الساحل الشمالي أصبح بالفعل وجهة مفضلة للسياح العرب، فيما يضع المطورون العقاريون الضفة الأخرى من البحر المتوسط نصب أعينهم كمنافس. الاهتمام المتزايد برأس الحكمة يدفع المطورين للتفكير في رؤية أوسع، والتي من شأنها أن تضع الساحل الشمالي كوجهة عالمية على قدم المساواة مع الوجهات السياحية الرائجة على طول البحر المتوسط. تحدثنا مع الجهات الفاعلة والمحللين في قطاعي العقارات والسياحة حول مستقبل الساحل، بما في ذلك هوية الجمهور المستهدف والإجراءات المطلوبة لجذب اهتمامه.
خلفية- “مراسي” مهدت الطريق، حيث أصبحت “إعمار” أول شركة تحول مشروعها الرائد في الساحل إلى وجهة صيفية للسياح العرب عبر توفير فنادق فاخرة، وأماكن تسوق راقية، وتجارب ترفيهية مصممة خصيصا لتناسب ذوق الجمهور الخليجي. الحكومة أيضا تكثف جهودها لجذب السياح العرب إلى مدينة العلمين الجديدة كل صيف.
يرى المطورون أن المبيعات الدولية تتحول بالفعل من خانة أحادية إلى مزدوجة من إجمالي الطلب. ويجب أن يستمر هذا الطلب في النمو بشرط اكتمال البنية التحتية.
بيع الوجهة.. وليس الوحدات: ينبغي أن يجري التسويق لرأس الحكمة كمدينة متكاملة، وليس كمنتجع صيفي، وفق ما قاله رئيس مجلس إدارة شركة ريدكون بروبرتيز طارق الجمال لإنتربرايز. “نحن لا نبيع وحدات مصيفية على البحر — نحن نبيع مدينة”. ويتفق مع هذا الرأي الرئيس التنفيذي لشركة أورا ديفلوبرز هيثم محمد، قائلا: “الترويج للساحل الشمالي كوجهة عالمية يبدأ بإعادة تصور ما يمكن أن يمثله الساحل. الأمر لا يتعلق بالعقارات وحدها، بل بخلق هوية… الوجهات العالمية الناجحة تخلق روابط عاطفية مع زائريها، وتقدم تجارب مميزة ترتكز على الثقافة والتصميم والانتماء، وليس مجرد مبان على شاطئ البحر”.
من يشتري أهم من مقدار ما يدفعه. يجري تصميم رأس الحكمة من قبل شركة “مدن” كمكان صالح للعيش على مدار العام — وليس وجهة لقضاء العطلات فقط — مما سيؤثر على استراتيجيات التسعير ويميزها عن غيرها من مشروعات الساحل الشمالي، حسبما قال الجمال.
إنشاء علامة تجارية عالمية: يجب تسويق الساحل الشمالي عالميا كوجهة مميزة على مدار العام، وفق ما قاله الرئيس التنفيذي لشركة مدار أحمد إهاب. واتفق معه في الرأي الرئيس التنفيذي لشركة إم سكوير كريم ملش، مضيفا أن جهود بناء علامة تجارية قوية تتجاوز مفهوم الصيف فقط يجب أن تدعمها تحسينات في الوصول إلى المطار والطرق، وأنشطة على مدار العام، وحملات ترويجية مصممة خصيصا لأسواق متعددة — فالطريقة التي ستسوق بها لمواطني دول مجلس التعاون الخليجي لن تكون نفسها التي ستجذب الأوروبيين أو المقيمين الأجانب في الإمارات العربية المتحدة على سبيل المثال.
رحلات الطيران العارض تدفع السياحة الوافدة: نما عدد السائحين الوافدين خلال الموسمين الماضيين بفضل زيادة رحلات الطيران العارض (الشارتر) إلى مطار العلمين، وفق ما صرح به الرئيس التنفيذي لمجموعة جاز للفنادق علاء عقل لإنتربرايز. ويمكن لمطار رأس الحكمة المرتقب مضاعفة هذه الأرقام. وأضاف عقل أن زيادة عدد الرحلات الجوية ستساهم في دفع الطلب من أوروبا الشرقية وأسواق البحر المتوسط.
