يشهد قطاع الرعاية الصحية في مصر تحولا كبيرا، إذ يعمل صانعو السياسات والمستثمرون على إعادة تشكيله ليصبح وجهة استثمارية أكثر جاذبية. ويجري مسؤولون حكوميون ولاعبون من القطاع الخاص مباحثات حول التغييرات التنظيمية والتشريعات الجديدة التي من شأنها أن تطلق الإمكانات الكامنة في مختلف جوانب القطاع، من التأمين والأدوية إلى البنية التحتية والصحة الرقمية، وفق ما نوقش في ورشة عمل نظمتها شركة طيبة للاستشارات القانونية وحضرتها إنتربرايز.

تسعى مصر لإعادة رسم خارطة الاستثمار في قطاع الرعاية الصحية، مدعومة بتشريعات محدثة مثل منظومة التأمين الصحي الشامل ولوائح جديدة للمهن والمؤسسات الطبية، حسبما علمت إنتربرايز. وتعمل الحكومة أيضا من خلال الهيئات التنظيمية لتعزيز الاستثمار. إذ توفر السوق المحلية خيارات استثمارية كبرى في المستشفيات والمستلزمات الطبية والأدوية، مدعومة بالكوادر الماهرة والطلب المتزايد، وفقا لمستشار رئيس الجمهورية للشؤون الصحية ووزير الصحة الأسبق محمد عوض تاج الدين.

لكن الكثير من العمل لا يزال مطلوبا. فمع أن القطاع الخاص يقدم بالفعل 75% من خدمات الرعاية الصحية في مصر، لا يزال غياب الخريطة الاستثمارية الواضحة والحوافز العملية يمثل عقبة على الطريق، حسبما قال خبير السياسات الصحية حسام بدراوي.

تعد صناعة الأدوية والمستلزمات الطبية من بين أكثر القطاعات الجاهزة لجذب رؤوس الأموال، حسبما قال تاج الدين. وتلبي الصناعة المحلية في مصر بالفعل حوالي 90% من الاحتياجات المحلية، وتسعى الحكومة إلى توطين إنتاج الأجهزة الطبية من خلال تخصيص الأراضي وتقديم الحوافز. وتهدف هذه الخطوة إلى تعزيز الاكتفاء الذاتي، والحد من الضغط على العملة الأجنبية، وتنمية الصادرات إلى أفريقيا والشرق الأوسط.

إصلاحات سوق التأمين بدأت تتشكل بالفعل: أدخلت التعديلات التشريعية الأخيرة تغييرات كبيرة على مشهد التأمين الطبي، بما في ذلك إعادة تصنيف التأمين الطبي بوصفه تأمين متخصص ووضع قواعد جديدة لشركات التأمين وشركات إدارة الرعاية الصحية (TPAs)، وفقا لما قاله نائب رئيس الهيئة العامة للرقابة المالية إسلام عزام. وأضاف أن متطلبات رأس المال جرى رفعها بشكل كبير لتعزيز الملاءة المالية للشركات، بينما تهدف اللوائح التي يجري العمل عليها الآن إلى فصل الأدوار داخل السوق وتقليل تضارب المصالح.

الإسكندرية تترقب الانضمام منظومة التأمين الصحي الشامل: تدرس الحكومة إطلاق التأمين الصحي الشامل في الإسكندرية بالشراكة مع القطاع الخاص هذا العام أو العام المقبل، وفق تاج الدين. ستتطلب هذه الخطوة توفر شبكة قوية من وحدات الرعاية الأولية والبنية التحتية، بالإضافة إلى التكامل مع القطاع الخاص في تشغيل المراكز الطبية وعيادات الأشعة.

التأمين الصحي الإلزامي قيد التنفيذ: يقدم القانون أيضا تأمينا إلزاميا ضد المسؤولية الطبية، بحسب عزام. وأضاف أن هناك لجنتين — واحدة في وزارة الصحة والأخرى في الهيئة العامة للرقابة المالية — تعملان على تطوير إطار تنظيمي لصندوق جديد يختص بتأمين المسؤولية الطبية، مع توقع صدور النظام الأساسي للصندوق في الأسابيع المقبلة.

تغطية صحية شاملة بتكلفة أقل على المواطن: تسعى الحكومة إلى خفض الإنفاق الصحي المباشر من جيب المواطن من 60% إلى 22% عبر توسيع نظام التأمين الصحي الشامل، الذي يمزج بين التمويل العام والخاص، وفقا لرئيس لجنة الصحة بمجلس النواب ووزير الصحة الأسبق أشرف حاتم.

العقبات لا تزال تعيق استثمارات القطاع الخاص في المستشفيات الحكومية: من شأن تحويل المستشفيات الحكومية إلى منشآت متوافقة مع الأكواد الجديدة أن يكلف المستثمرين أكثر من مليار جنيه، حسبما يعتقد أحمد عز الدين العضو المنتدب لمجموعة مستشفيات كليوباترا، مضيفًا أن التسعير غير التنافسي وفترات العقود تحد من شهية المستثمرين. وقال: "قد تكون هناك شهية للاستثمار، لكن العوائد لا تتناسب مع المخاطر".

الرعاية الأولية بوابة الإصلاح: يمكن لإنشاء وحدة رعاية أولية لكل 500 ألف مواطن أن يخفف الضغط على المستشفيات ويحسن من كفاءة التكلفة، بحسب بدراوي. وأضاف أن هذه المراكز ستعمل بوصفها نقاط دخول إلزامية قبل أن يتمكن المرضى من الوصول إلى خدمات المستشفيات.

إمكانات غير مستغلة في الرعاية المنزلية وتكنولوجيا الصحة: يعتقد بدراوي أن تكنولوجيا الصحة، والرعاية المنزلية، وخدمات إدارة التأمين لا تزال غير مشبعة في السوق المحلية ويمكن أن تجذب رأس المال، خاصة مع وجود خريطة استثمارية مناسبة وحوافز للمناطق المحرومة.

هل يوازن قانون المسؤولية الطبية بين العلاقة بين الطبيب والمريض؟ يقدم مشروع القانون آلية لحسم النزاعات خارج المحاكم من خلال لجنة فنية ثلاثية، سيساعد تقريرها الاستشاري في توجيه قرارات المحكمة، وفقا لحاتم. فيما ترى المديرة التنفيذية لهيئة التأمين الصحي الشامل مي فريد أن القانون ليس مصمما بوصفه إجراء عقابيا، بل وسيلة لتنظيم المهنة وحماية حقوق كل من المرضى ومقدمي الرعاية الصحية.

شركات إدارة الرعاية الصحية ستشهد رقابة أكثر صرامة: قال عزام إن الهيئة العامة للرقابة المالية بصدد صياغة لوائح جديدة للفصل بين أدوار الوسطاء وشركات إدارة الرعاية الصحية (TPAs)، التي تدير برامج الرعاية نيابة عن شركات التأمين. وقد صدرت قرارات تسمح بمنح تراخيص مؤقتة لبدء النشاط، شريطة أن تفي الشركات بالمتطلبات التقنية والرأسمالية.

إعادة هيكلة المستشفيات المملوكة للدولة: أصبحت المستشفيات المملوكة للدولة عبئا على المالية العامة، بحسب حاتم، مضيفا أن الحل يكمن في تحويلها إلى شركات مساهمة أو إسناد إدارتها إلى مشغلين محترفين لتحسين الكفاءة.