? يشهد قطاع الذكاء الاصطناعي في مصر نموا ملحوظا، إذ تحتل البلاد المركز الثاني على مستوى القارة الأفريقية والسادس والخمسين عالميا ضمن مؤشر جاهزية الذكاء الاصطناعي الحكومي لعام 2022 الصادر عن منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية. ومع تزايد عدد القطاعات والشركات التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي في عملياتها اليومية، تطرح عدة تساؤلات منها: ما أبرز القطاعات الرائدة في تبني الذكاء الاصطناعي، وما نهجها، وما تطبيقاته الأكثر شهرة بينها؟

في محاولة لإلقاء نظرة أعمق والحصول على إجابات ورؤى واضحة بخصوص هذه التساؤلات، التقينا المؤسس المشارك والرئيسالتنفيذي لشركة دي إكس واند أحمد محمود. تتخصص هذه الشركة الناشئة في مجال حلول وكلاء الذكاء الاصطناعي للشركات، وقد تأسست لتلبية احتياجات العديد من القطاعات.

إنتربرايز: ما هي القطاعات التي تعتقد أنها رائدة في تبني أدوات الذكاء الاصطناعي؟

محمود: من حيث الجاهزية، يعد قطاع الخدمات المالية متحمسا بشكل كبير. غالبا ما ينظر إلى هذا القطاع على أنه يتجنب المخاطرة ويفضل الاستقرار على الابتكار. ومع ذلك، أثبت هذا القطاع استعداده لتبني أدوات الذكاء الاصطناعي. ولكن عندما يتعلق الأمر بالإجراءات فإن الأمور تصبح بطيئة بعض الشيء.

على الجانب الآخر، يتبنى قطاع التعليم الذكاء الاصطناعي بسرعة ملحوظة. وهناك بالفعل ضغط متزايد على القطاع، نظرا لإقبال المعلمين والطلاب حول العالم على أدوات الذكاء الاصطناعي المتاحة، ما اضطر قطاع التعليم لتبني هذه التقنية. لم يكن أمام القطاع خيار آخر، فإما ترك زمام الأمور للمعلمين والطلاب أو التمسك بالمنهجية وتقديم حلوله الخاصة.

إنتربرايز: كيف يتبنى القطاع المالي الذكاء الاصطناعي؟

محمود: من نواح عديدة، فإلى جانب خدمة العملاء، شهدناه توجه المؤسسات نحو الخدمات المالية الوكيلة. إن أخبرت بوت دردشة أن بطاقتك الائتمانية قد سرقت، فإنه قد يخبرك بما عليك أن تفعله أو بمن ينبغي عليك الاتصال به، ولكن هذه لا تعتبر خدمة عملاء وكيلة.

خدمة العملاء الوكيلة تتعلق بالتصرف الفوري، تماما كما قد يفعل الإنسان. من حيث جدوى الأعمال، يعد هذا الخيار أكثر منطقية. يستكشف وكلاء الذكاء الاصطناعي الأخطاء ويفسرونها ويتخذون الإجراءات اللازمة، وهو ما تختاره المؤسسات. لدينا كذلك رؤى توليدية، إذ يتلقى العميل لوحة معلومات فورية بمجرد تقديم الاستعلام. مثلا: إن أردت مقارنة حجم مبيعات فرعين لمنتج معين خلال فترة زمنية محددة، فإنك ستحصل على الأرقام وأسباب تقلب المبيعات، سواء كان يتعلق بتغيير في السياسة أو خلافه.

يتعمق هذا النظام في جميع البيانات المتاحة داخل الشركة لتقديم المعلومات التي تحتاجها من أجل اتخاذ الإجراءات اللازمة. وهذا مفيد بشكل خاص لمؤسسات الخدمات المالية التي تعتمد على كميات هائلة من البيانات.

هناك أيضا المبيعات، إذ يساعد وكيل الذكاء الاصطناعي في تصنيف العملاء المحتملين، ويساعد وكيل المبيعات على تخصيص نهجه بناء على بيانات حقيقية. فهو يجري ما يعرف بعملية "اعرف عميلك"، والتي توفر على وكيل المبيعات أسبوعا من العمل على أقل تقدير.

إنتربرايز: على العكس، ما هي القطاعات الأكثر مقاومة للتحول إلى الذكاء الاصطناعي؟

محمود: قطاع الرعاية الصحية لديه مخاوفه، وهذا أمر مفهوم. ففي النهاية، الذكاء الاصطناعي ليس خاليا من العيوب، والمجال الطبي حساس للغاية. لا يمكن تحميل الذكاء الاصطناعي مسؤولية أي أخطاء ترتكب في هذا المجال. قطاع الرعاية الصحية لا يعارض اعتماد آلياته، ولكنه يستخدم في دوائر أقل حساسية. توجد أيضا قيود متعمدة. وبالمثل، تتبع القطاعات القانونية نهجا مماثلا. إذ تعتمد الذكاء الاصطناعي في سياق محدود.

إنتربرايز: ما هي الاستخدامات الأكثر شيوعا للذكاء الاصطناعي اليوم من وجهة نظرك؟

محمود: بدأنا مؤخرا العمل مع وزارة التربية في الكويت، وكانت التجربة مفاجئة. في العادة، ننظم ورشا تدريبية ونشرح النظام لفرق العمل قبل تطبيقه. لكن مع وزارة التربية الكويتية لم نحتج لأي من ذلك — النظام انطلق تلقائيا وكانوا معتمدين على أنفسهم من البداية. طوال سنوات عملي في مجال التكنولوجيا، لم أرَ تطبيقا بهذه السرعة من قبل.