الترفيه هو كلمة السر. معايير الجذب العالمية — من دور السينما والمؤتمرات إلى الرياضات المائية — موجودة بالفعل في المخطط الرئيسي لمشروع رأس الحكمة، وفق ما قاله عقل. المطورون لديهم التمويل اللازم، والذي يمكن أن يجعل المدينة ترى النور في غضون ثلاث سنوات فقط. ويتفق مع هذا الرأي المدير العام لشركة سوديك أيمن عامر، الذي قال: يحتاج الساحل الشمالي إلى عروض ترفيهية قوية للمنافسة مع الوجهات الأوروبية الرائجة — وهذا هو ما دفع سوديك لجلب علامات تجارية عالمية، بما في ذلك نوبو، إلى مشاريعها في رأس الحكمة.
مراكز تعتمد على جاذبية العلامات التجارية المحلية ذات السمعة العالمية. جلبت الشركة “أدرير أميلال” الفندق الصديق للبيئة العالمي من واحة سيوة إلى مشروعها التابع “رملة” في رأس الحكمة، وفق ما صرح به نائب رئيس مجلس الإدارة التنفيذي لشركة مراكز داشا بدراوي لإنتربرايز. وتتعاون مراكز أيضا مع مصممة المجوهرات الشهيرة عزة فهمي لإطلاق نادي شاطئ عزة فهمي في “رملة”، بهدف توفير تجربة فريدة للزوار المحليين والدوليين.
السياح العرب يأتون في مقدمة الركب. ينفق المسافرون الخليجيون أكثر من نظرائهم الأوروبيين — وهم يشترون بالفعل، ويستثمرون، ويشعرون وكأنهم في وطنهم في الساحل، وفق ما قاله الرئيس التنفيذي لشركة مدينة مصر عبد الله سلام. “إذا نظرت إلى مدن مثل باريس ولندن — فإن السياحة الخليجية تبقيهما مزدهرتين”. يجب على المطورين التركيز أولا على أسواق الخليج وأوروبا قبل التوجه إلى آسيا أو الولايات المتحدة، حسبما أوضح سلام. وبالنسبة للمستثمرين الخليجيين، يمكن أن تقدم رأس الحكمة عوائد تتجاوز دبي أو لندن، وفق تصريحات الرئيس التنفيذي لشركة تطوير مصر أحمد شلبي لإنتربرايز، مضيفا أن المدينة يمكن أن تنافس الرياض في جذب رؤوس الأموال.
أنشئ ما لا تملكه “بودروم”. إذا توافرت البنية التحتية والخدمات على مدار العام، يمكن للساحل الشمالي أن يجذب السياح من وجهات مثل بودروم التركية — التي تتوقف فيها الحياة إلى حد كبير خلال فصل الشتاء — بحسب سلام.
أيضا– “لماذا لا نستضيف المعارض العالمية في الساحل بدلا من التجمد في ميونخ خلال يناير؟” كما يتساءل عامر. ويتفق معه في الرأي عقل، الذي قال: هناك إمكانات حقيقية لتنشيط سياحة المؤتمرات والمعارض بعيدا عن فصل الصيف.
الرياضة يمكن أن تصبح وسيلة الجذب الرئيسية التالية. يمكن أن تبقي الأحداث الرياضية الساحل نابضا بالحياة عقب الصيف، حسبما قال العديد من المطورين لإنتربرايز. ويرى عامر أيضا إمكانية تنظيم المعسكرات التدريبية والبطولات الشتوية في المنطقة — مما يبقي الفنادق والمطاعم في حالة عمل على مدار العام.
مراكز الأعمال وملاذات التقاعد قد تكون عوامل جذب محتملة. تصمم شركة مدن رأس الحكمة كمركز للأعمال والخدمات أيضا، بحسب الجمال. وكمنطقة خدمات حرة، يمكنها استضافة مقار الشركات واستيعاب الموظفين الأجانب. ويرى كل من شلبي وإهاب أن توسيع نطاق خدمات الرعاية الصحية والسياحة العلاجية يمكن أن يساعد في جذب المتقاعدين الأوروبيين، وربما حتى إقناعهم بالاستقرار بشكل دائم.
كيف يمكننا التعلم من إخفاقات الدول الأخرى؟
هل تنجح رأس الحكمة فيما فشل فيه آخرون؟ لفتت آية غانم، رئيسة الاستشارات الاستراتيجية لمنطقة أفريقيا لدى شركة الاستشارات العقارية العالمية “جي إل إل”، إلى مشاريع دولية بارزة فشلت في استقطاب المشترين الأجانب الذين صُممت لجذبهم في الأساس.
