📖 رائد الأسبوع — رائد الأسبوع فقرة أسبوعية كل ثلاثاء، نتحاور خلالها مع أحد المؤسسين عن كيفية النجاح في مجتمع الشركات الناشئة في مصر، كما نعرف المزيد عن تجربته في إدارة الأعمال التجارية ونصائحه لرواد الأعمال الناشئين. تتحدث إلينا هذا الأسبوع سمية سلامة (لينكد إن)، مؤسسة مكتبة تشيري بلوسوم بوكس المستقلة.

**لينكات إنتربرايز فقط تظهر على الإيميل، اضغط على عنوان الفقرة بالأعلى لقراءتها مصحوبة بكل الروابط**

اسمي سمية خالد سلامة، وأنا مؤسسة ومالكة مكتبة تشيري بلوسوم بوكس، وهي مكتبة مستقلة تهتم بانتقاء أحدث الإصدارات التي نادرا ما تتوفر في مصر. في عام 2009 تخرجت في الجامعة البريطانية في مصر ضمن أول دفعة على الإطلاق، وتخصصت في مجال التسويق. لكن مساري المهني لم يتقاطع مع دراستي الأكاديمية، إذ كانت وظيفتي الأولى بعيدة تماما عن التخصص. واكتشفت سريعا أن نمط العمل التقليدي لا يلبي توقعاتي، فخطرت لي الفكرة: لماذا لا أؤسس عملي الخاص؟

استقلت في مارس عام 2011، وفي سبتمبر من ذات العام أسست شيري بلوسوم بوكس. لم يكن المشروع وليد خطة مسبقة صراحة، إذ لم يخطر ببالي خلال فترة الجامعة أن أبدأ عملا خاصا بي. كنت أحب القراءة، غير أني لم أجد ما كنت أبحث عنه في مصر. اعتدت شراء الكتب من أمازون، لكنها كثيرا ما كانت تصل في حالة سيئة، أو بعد وقت طويل، أو ربما ضاعت في البريد حتى. أردت أن أجد حلا لهذه المشكلات، وأن أعمل في مجال أحبه، وأن أوفر للقراء الآخرين وسيلة للحصول على الكتب التي يبحثون عنها ولا يتمكنون من اقتنائها.

لم أفكر كثيرا في كيفية دخول السوق، بل مضيت في التجربة مباشرة. ركزت منذ البداية على الإصدارات الجديدة، واخترت عناوين لم تكن متوفرة بسهولة في السوق المحلية، وهو ما منح تشيري بلوسوم بوكس ميزة مختلفة. كما أننا نتميز عن غيرنا من حيث أن جميع شحناتنا تأتي من السوق الأمريكية، في حين أن معظم المكتبات تعتمد على النسخ القادمة من المملكة المتحدة لأن الحصول عليها أرخص وأسهل. صحيح أن النسخ الأمريكية أعلى سعرا، لكنها تتفوق من حيث جودة الإخراج الفني. هذا التنوع في الاختيارات يجذب إلينا شريحة كبيرة من العملاء الجدد من خلفيات متعددة.

أول مرة شعرت فيها بالنجاح كانت مع افتتاح فرعنا الثاني. بدأنا بمحل صغير جدا في قبو مول بورتو كايرو عام 2015، ولم يكن أحد يزورنا تقريبا. بعد عام واحد فقط، انتقلنا إلى متجر أكبر في الطابق الثاني. في يوم الافتتاح، رأينا صفا طويلا من الزبائن بانتظارنا. كنت قد استوردت قبلها بشهر شحنة كبيرة مليئة بأحدث الإصدارات، وما إن فتحت الأبواب حتى اندفع الجميع لالتقاط طلباتهم. عندها فقط أدركت أن المشروع بدأ ينجح فعلا.

أغلقنا متجرنا مضطرين، ومع مرور الوقت أدركنا أن القرار كان في محله، ولا سيما في ظل جائحة كوفيد-19. فقد اتجه كثير من الناس إلى الشراء عبر الإنترنت، الأمر الذي أتاح لنا تقليص النفقات. لا أتصور لو أن الأمر جرى بخلاف ذلك. وخلال الأعوام الخمسة المقبلة أتوقع أن تشهد مكتبة تشيري بلوسوم توسعا أكبر، مع تقديم مجموعات كتب فيها تنوع أكبر لقراء مختلف أنحاء البلاد. وسيظل هدفي الأول إتاحة مزيد من الكتب، إلى جانب فتح قنوات جديدة للمنتجات تشمل البضائع والقطع المستوحاة من عالم القراءة، لتكون رافدا مكملا للمنتج الرئيسي الذي نقدمه.

