? صلاةالقلق.. ماذا لو عزلتك السماء عن العالم؟ في تجربته الروائية الثالثة، يقدم الكاتب محمد سمير ندا عملا لافتا مكنه من الفوز بالجائزة العالمية للرواية العربية عام 2025. ندا — الذي يعمل مديرا ماليا في قطاع السياحة المصري — لم يأت من خلفية أكاديمية أدبية برغم أن والده الراحل كان أديبا، لكنه استطاع أن يلفت الأنظار برواية لا تحاول إرضاء القارئ أو تسليته، بل تطرح عليه أسئلة صعبة عن الدين والسلطة والخوف، بلغة تميل أحيانا إلى التعقيد وأحداث أقرب إلى الكابوس الجماعي.
**لينكات إنتربرايز فقط تظهر على الإيميل، اضغط على عنوان الفقرة بالأعلى لقراءتها مصحوبة بكل الروابط**
الحبكة: تقع أحداث الرواية في قرية خيالية بالصعيد اسمها نجع المناسي خلال سبعينات القرن الماضي. تبدأ القصة بانفجار غامض في السماء، لا يعرف إن كان نيزكا أو قمرا صناعيا. لكنه يتسبب في عزل القرية عن العالم حتى بات أهلها لا يعرفون سوى أن هناك حربا مستمرة منذ عشر سنوات، وتحديدا منذ عام 1967، وأن العدو الإسرائيلي قد يتسلل إلى مصر من خلال قريتهم.
بعد لحظة الانفجار يصاب أهل القرية بوباء غريب يغير ملامحهم وسلوكهم، إذ يسقط شعر رؤوسهم وحواجبهم، ويصبحون حساسين للضوء والصوت، ويتحركون ببطء شديد كأنهم فقدوا حيويتهم. هذه التحولات لا يشرحها الكاتب بشكل مباشر، لكنها تعبر عن حالة من الخوف الجماعي والضياع، في ظل غياب الحقيقة وانهيار الثقة في كل ما هو معروف ومألوف.
الخيوط الدرامية: تعج الرواية بالشخصيات المحورية، أبرزها الإمام أيوب الذي يجد نفسه عاجزا عن فهم ما يحدث أو مواجهته، ويبدأ في الشك في كل ما آمن به. إلى جانبه يظهر خليل الخوجة، ممثل الدولة القوي الذي يسيطر على حياة الناس من خلال الإعلام والوثائق الرسمية، ويصدر جريدة اسمها صوت الحرب ويتولى تجنيد الشباب. أما حكيم ابن الخوجة فهو فتى أخرس يبدو في البداية كأنه شخصية هامشية، غير أن دوره الجوهري في الأحداث يتكشف في النهاية. كما أن لدينا شواهي، المرأة التي لم تصب بالوباء، والتي ينظر إليها كرمز للحرية والرغبة التي يحاول المجتمع كبتها.
مع تقدم الرواية يتغير أسلوب السرد من الحكاية التقليدية إلى الأصوات المتعددة، فنتابع ثمانية أصوات مختلفة من أهل القرية يروون ما مروا به كل بطريقته، ليعكس الكاتب تعدد الرؤى وتباين التجارب داخل الأزمة الواحدة. هذا التحول يجعل الرواية أكثر تعقيدا، لكنه يضيف أيضا طبقات من المعنى. ورغم اختلاف رؤية المعنى والعبر من الأزمة التي حلت بالقرية وطريقة التفاعل معها باختلاف الشخصيات، يظل الخط الرئيسي واضحا. هذه رواية لا تبني عالمها حول وباء غامض، بل عن فقدان الثقة، عن عجز الإنسان أمام ما لا يستطيع فهمه، وعن الأسئلة التي تنهض حين تصمت كل الأجوبة.
صلاة القلق ليست رواية بسيطة تقرأ على عجل، وهي كذلك ليست حكاية شديدة التعقيد. إنه عمل يشبه رؤيا في المنام، تؤرقنا فلا نعرف متى بدأت ولا كيف انتهت، لكنها تترك أثرا لا ينسى. يعالج ندا قضايا كبيرة بلغة خاصة، وينتقل بين الواقع والرمز دون أن يفقد السرد تماسكه. وبين أصوات أهل النجع، وخوفهم من المجهول، وصمت الراوي الذي يتكلم في النهاية، يجد القارئ نفسه أمام سؤال جوهري: كيف نعيش عندما تفقد الأشياء من حولنا معناها؟
أين تقرأونه: عبر مكتبات الشروق وديوان وعصير الكتب وببليوتك والمصرية اللبنانية.