في إسبانيا.. العرض لا يخلق الطلب: صُممت العديد من المدن والمنتجعات الساحلية في إسبانيا مع وضع المشترين الدوليين في الاعتبار — وخاصة من المملكة المتحدة وألمانيا. وبينما بيعت هذه المشاريع بشكل جيد في البداية، أصبح العديد منها فيما بعد مدن أشباح موسمية بسبب عدم وجود مجتمع متكامل ونقص الخدمات. وأشارت غانم إلى أن مجرد بيع الوحدات لا يكفي إذا كان المشروع لا يستطيع جذب سكان دائمين ومستخدمين على المدى الطويل.
اليونان.. رؤية دون تنفيذ: أطلقت اليونان بالمثل مشاريع تنموية سياحية كبيرة تستهدف المشترين الأوروبيين المهتمين بالتكلفة والباحثين عن وجهات سياحية شمسة. لكن هذه المشاريع افتقرت إلى روابط ذات مغزى بالاقتصاد المحلي وفشلت في تقديم حوافز تشريعية أو إجرائية مثل الإقامة طويلة الأمد أو الإعفاءات الضريبية. وقالت غانم: “كانت تبدو جيدة على الورق”، “لكنها عانت من نسب إشغال ضئيلة وضعف على مستوى المبيعات”.
تركيا.. تسويق قوي واستقرار غائب: نجحت تركيا في جذب أعداد كبيرة من المستثمرين العرب والأجانب خلال العقد الماضي بفضل التسويق القوي وسياسات الملكية المرنة. ومع ذلك، أثر عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي بشدة على سوق العقارات. وقالت غانم إن تركيا تؤكد درسا رئيسيا؛ هو أن الطلب الأجنبي متقلب ويتفاعل بسرعة مع التغيرات في بيئة الأعمال — بغض النظر عن مدى جاذبية العروض.
ميزة دبي.. نظام بيئي متكامل: على النقيض، تبرز دبي كقصة نجاح نسبي — ولكن فقط لأنها تجمع بين البنية التحتية المتطورة، والتشريعات الواضحة، وسياسات الإقامة والملكية المرنة، والخلفية الاقتصادية المستقرة. “نجاح دبي لا يتعلق بالمباني،” حسبما قالت غانم لإنتربرايز. “إنه يتعلق بالمنظومة البيئية للعمليات والخدمات والحوكمة”.
تجنب هذه الأخطاء الخمسة: بناء على دراسات الحالة تلك، حددت غانم خمسة مخاطر رئيسية يجب على مصر تجنبها خلال عملية تطوير رأس الحكمة:
- التركيز فقط على المبيعات السكنية الموسمية دون نموذج تشغيل مستدام؛
- الفشل في تحديد هوية المدينة — هل هي منتجع أو مركز أعمال أو جهة تعليمية، أم شيء آخر؟
- تأخير طرح الخدمات الأساسية مثل المدارس والمستشفيات والنشاط التجاري؛
- غياب سياسات وإجراءات واضحة وشفافة للملكية الأجنبية؛
- استهداف شرائح المشترين الخاطئة أو الاعتماد على التسويق المبتذل؛
إذن، ما الذي سيجعل رأس الحكمة متميزة؟ قالت غانم إن رأس الحكمة بإمكانها النجاح — إذا ابتعدت عن السياحة الموسمية لتبني هوية حضرية متكاملة تماما. ويتضمن ذلك استراتيجية تشغيل وخدمات من اليوم الأول، وحوافز تنافسية للمشترين الأجانب مثل الملكية الكاملة، والإقامة طويلة الأجل، والإعفاءات الضريبية، وروابط ذات مغزى بالاقتصاد الأوسع — بما في ذلك قطاعات التعليم والرعاية الصحية والخدمات. وأضافت غانم: “لا يمكن أن يكون هذا مجرد مشروع عقاري آخر”. “إنه اختبار لقدرة مصر على إطلاق مدينة ساحلية بمعايير عالمية ذات عمق تشغيلي حقيقي”.
الخلاصة: القرب من البحر والموقع الجيد لن يكونا كافيين وحدهما. النجاح الدائم يتطلب رؤية حضرية واقتصادية مخططة جيدا، وخدمات جذابة، وسياسات ملكية مصممة بذكاء للأسواق الدولية، وفق ما قالته غانم.