تصور جديد لرأس الحكمة: في فبراير 2024، عندما استحوذت أبوظبي على حقوق تطوير مثلث رأس الحكمة مقابل 35 مليار دولار، سلطت العناوين الرئيسية الضوء حول اللحظة نفسها: كانت الصفقة بمثابة طوق نجاة — تدفق تاريخي لرأس المال وعد بانتشال اقتصاد البلاد من حافة الهاوية بين عشية وضحاها تقريبا. وعلى مدى أسابيع، تركز الحديث على ضخامة الصفقة: أكبر اتفاقية استثمار أجنبي مباشر في تاريخ مصر، ولا تضاهى من حيث الحجم والنطاق والطموح. ثم هدأت الضجة، وبدأت التساؤلات تظهر بهدوء منذ ذلك الحين.
من المتوقع سماع المزيد عن رأس الحكمة في وقت لاحق من هذا الصيف أو في أوائل الخريف. ففي هذا التوقيت، تتوقع مصادر إنتربرايز أن تقدم شركة "مدن"، المطور العقاري الإماراتي المكلف بتنفيذ المشروع، لمحة عما تخطط له. نحن متحمسون للمشروع وما يعنيه للدولة والاقتصاد — وسواء كنتم من قادة الأعمال أو تفكرون بوصفكم مشترين محتملين للمنازل، ينبغي لكمأن تضعوا الساحل الشمالي في العموم، ورأس الحكمة على وجه الخصوص، في الحسبان ضمن خططكم.
من أجل مساعدتكم، نطرح هذا السؤال: ما الذي يجعل صفقة رأس الحكمة مختلفة؟ والأهم من هذا، كيف يمكن أن تصبح حافزا يعيد تعريف التنمية الحضرية — ليس فقط في نطاق ساحلي وحيد، بل على طول الساحل الشمالي بأكمله، وربما أبعد من ذلك؟
ولكن أولا، دعونا نمضي في جولة معلومات جغرافية سريعة: ستمتد مدينة رأس الحكمة من الكيلو 170 إلى الكيلو 220 على طريق الإسكندرية-مطروح. وتقع على بعد بضعة كيلومترات غرب مشروع "ساوث ميد" التابع لمجموعة طلعت مصطفى، الذي سجل مبيعات تجاوزت 350 مليار جنيه منذ إطلاقه في صيف 2024.
رأس الحكمة = رأس الثقل الجديد في الساحل: تعد منطقة رأس الحكمة الأوسع (ليست فقط المدينة التي لم تسمى بعد والتي ستشيدها شركة "مدن") في الوقت الحالي الوجهة الأكثر رواجا في الساحل الشمالي — خاصة منذ العام الماضي — حيث تشهد إطلاق العديد من المشروعات الفاخرة من قبل كبار المطورين العقاريين.
قائمة المشروعات: تصطف مشروعات مثل "ماونتن فيو رأس الحكمة"، و"سول" من إعمار مصر، و"ذا مد" من بيبول آند بليسيز، و"سوان ليك" من حسن علام العقارية، و"سيزار" و"جون" و"أوجامي" من سوديك، وصولا إلى "رملة" من مراكز، المجاورة مباشرة لمثلث رأس الحكمة. ويمتد التطوير إلى ما هو أبعد من مثلث رأس الحكمة مع مشروعات أخرى تشمل قرية سيدي حنيش التي يطورها شهاب مظهر ومرسى باغوش، و"سيلفر ساندس" التي تطورها أورا ديفلوبرز، و"هاسيندا حنيش" لبالم هيلز للتنمية، وتنتهي تقريبا عند خليج ألماظة التابع لترافكو.
"هذا المثلث سيكون المركز الجديد للساحل الشمالي. سيشمل هذا المشروع مدينة حقيقية، وليس مجرد منتجع — مدينة بها مطار، ومعالم سياحية عالمية، ومنشآت طبية وصناعية تخدم جميع المناطق التي يجري تطويرها حاليا على الساحل"، حسبما قال الرئيس التنفيذي لشركة مدينة مصر عبد الله سلام.
ربما يكون الساحل الشمالي "وجهة للمصريين في الغالب اليوم"، إلا أن هذا الأمر يتغير مع تزايد شعبيته بين المصطافين الذين يعيشون في الخارج، وفق نائب رئيس مجلس الإدارة التنفيذي لشركة مراكز داشا بدراوي.
