فنجان قهوة مع: إيثيوبيس تافارا (لينكد إن)، نائب رئيس مؤسسة التمويل الدولية لمنطقة أفريقيا. استثمرت مؤسسة التمويل الدولية، ذراع مجموعة البنك الدولي المعنية بالقطاع الخاص، ما يصل إلى 9 مليارات دولار في مشاريع التنمية المحلية منذ أن بدأت عملياتها في مصر قبل عدة عقود. والآن تعد مؤسسة التمويل الدولية داعما بارزا للجهات الفاعلة في القطاع الخاص في البلاد.
تافارا تولى منصبه مؤخرا: جرى تعيين تافارا نائبا لرئيس مؤسسة التمويل الدولية لمنطقة أفريقيا قبل أسابيع قليلة، إذ تولى مهام منصبه رسميا في أبريل، خلفا لسيرجيو بيمنتا الذي تقاعد بعد قضاء ما يقرب من 30 عاما في المؤسسة. يمتلك تافارا سجلا حافلا، إذ كان يشغل مؤخرا منصب نائب الرئيس ورئيس خبراء إدارة المخاطر والشؤون القانونية والإدارية في الوكالة الدولية لضمان الاستثمار (MIGA) التابعة لمجموعة البنك الدولي.
هذا الأسبوع، أجرى تافارا أول زيارة له إلى مصر بصفته نائب الرئيس الإقليمي، حيث التقى مع قائمة طويلة من المسؤولين الحكوميين — على رأسهم الرئيس عبد الفتاح السيسي ووزيرة التخطيط رانيا المشاط — والجهات الفاعلة في القطاع الخاص. التقت إنتربرايز مع تافارا أمس لمعرفة المزيد عن رؤيته واستراتيجيته لأفريقيا وأولوياته بالنسبة للسوق المصرية.
إنتربرايز: هل يمكنك أن تخبرنا المزيد عنك وعن رؤيتك مع تولي هذا المنصب؟
إيثيوبيس تافارا: اسمي إيثيوبيس تافارا. أعمل مع مجموعة البنك الدولي منذ نحو 12 عاما. دشنت مسيرتي المهنية في مؤسسة التمويل الدولية عام 2013 كمستشار عام. قضيت ست أو سبع سنوات في هذا المنصب، ثم طُلب مني الانضمام إلى الوكالة الدولية لضمان الاستثمار، المسؤولة عن تقديم ضمانات ضد المخاطر السياسية، حيث قضيت خمس سنوات. انتقلنا من نحو 4 مليارات دولار من الضمانات سنويا إلى نحو 12 مليار دولار بحلول مغادرتي لمنصبي. ثم طُلب مني العودة إلى مؤسسة التمويل الدولية لتولي منصب نائب الرئيس لمنطقة أفريقيا، والذي أعتقد أنه من أفضل الوظائف التي يمكن أن تعرض على شخص، لذلك قلت نعم بالطبع. قبل ذلك، قضيت عددا من السنوات كمنظم، أشرف على أسواق رأس المال للحكومة الأمريكية. بدأت مسيرتي المهنية كمحام في مكتب محاماة وقمت أيضا بتدريس القانون.
نشأت في جميع أنحاء العالم، إذ كان والدي دبلوماسيا للحكومة الإثيوبية. قضيت سنواتي الأولى في إيطاليا وإثيوبيا. انتقلت إلى الولايات المتحدة في سن الـ 16 تقريبا، والتحقت بالجامعة، ثم كلية الحقوق.
أفريقيا قارة تحمل الكثير من الوعود دائما، والتركيبة السكانية تجعل الأمور أكثر إثارة. نحو 70% من السكان تقل أعمارهم عن 30 عاما. بحلول عام 2050، سيكون 1 من كل 4 عاملين في العالم أفريقيا. هذا عائد ديموغرافي ضخم، ولكن علينا التأكد من أنه يظل عائدا وهذا يتطلب منا التركيز على خلق الوظائف. أنا أركز بشكل كبير على ما يمكننا القيام به في القارة لخلق فرص عمل لهذا العدد الكبير من الشباب المفعم بالحيوية والغني بالأفكار والمتطلع إلى المستقبل.
إنتربرايز: ذكرت إمكانات القارة — كيف تحدد مؤسسة التمويل الدولية أولويات التمويل والاستثمارات عندما يتعلق الأمر بالسوق الأفريقية؟
تافارا: لقد بدأنا للتو في تطوير استراتيجية نطلق عليها اسم “IFC 2030″، والتي تركز على المجالات التي من المرجح أن تمكن من خلق الوظائف. الاستراتيجية تركز على الطاقة، نظرا لأنها تعد الركيزة الأساسية للتنمية، ولا شيء ممكن من دون طاقة. ربما سمعتم عن مبادرتنا Mission 300، التي تهدف مجموعة البنك الدولي من خلالها إلى خفض عدد الأشخاص في أفريقيا الذين لا يحصلون على الكهرباء من 600 مليون إلى 300 مليون بحلول عام 2030. لذا، ستكون الطاقة، خاصة في أفريقيا، محط تركيز أساسي بالنسبة لي.
