تعتمد مصر بشكل كبير على التمويل التنموي لسد فجوة الاستثمار الآخذة في التوسع — لكن لا تزال هناك تساؤلات حول التأثير والتنفيذ. وتلقى القطاع الخاص تمويلات ميسرة بقيمة 15.6 مليار دولار منذ عام 2020، وفق تقرير (بي دي إف) صادر عن وزارة التخطيط والتعاون الدولي بعنوان “التمويل التنموي لتمكين القطاع الخاص.. النمو الاقتصادي والتشغيل”. ويطرح المسؤولون هذا الرقم باعتباره تصويت ثقة في مناخ الاستثمار في مصر.

إعادة تصور التمويل الخاص كاستراتيجية وطنية –

لماذا لا يزال التمويل التنموي مهما؟ على الرغم من أن القطاع الخاص يستفيد بالفعل من مجموعة متنوعة من أدوات التمويل، إلا أن وزارة التخطيط والتعاون الدولي ترى أن التمويل التنموي يظل متميزا في قدرته على تقديم القروض الميسرة، والاستثمارات في رأس المال، والتمويل المختلط، والضمانات، والمساعدة الفنية — وهي أدوات تساعد على تقليل مخاطر الاستثمار وتوسيع الوصول إلى القطاعات الاستراتيجية مثل البنية التحتية، والتجارة، والابتكار. من خلال مزج أدوات التنمية ذات المصلحة العامة مع رأس المال المدفوع بالسوق، تقول الحكومة إنها تستطيع توجيه التمويل بشكل أكثر فعالية نحو الأولويات الوطنية.

ويوضح التقرير كيف يتم نشر هذه الأدوات — سواء كانت مباشرة أو من خلال وسطاء — لتحسين مناخ الأعمال، ودعم الإصلاحات الهيكلية، وزيادة وصول الشركات الصغيرة والمتوسطة والشركات الناشئة إلى رأس المال. وتعتمد الاستراتيجية على جهد منسق مع شركاء التنمية متعددي الأطراف والثنائيين لتقديم الدعم المالي والاستشاري عبر أربع ركائز رئيسية: البنية التحتية، ورأس المال البشري والابتكار، والتحول الأخضر، وإصلاح السياسات. ويقول المسؤولون إن الهدف النهائي هو تحفيز قطاع خاص أكثر مرونة وتنافسية قادر على دفع نمو شامل وطويل الأجل.

القطاع الخاص يعزز حصته من التمويل التنموي على حساب الحكومة في 2024 –

عام قياسي: بلغ التمويل التنموي الموجه للقطاع الخاص 4.2 مليار دولار العام الماضي، متجاوزا بذلك التمويل الموجه للحكومة للمرة الأولى. “خلال الفترة من يناير إلى مايو 2025، بلغ حجم التمويل 1.14 مليار دولار، مما يعزز التوقعات بمواصلة هذا الزخم”، حسبما ورد في التقرير.

نظرة شاملة: ساهم أكثر من 30 شريكًا تنمويًا في مبلغ الـ 15.6 مليار دولار الذي جمعه القطاع الخاص على مدار السنوات الخمس الماضية — بما في ذلك البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، وبنك الاستثمار الأوروبي، ومؤسسة التمويل الدولية، والجهات الفاعلة الإقليمية مثل البنك الأفريقي للتنمية وصندوق الأوبك. وذكر التقرير أن “هذا يعكس تنامي الثقة الدولية في مناخ الاستثمار المصري والدور المتصاعد للقطاع الخاص في دفع عجلة التنمية”.

أوروبا تقود دفعة تمويل القطاع الخاص –

أوروبا تكتب الشيكات — وتشكل الأجندة: جاء نحو 8 مليارات دولار — ما يعادل 51% من إجمالي التمويل التنموي الموجه للقطاع الخاص منذ عام 2020 — من المؤسسات والحكومات الأوروبية، وفقا للتقرير. وقد تصدر البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية القائمة بنسبة 22%، يليه بنك الاستثمار الأوروبي بنسبة 21%. واستحوذت مؤسسة التمويل الدولية — ليست مؤسسة أوروبية — على 19% من إجمالي تمويل القطاع الخاص، لتكون ثالث أكبر مساهم فردي.

احتفظت مصر بمكانتها كأكبر دولة عمليات للبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية في عام 2024، إذ التزم المقرض بتقديم تمويلات جديدة تتجاوز 1.5 مليار دولار — جرى توجيه 98% منها إلى مشاريع القطاع الخاص في مجالات الطاقة المتجددة، والقطاع الزراعي، والنقل، والصناعة. وواصل بنك الاستثمار الأوروبي جهوده لدعم الشركات الصغيرة والمتوسطة، حيث وجه الأموال من خلال البنوك المحلية الكبرى مع تكثيف الإقراض المباشر للشركات — بما في ذلك أول تمويل مباشر يوجه لقطاع الشركات الكبرى في مصر منذ عام 2010 لصالح شركة المصرية للاتصالات.

الاتحاد الأوروبي يرفع الاستثمارات المستهدفة للصندوق الأوروبي للتنمية المستدامة بلس في مصر إلى 10.8 مليار يورو: رفع الاتحاد الأوروبي مستهدف استثماراته في مصر من خلال الصندوق الأوروبي للتنمية المستدامة بلس إلى 10.8 مليار يورو، ارتفاعا من 9 مليارات يورو سابقا، كجزء من الجهود لتوسيع نطاق الدعم للنمو بقيادة القطاع الخاص والتحول الأخضر، وفقًا للتقرير.

