكمة، بات الحذر واجبًا: مشروع رأس الحكمة البالغة قيمته 35 مليار دولار يراهن بالأساس على السياحة. ورغم قلة التفاصيل المعلنة حتى الآن، فإن تهديد التآكل الساحلي — وكيفية تعامل المطورين معه — سيظل هاجسًا رئيسيًا.

الحلول الهندسية المدنية مثل الحواجز البحرية والحوائط الخرسانية والسدود الجانبية استُخدمت لحماية الشواطئ وتقليل أثر الأمواج والتيارات. لكن النتائج لم تكن دومًا كما هو متوقع. ففي أواخر الثمانينيات، تسببت الحواجز التي بُنيت بمرسى مارينا العلمين في إعاقة حركة الرواسب الطبيعية، ما أدى إلى تراكم الرمال في مناطق محددة وزيادة التآكل في مناطق أخرى.

المشكلة قد تعود إلى غياب التخطيط المتكامل. “هذه ليست مشكلة مصر وحدها. نراها في دول كثيرة. الحلول المحلية أحيانا تأتي على حساب البيئة والتوازن الطبيعي لمناطق مجاورة”، يقول ياسبر دورج، مدير المشروعات في شركة “دي إتش آي” الدنماركية المتخصصة في الحلول البيئية الساحلية، والتي تعمل مع عدد من المطورين المصريين منهم “إم سكويرد” مطور مشروع مصايف رأس الحكمة وديبلو 3.

الأمل قائم لحلول أكثر استدامة: الدفاع الساحلي المستدام يتطلب توازنًا بين الحماية والبيئة. من الحلول الممكنة: الحواجز الغاطسة المسامية، التي تقلل طاقة الأمواج دون تعطيل حركة الرواسب الطبيعية، بحسب دراسة منشورة في دورية “أوشن إنجنيرنج”. استعادة الكثبان الرملية، وتجديد الرمال بشكل دوري، وتوظيف الحواجز الطبيعية يمكن أن يسهم في الاستقرار على المدى الطويل.

لكن ذلك يتطلب مزيدًا من التخطيط ومواجهة الحقائق الصعبة: “إن أردت مدنًا وموانئ، فعليك أن تتقبل بعض التغيرات. عليك أن تحدد أي تغييرات يمكنك التعايش معها، وأين تريد الحفاظ على شواطئ رملية طبيعية بيضاء”، حسبما يضيف دورج.

الخطة المتكاملة لإدارة السواحل ستكون حاسمة: القرارات المتعلقة باستخدام الساحل وطبيعته يجب أن تندرج ضمن خطة متكاملة تشمل جميع الأطراف. “بمجرد وضع الخطة، يجب أن تخضع أي تنمية جديدة للمراجعة حتى لا تتعارض مع التصور العام للمنطقة.”

اندفاع غير منسق نحو بناء الحواجز لن يحقق الهدف: “وزارة الموارد المائية والري في المراحل النهائية لإعداد خطة شاملة لكل ساحل البحر المتوسط”، بحسب دورج. أي تدخل منفرد من مطورين، دون تنسيق مع هذه الخطة، قد يضر بالمناطق المجاورة والأنظمة البيئية وسلامة مرتادي الشواطئ.

ما هي خطة الحكومة؟

الحكومة تنفذ حاليا جهودا مكثفة لحماية شواطئ المتوسط من آثار تغير المناخ، بحسب ما قاله مصدر رفيع المستوى بوزارة الموارد المائية والري لإنتربرايز.

مسؤولية مشتركة بين القطاعين العام والخاص: تستثمر الدولة في حماية الشواطئ العامة، فيما تلزم المطورين في المناطق الأخرى بوضع وتنفيذ خطط لمكافحة التآكل تتم مراجعتها دوريًا، وفق المصدر. ويُطلب من المستثمرين تجنب الأنشطة الضارة بالساحل وأخذ مخاطر المناخ في الاعتبار ببناء حواجز وخدمات حماية. المخالفون قد يتعرضون لغرامات أو سحب التراخيص.

الإجراءات تشمل: حواجز صناعية، جدران بحرية، وحلولًا طبيعية قائمة على النظم البيئية ضمن مشروع “تعزيز التكيف مع تغير المناخ في الساحل الشمالي ودلتا النيل”. يستخدم المشروع الممول بـ 31.4 مليون دولار من صندوق المناخ الأخضر عبر منحة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي مواد محلية منخفضة التكلفة لبناء حواجز رملية طولية بالتعاون مع المجتمعات المحلية لضمان الاستدامة. يمتد المشروع من الإسكندرية إلى مطروح على مراحل متعددة لمواجهة ارتفاع مستوى البحر وزيادة قوة الأمواج.

حماية الاستثمارات: أصبح الساحل الشمالي واحدا من أهم مراكز الاستثمار في مصر، ما يجعل الحماية الساحلية أولوية قصوى للحكومة، بحسب المصدر. الدولة تنسق مع عدة جهات لإنشاء وحدات مراقبة وإجراء دراسات مستمرة لمعالجة الاختلالات ومنع التآكل، لحماية استثمارات بمليارات الجنيهات في العقارات والسياحة.