مع ما تمر به البلاد من تحديات اقتصادية، ازدادت الصعوبات، ولا سيما في السنوات الثلاث الأخيرة. فقد صارت الموازنة بين تعويم الجنيه والتسعير العادل مسألة بالغة التعقيد. لا نريد أن نخسر، وفي الوقت ذاته لا نريد المبالغة في تسعير الكتب. في عام 2016، مع أول موجة من خفض قيمة العملة، رفعنا الأسعار، لكن سرعان ما تبين أننا نخسر المال والعملاء على حد سواء. وانتهى بي الأمر مع مخزن ضخم من الكتب لا أعرف ما أفعل به.

تعلمت الدرس حينها. ومع التخفيضات الأخيرة لقيمة العملة، بدأت أرفع الأسعار تدريجيا وبزيادات صغيرة، حتى وصلت إلى توازن مرض وعادل لكل من العميل ولي. بعض المكتبات الأخرى أسعارها أعلى، لكن لا يمكن لومهم، فالتكاليف التشغيلية تضيف كثيرا على الأسعار، وهنا يأتي تقديري للعمل عبر الإنترنت.

أهم ما أود تغييره في سوق الكتب في مصر هو التخلص من الكتب المقرصنة تماما. فهذا ظلم للمؤلفين والناشرين وكل من يشارك في صناعة الكتاب الذي يقرصن في النهاية. أفهم أن الكتب قد تكون مرتفعة الثمن وليس في مقدور الجميع شراؤها، لكن هناك طرق أخرى للحصول على كتب بسعر مناسب إلى حد ما بعيدا عن القرصنة. كما أرغب في تقليل الاعتماد على ظاهرةبوك توك، فكثير من العناوين التي يبالغ في الترويج لها هناك تفتقر إلى العمق والمضمون، وقد تحول هذا الفضاء إلى بيئة سامة يركز فيها مجتمع القراء — في مصر وخارجها — على الجوانب السلبية، متناسين أن جوهر القراءة هو الاستمتاع في نهاية المطاف.

رؤية الزبائن وهم يحملون كتبهم تسعدني كثيرا، وأعتبرها أكثر جانب مجزي في إدارة مكتبة تشيري بلوسوم. فكلما جاؤوا لاستلام طلباتهم من المكتب الرئيسي، نتبادل الحديث عن الكتب التي نقرأها، وذلك أمر رائع. أما أصعب جانب في العمل فهو الأمور اللوجستية، مثل تأخر الشحنات، والجمارك، والأوراق غير الضرورية التي تعرقل وصول الكتب. كل ذلك يسبب لي توترا شديدا، خصوصا عندما أضطر لإبلاغ الزبائن بهذه التأخيرات.

في البداية كنت أكرس وقتي كله للعمل، ولم أفرق بينه وبين حياتي الشخصية. لكنني تعلمت أن أفصل بينهما وأمنح نفسي قسطا من الراحة دون الإخلال بالتزامات تجاه العمل. أحيانا يكون ضغط طلبات الزبائن ومشاكل الشحن كبيرا للغاية، لذلك أقرر أنه بمجرد عودتي إلى المنزل لن أفتح بريدي الإلكتروني أو أؤدي أي عمل حتى اليوم التالي. ومنذ أن بدأت تطبيق هذا النظام، شعرت بفرق واضح.

أقرأ حاليا رواية The Traitor Queen للكاتبة دانييل إل جنسن، وهي من فئة الرومانسية الفانتازية، وقراءتها ممتعة. الفانتازيا الملحمية هي النوع الأدبي المفضل عندي، ولطالما أحببتها. يعجبني أن أذهب إلى عوالم مختلفة وأتعرف إلى شخصيات جديدة في ظروف مغايرة. ولو لم أكن أدير مكتبة تشيري بلوسوم، لصرت رحالة. سافرت كثيرا في حياتي، لكني أرغب في زيارة شرق آسيا وأوروبا.

لو عاد بي الزمن إلى الوراء، لنصحت نفسي بالصبر وألا أسمح للعمل بأن يستنزفني. فكثيرون يتمنون طريقا قصيرا، متجاوزين كل ما يتطلبه تأسيس مشروع من بحث وجهد ومشقة. الأمر ليس سهلا، بل يحتاج إلى وقت. لم يكن لدي عدد كبير من الزبائن، وارتكبت — ولا أزال أرتكب — الكثير من الأخطاء، لكن المهم أن أتعلم منها. فإذا لم تعتمد على نفسك، فلن تتمكن من النجاح.