إلى أين تتجه الأموال: جرى بالفعل حشد استثمارات بنحو 5.8 مليار يورو من خلال أدوات الضمان المقدمة عبر الصندوق وأدوات التمويل المختلط، مع توجيه التمويل عبر مؤسسات مثل بنك الاستثمار الأوروبي، والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، وبنك التنمية الألماني. ويجري توفير الأموال من خلال البنوك المحلية بما في ذلك البنك التجاري الدولي وبنك قطر الوطني.

توزيع التمويل التنموي: القطاعات المستفيدة في مصر –

تبرز المؤسسات المالية والبنوك كالمستقبل الأول للتمويل التنموي الموجه للقطاع الخاص في مصر، إذ استحوذت على 41.4% من إجمالي التمويلات. ويجري توجيه معظم رأس المال عبر البنوك التجارية لتمويل الشركات الصغيرة والمتوسطة والشركات الناشئة. وقد اجتذبت صناديق الاستثمار المباشر ورأس المال المغامر مجتمعة أكثر من 550 مليون دولار، مع استحواذ الشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا المالية على حصة متزايدة. وكانت شركات يونيكورن محلية مثل إم إن تي – حالا وفوري من بين أبرز المستفيدين، مما يعكس تزايد اهتمام المستثمرين بخدمات التمويل الرقمي.

قطاع الطاقة يحتل المرتبة الثانية: جاء قطاع الطاقة في المرتبة الثانية، بعد أن استحوذ على 25% من إجمالي التمويلات. وجرى حشد تمويلات بنحو 4 مليارات دولار لتوفير 4.2 جيجاوات من الطاقة المتجددة في إطار برنامج “نوفي”.

قطاعات أخرى تحصل على نصيب من التمويل: تلقى قطاع الخدمات اللوجستية والنقل في مصر تمويلا تنمويا تجاوز مليار دولار منذ عام 2021، لدعم مشاريع الشراكة بين القطاعين العام والخاص الكبرى مثل محطة الحاويات الثانية في ميناء دمياط وتوسعة ميناء العين السخنة. بينما جذب قطاع الصناعات التحويلية 618 مليون دولار عبر 18 صفقة، حيث استفادت شركات مثل إيديتا، وبيكو مصر، وقنديل للصلب من هذه الأموال لتعزيز الصادرات، ونقل التكنولوجيا، والتحديثات الخضراء. وتساهم برامج المساعدة الفنية، التي تبلغ قيمتها حالياً 228 مليون دولار، في تشكيل النظام البيئي بهدوء — لدعم الشركات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة، وإدماج المرأة، وإصلاح الطاقة.

مصر تستهدف زيادة مساهمة القطاع الخاص في الاستثمارات إلى 65% بحلول 2027 –

تعتزم الحكومة رفع نسبة مساهمة القطاع الخاص في الاستثمارات إلى 65% بحلول عام 2027، من 43% في عام 2024 و56% متوقعة في العام المالي الحالي، وفقا للتقرير. ومن المتوقع أن تصل هذه النسبة إلى 63% في العام المالي 2025-2026، ويرتبط هذا المسار بالجهود الجارية لبيع الأصول، والشراكات بين القطاعين العام والخاص، والإصلاحات التنظيمية الهادفة إلى فتح مجال أوسع أمام رأس المال غير الحكومي.

لكن تحقيق هذا الهدف لن يكون سهلا: يدعو التقرير إلى تعزيز التنسيق المؤسسي، وصياغة السياسات القائمة على البيانات، وتعميق المشاركة مع القطاع الخاص. ويتم تأطير المبادرات الحكومية الأساسية — ومنها وثيقة سياسة ملكية الدولة، وبرنامج الطروحات الحكومية، واستراتيجيات ترويج الاستثمار المعدلة — كأدوات رئيسية لإعادة ضبط البصمة الاقتصادية للدولة، والحد من أوجه القصور في السوق، وتحفيز مشاركة أكبر للقطاع الخاص في جميع القطاعات الإنتاجية.

العدالة في التوزيع والتنفيذ يظلان أسئلة مفتوحة –

على الرغم من تزايد التمويل الميسر في السنوات الأخيرة، إلا أن معظمه لا يزال يتدفق إلى مجموعة محدودة من القطاعات والمقترضين ذوي القدرة العالية — متركزا بشكل كبير في القاهرة. أما الشركات الصغيرة، والقطاعات الأقل وضوحا، والشركات العاملة في المحافظات المحرومة، فتبقى على الهامش، مما يثير مخاوف بشأن عدالة الوصول وفعالية آليات التنفيذ.

يشير التقرير إلى الحاجة إلى تحسين التوزيع الجغرافي والقطاعي، لا سيما للوصول بشكل أفضل إلى الشركات في المحافظات المحرومة، والشركات متناهية الصغر والصغيرة، والقطاعات التي تفتقر إلى الرؤية داخل أنظمة الجهات المانحة. كما يلاحظ أن توفر البيانات لا يزال متقطعا — مما يحد من القدرة على تتبع نتائج المشاريع، أو قياس التأثير، أو تصميم تدخلات أكثر استجابة. وعلى الرغم من أن أدوات التتبع والتنسيق التي تقودها الحكومة مثل “حافز” و”BRIDGE” تهدف إلى معالجة فجوة المعلومات، إلا أن نطاقها وتبنيها لا يزالان في مراحلهما الأولية.