سيتغير الميزان مع مرور الوقت ونضج البنية التحتية — في وجود المطارات والغرف الفندقية والأنشطة، حسبما أوضح بدراوي، مضيفا: "لقد أعلنا بالفعل عن فندق "أدرير أميلال" في رملة، ونحن في مراحل متقدمة من وضع اللمسات الأخيرة على خططنا لفندق ثان أكبر حجما".
الارتقاء بالجودة هو اسم اللعبة: يُسمح فقط للشركات من "الفئة أ" ببناء مجتمعات في الساحل، حسبما قاله مصدر حكومي رفيع المستوى لإنتربرايز. ويشير المصدر إلى أنه يجب على المطورين الاستعانة بشركات استشارية ذات خبرة دولية لتلبية احتياجات عملاء الساحل الجدد. إنها خطوة مدروسة لضمان الاتساق والحجم والتكامل عبر المشاريع، حيث تتطلع مصر إلى تحويل الشريط الساحلي بأكمله إلى وجهة سياحية وتنموية حضرية عالمية المستوى.
سيتعين على المطورين تحسين عروضهم للتنافس مع الوجهات الدولية. يقول بدراوي في حديثه مع إنتربرايز: "في رملة، على سبيل المثال، وضعنا منطقة ذا تاون في قلب المشروع على الواجهة البحرية مع مواقف سيارات تحت الأرض للزوار. وتشغل أنشطتنا الرياضية والترفيهية 10 أفدنة، وتتضمن ملاعب تنس وبادل وكرة سلة، واستوديوهات للياقة البدنية، وحمام سباحة شبه أولمبي، وملاعب متعددة الأغراض". وتمثل المرافق الكبيرة رهانا أساسيا لجذب المصطافين — ناهيك عن تحقيق حلم وجود سكان دائمين على مدار العام.
بدأ المزيد من المطورين في تقديم مجموعة أوسع من العلامات التجارية العالمية وتجارب الضيافة الراقية والتسوق والمطاعم الفاخرة على طول رأس الحكمة. إذ تخطط سوديك، على سبيل المثال، لإنشاء فندق ومطعم "نوبو" في مشروع أوجامي، بالإضافة إلى إطلاق "سيرف كلوب دبي" في مشروع جون الشهر المقبل. "إذا نظرتم إلى وجهات عالمية مثل إيبيزا أو جنوب فرنسا، ستجدون أنها تعتمد بشكل أساسي على الترفيه"، حسبما قاله المدير العام لشركة سوديك أيمن عامر لإنتربرايز.
"أتوقع أن يمتد موسم الساحل إلى أربعة أشهر أو حتى أكثر في المستقبل القريب جدا"، بحسب عامر. ويضيف: "هل تتذكرون "الأيام الخوالي" للجونة في أوائل التسعينيات؟ كانت يُنظر إليها على أنها وجهة بعيدة وكان الناس يترددون في الذهاب إليها — أما الآن، فيتدفق إليها سكان القاهرة في عطلات نهاية الأسبوع على مدار العام".
"يختلف تصميم مكان للمقيمين الدائمين كليا عن تطوير منازل ثانية أو منازل لقضاء العطلات"، حسبما يوضح الرئيس التنفيذي لشركة الجونة محمد عامر. ويضيف أن اعتبارات التخطيط مختلفة، إذ إن "امتلاك رؤية واسعة للنتيجة المرجوة هو أمر أساسي للغاية — وليس لدي أدنى شك في أن هذا سيكون هو الحال بالنسبة لمشروع ضخم مثل رأس الحكمة".
فينبغي لك التروي والتأني الشديد بشأن المجتمع الذي ترغب في بنائه. "إذا كان هناك شيء واحد حاسم لاستمرارية الجونة، فهو المجتمع. سيكون هذا هو المفتاح في رأيي. وستحدد الطريقة التي يُبنى بها المجتمع طول عمر المشروع بأكمله واستدامته على المدى الطويل... في يومنا هذا، تأتي 40% من مبيعات الجونة من خارج مصر"، وفق ما قاله محمد عامر لإنتربرايز.