الاستخدامات متعددة ومتنوعة، إذ يوظف الطلاب الذكاء الاصطناعي لتعميق فهمهم للدروس، واكتساب معرفة معمقة، والتعلم وفقا لإيقاعهم الخاص. إذا أراد أحد الطلاب اختبارا تجريبيا، يصممه الذكاء الاصطناعي ويقيم أداءه، ثم يتعمق في مكامن ضعفه. أما المعلمون، فيستخدمون أدوات مصممة خصيصا لإنشاء محتوى يتماشى مع المناهج الرسمية، وهو ما لا تستطيع نماذج الذكاء الاصطناعي العامة فعله. الأدوات التي قدمناها للوزارة تتيح للمعلمين تصميم كل شيء من أنشطة تفاعلية إلى ورش تدريبية، وجميعها تستند مباشرة إلى المقررات المعتمدة.

إنتربرايز: ما الذي أثار دهشتك في طريقة تبني الشركات المصرية لتقنيات الذكاء الاصطناعي؟

محمود: لعل أكثر ما لفت نظري هو جرأة الشركات الصغيرة والمتوسطة في مصر، ويبدو أنهم كانوا متعطشين لهذه الخطوة. صحيح أن تقنيات الذكاء الاصطناعي كانت حكرا على أصحاب الميزانيات الضخمة في بداياتها، لكن مع انخفاض التكلفة وظهور شركات محلية مثل دي إكس واند تطور حلولا مدمجة داخل منصاتها، باتت الخيارات متاحة ومناسبة من حيث التكلفة. نحن نتعامل مع مؤسسات مختلفة منذ عام 2018، لكننا بدأنا هذا العام في خدمة الشركات الصغيرة والمتوسطة، ووجدنا أن 6 أو 7 من كل 10 منها مستعدة لتجربة وكلاء الذكاء الاصطناعي. الأمر مختلف مع الكيانات الكبرى، إذ تقل نسبة الإقبال. وهذا دليل على أن التأثير الاقتصادي للذكاء الاصطناعي في مصر سيكون ضخما، خاصة مع نمو هذه الشركات وتعزيز قدرتها على التوسع.

إنتربرايز: ما أبرز التحديات التي واجهتموها عند تطبيق الذكاء الاصطناعي في السوق المصرية؟

محمود: التحدي الأكبر يكمن في غياب أي أطر تنظيمية حتى الآن بحسب علمي. لا توجد لوائح واضحة أو دليل إرشادي يحدد ما يمكن وما لا يمكن فعله، ما يضع الشركات أمام احتمال الاصطدام المفاجئ بقواعد جديدة تحظر ما سبق أن استثمرت فيه. هذا النوع من المخاطر يثني كثيرين عن التبني الكامل للتقنيات الجديدة. الشركات تتوق لمواكبة التطورات، لكن التحديات التنظيمية تعيق بعضها، مثل تقلبات أسعار الصرف وقيود استخدام البطاقات الائتمانية، والتي جعلت تنفيذ بعض الحلول التقنية أكثر تعقيدا.

إنتربرايز: بالنسبة للشركات التي تعتمد الذكاء الاصطناعي، كيف تحسب العائد على الاستثمار؟

محمود: المسألة ترتبط بسيناريو الاستخدام. خذ على سبيل المثال أتمتة دورة المشتريات، وهي بطبيعتها عملية إدارية مكررة. في هذا النوع من الحالات، ننجح غالبا في أتمتة نحو 80% من مراحل العمل، ما يترجم إلى وفورات مباشرة في الوقت والتكلفة. لنفترض أن شركة اتصالات تسعى لبناء برج جديد مثلا، فدورة المشتريات قد تمتد لعام كامل، وغالبا ما تكون الإجراءات الإدارية هي ما يستهلك الجزء الأكبر. هنا لا تقاس الخسارة بالوقت فقط، بل بتكلفة هذا الوقت أيضا.

إنتربرايز: ما هي تطبيقات الذكاء الاصطناعي التي تتمتع بأعلى إمكانات التبني بين الشركات المصرية خلال السنوات الثلاث إلى الخمس المقبلة؟

محمود: الأدوات التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي في التحليلات واستخلاص الرؤى سواء في العقارات أو التسويق أو الخدمات المالية، ستشهد على الأرجح أعلى معدلات إقبال من الشركات. وخدمة العملاء أيضا ستشهد تحولا كبيرا، إذ ستقود الأتمتة والتخصيص هذا التغيير.

إنتربرايز: ما النصيحة التي تقدمها لقادة الأعمال في مصر ممن بدأوا للتو استكشاف إمكانية تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي؟

محمود: لست من هواة تقديم النصائح، لكن لو أتيحت لي فرصة تدشين مشروع اليوم، لاخترت الانطلاق مبكرا وبوتيرة سريعة، ولبادرت بإدماج الذكاء الاصطناعي في عملي. لن أضيع وقتا في الانتظار، يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي لتسيير أي جانب من المشروع، دون الحاجة إلى إرهاق نفسي في مهام التوظيف أو الاستعانة بجهات خارجية.