لا يقتصر مثلث رأس الحكمة على مشروع واحد فحسب، بل العديد من المشروعات المستقلة المترابطة، ومن ثم سيكون هناك نطاق واسع جدا من العملاء. "لا أريد التحدث نيابة عن أي شخص آخر، لكنني أتخيل أن جزءا كبيرا من السوق المستهدف سيكون دوليا"، حسبما أضاف رئيس شركة الجونة.
ترخيصان سيغيران قواعد اللعبة: حصلت شركة "مدن القابضة" — المطور الرئيسي لمثلث رأس الحكمة — على موافقتين رئيسيتين في مايو 2024 لمشروعها — إحداهما لبناء مطار لخدمة المنطقة، والأخرى لإنشاء منطقة خدمات حرة تمتد على مساحة 18 مليون متر مربع، حسبما يوضح رئيس مجلس إدارة شركة ريدكون بروبرتيز طارق الجمّال. ستساعد هذه المنطقة الاقتصادية في ترسيخ مكانة رأس الحكمة بوصفها وجهة متكاملة — مستوحاة من نموذج مركز دبي المالي العالمي — مع إيلاء تركيز خاص إلى جذب الشركات الأوروبية التي تتطلع إلى استخدام مصر بوابة إلى 22 دولة، من ضمنها 18 دولة في أوروبا.
ما هو أبعد من البحيرات والفيلات الفاخرة: انتقد الجمّال محدودية الرؤية المتبعة منذ وقت طويل لتشكيل مشهد تنمية الساحل الشمالي، التي ركزت إلى حد كبير على الفيلات الراقية والبحيرات الصناعية. على النقيض من هذا، يُنظر إلى مشروع "مدن" في رأس الحكمة على أنه مشروع لمدينة حقيقية — مكتملة ببنية تحتية تعليمية وصناعية ومرافق للأعمال عالية الجودة، إلى جانب ما تقدمه من عروض سياحية. وأشار إلى أن الفكرة تتمثل في جذب أنماط سكنية متنوعة، بما في ذلك المقيمين الدائمين، وليس فقط المصطافين الموسميين.
"مدن" تبني فريق الأحلام: في العام الماضي، وقعت مدن القابضة مجموعة من الاتفاقيات مع لاعبين محليين وإقليميين ودوليين من الشركات من أجل لإطلاق المشروع، بما في ذلك:
- اتفاقية إطارية مع شركة أوراسكوم كونستراكشون، كمقاول رئيسي للأعمال التمهيدية في مجال البناء.
- مذكرة تفاهم مع حسن علام القابضة للتعاون في مشروعات البنية التحتية والطاقة ومعالجة المياه والصرف الصحي والمباني الخاصة.
- مذكرة تفاهم مع شركة طاقة لاستكشاف فرص العمل لتطوير وتمويل وتشغيل مشاريع مرافق البنية التحتية، بما في ذلك مشاريع تحلية المياه ونقل الكهرباء.
- مذكرة تفاهم مع شركة السويدي إليكتريك لتوريد مواد البناء والتعاون في تطوير المجمع الصناعي والتشغيل والصيانة المشروع.
- خطاب نوايا مع السويدي للتنمية الصناعية لبناء وتشغيل منطقة صناعية على مساحة 10 ملايين متر مربع جنوب رأس الحكمة.
- مذكرة تفاهم مع شركة مطارات أبو ظبي لتصميم وتطوير وتشغيل المطار الجديد في المدينة.
- مذكرة تفاهم مع شركة إي أند مصر لتصميم وتنفيذ البنية التحتية للمدينة الذكية بما في ذلك شبكات الاتصال الرقمي والألياف الضوئية والجيل الخامس، والحلول التي تدعم إنترنت الأشياء إلى أنظمة تحليل البيانات على مستوى المدينة.
- مذكرة تفاهم مع شركة "لولو للتجزئة" لتطوير وتشغيل سلاسل هايبر ماركت ومرافق تجزئة أخرى.
- اتفاقية شراكة مع شركة فالديرما العالمية لتطوير وتشغيل ملاعب الجولف.
- مذكرة تفاهم مع شركة كاندي إنترناشيونال العالمية للاستفادة من نطاق أعمالها الدولي الواسع في مجال تطوير العقارات الفاخرة.
- مذكرة تفاهم مع شركتي مونتاج إنترناشيونال وأكور - ينيسمور لتطوير وتشغيل الفنادق والمنتجعات في رأس الحكمة.
- مذكرة تفاهم مع شركة برجيل القابضة لتطوير مرافق رعاية صحية متعددة التخصصات، وتنفيذ حلول الرعاية الصحية المبتكرة.
تصل مساحة منطقة التطوير المخصصة لمثلث رأس الحكمة إلى أكثر من ضعف مساحة الإسكندرية، حسبما يقول الجمّال. ومن أجل تقريب الصورة، يمتد "مراسي" — أحد أبرز المشروعات الرائدة في الساحل الشمالي — على مساحة 1500 فدان، واستغرق حوالي 20 عاما للوصول إلى نسبة إنجاز 80%. وأشار الجمّال إلى أن هذا الحجم يجعل الجدول الزمني لرأس الحكمة تحديا طموحا في حد ذاته.
يستهدف المشروع نحو 8 ملايين سائح من ذوي الإنفاق المرتفع سنويا، مما يمثل تحولا واضحا عن نموذج السياحة منخفضة التكلفة التقليدي في مصر. ومن المتوقع أن يضم مطارا دوليا مجهزا بالكامل، ومحفظة ضيافة متنوعة، وأحياء متعددة الاستخدامات، ومناطق ترفيهية متكاملة. ويتوقع الجمال أن تخلق منطقة رأس الحكمة في النهاية 1.5 مليون فرصة عمل وتستوعب نحو خمسة ملايين شخص — من السكان الدائمين والعمال. وأضاف أن الهدف هو وضع معيار إقليمي جديد للتنمية الساحلية مع دعم توجه مصر نحو تصدير العقارات من خلال المبيعات الدولية.
خطوة أولى قد تكون مختلفة: بينما يتوقع الكثيرون إطلاق تقليدي لوحدات على البحر في الإطلاق الأول من المشروع، يتوقع آخرون خطة مختلفة بعض الشيء. "قد تشهد المرحلة الأولى من (مدن) أيضا إطلاق منطقة في عمق المدينة مطلة على ملاعب الجولف، وهو ما أعتقد أنه أمر ذكي للغاية لإظهار أنه ليس مجرد منتجع شاطئي،" حسبما قال أحد الخبراء في القطاع العقاري.
تأثير الدومينو: يمكن أن تشهد المناطق المجاورة طفرة سياحية واستثمارية. مشروع رأس الحكمة من المتوقع أن يكون له تأثير إيجابي على المناطق المحيطة مثل سيدي عبد الرحمن، والتي من المتوقع أن تستفيد من تحديثات البنية التحتية، وارتفاع قيم الأراضي، وزيادة النشاط التجاري، حسبما أخبرتنا سافيلز مصر.
من المرجح أن تتطور هذه المناطق إلى مراكز استثمارية مستقلة تلبي احتياجات مشاريع السوق المتوسطة والخدمات المساندة التي تلبي الطلب المتزايد من المشترين والمستأجرين على حد سواء. قد تكون الوحدات الجاهزة للتسليم والمفروشة والشقق الفندقية جذابة بشكل خاص لأولئك الذين يبحثون عن إشغال فوري، بينما يمكن لخطط السداد المرنة أن تجذب شرائح سكانية جديدة.
الخدمات المتكاملة ضرورية: يُطلب الآن من جميع المشاريع في المنطقة تقديم مزيج من الخدمات السياحية والضيافة والتجارية والعامة لضمان توفر الخدمات وتعزيز الجاذبية السياحية، حسبما قال مصدرنا الحكومي.
حملة تسويقية كبرى قادمة الشهر المقبل: تستعد غرفة التطوير العقاري لإطلاق حملة تسويقية مكثفة لمدة 60 يومًا الشهر المقبل، حسبما قال المدير التنفيذي للغرفة، أسامة سعد الدين لإنتربرايز. ستكون الحملة التسويقية هي الأكبر حتى الآن، وتغطي المشاريع في ما يسمى بـ "الساحل الشمالي الجديد" ومنطقة رأس الحكمة بأكملها، وتستهدف السياح الأجانب والعرب على حد سواء بأفكار وعروض تسويقية جديدة مصممة خصيصا لأذواقهم، كما أشار.
سنتناول المزيد عن رأس الحكمة في الأجزاء المقبلة من هذه السلسلة الخاصة، فانتظرونا.