نحن نركز أيضا على إتاحة التمويل للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، والتي تساهم بنحو 80-90% من الوظائف في أي اقتصاد. لا يزال تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة يشكل تحديا في العديد من الأسواق، لذا نعمل على حل هذه المعضلة في أفريقيا. أركز بشكل خاص على النقل والخدمات اللوجستية، حيث يعتمد خلق الوظائف على ربط الناس بالأسواق والأسواق بأسواق أخرى. وهذا يتطلب بنية تحتية من الموانئ والسكك الحديدية والطرق والمزيد.
الزراعة هي مجال رئيسي آخر. إنها عمل تجاري، وأفريقيا لديها إمكانات هائلة عندما يتعلق الأمر بهذا القطاع. إذ تقع في القارة نحو 65% من الأراضي الصالحة للزراعة غير المزروعة في العالم. الإمكانات هائلة، لكننا بحاجة إلى تحويلها إلى أعمال حقيقية من خلال الاستثمار في سلاسل القيمة الزراعية. سننظر أيضا في البنية التحتية الرقمية. ربط الأسواق لا يقتصر فقط على الطرق والموانئ، بل يتعلق أيضا بالوصول الرقمي. العالم متصل رقميا، لذلك نحن بحاجة إلى التركيز على توسيع نطاق الوصول إلى الرقمنة في القارة.
السياحة أيضا تحظى بإمكانات كبيرة لخلق الوظائف. إنها منظومة متكاملة، تشمل الفنادق والخدمات وسلاسل التوريد، فضلا عن أن الآثار المضاعفة هائلة. إحدى الإحصائيات التي أحب أن أستشهد بها هي أن نحو 60 مليون شخص يزورون باريس كل عام، بينما تجذب مصر نحو 16 مليون سائح فقط سنويا على الرغم من وجهاتها السياحية العديدة مثل أسوان والأهرامات والإسكندرية وشرم الشيخ. تخيلوا جذب 60 مليون سائح والأثر الذي سيحدثه ذلك على خلق الوظائف والنمو الاقتصادي. تساهم السياحة بشكل كبير في اقتصادات إيطاليا وفرنسا وإسبانيا. يمكن تطبيق هذا النموذج في أفريقيا.
هناك أيضا تمويل التجارة — هذا شيء نريد أن نوليه قدرا كبيرا من الاهتمام. نحن بحاجة إلى معرفة كيفية جعل الدول الأفريقية ترى جيرانها كسوق وليس فقط التفكير في التصدير خارج أفريقيا. هناك دور يمكن أن نلعبه في هذا الصدد من حيث تمويل التجارة نفسه والنظر في كيفية المساعدة في كسر الحواجز التي تجعل من الصعب على البلدان التجارة مع جيرانها سواء كانت حواجز مادية أو تنظيمية.
هذه هي المجالات الرئيسية لاستراتيجيتنا. سأعمل مع مديري لتطبيق هذه الاستراتيجية في أفريقيا، وتحديد فجوات التنمية — أين توجد نقاط الضعف في النقل والخدمات اللوجستية والطاقة والصحة — وكيف يمكننا سد هذه الفجوات. يتعلق الأمر أيضا بتكييف نهجنا لكل بلد على حدة، لأن كل حالة مختلفة. لكننا نبدأ بالصورة الكبيرة، ونطبقها إقليميا، ثم ننفذها محليا.
نتطلع إلى الحصول على المزيد من حصص الملكية في الشركات ومساعدتها على التوسع محليا وربما إقليميا أو عالميا أيضا. نريد العودة إلى دورنا كمستثمر مباشر، لا سيما في القارة الأفريقية. أقول دائما إن بالديون تدار الشركات، ولكن بالاستثمار المباشر تبني الشركات. لذا، نحتاج الآن إلى تأسيس شركات في القارة للمساعدة في سد فجوات التنمية. الاستثمار المباشر هو النوع الأكثر خطورة من الاستثمار ولكن له تأثير كبير، لذلك نريد أن نكون حذرين ونختار الشركات المناسبة في الوقت المناسب.
نريد أيضا التركيز على الإقراض بالعملة المحلية، حيث أننا نقرض الشركات، وكثير منها لا تحقق إيراداتها بالعملة الصعبة. لذا فإن إقراضها بالعملة الصعبة بينما تحقق إيرادات بالعملة المحلية يضع عبئا عليها من حيث خدمة الدين. لذلك نهدف إلى معرفة كيف يمكننا بالفعل توفير تسهيلات بالعملة المحلية في جميع البلدان التي نعمل فيها. ستختلف مصادر العملة المحلية اعتمادا على السوق، لكن هذا يتيح لنا الإقراض بشكل أكثر استدامة. لا يزال الإقراض بالعملة الصعبة منطقيا للمصدرين، لكن العملة المحلية تمنحنا تأثيرا أكبر مع ضغط أقل على المقترضين.
إنتربرايز: تشهد أسواق العمل الأفريقية والمصرية تغيرات كبيرة بسبب طفرة الذكاء الاصطناعي. كيف ترى هذا التحول، وكيف ستتكيف هذه الأسواق مع هذا التغيير؟
تافارا: الذكاء الاصطناعي سيغير قواعد اللعبة لكنني لا أعتقد أنه سيقضي على الوظائف. ستظل الوظائف محورية في أي اقتصاد. ستظل أشياء كثيرة تتطلب لمسة إنسانية وأصالة، وهو أمر لا يستطيع الذكاء الاصطناعي توفيره. لن يجري استبدال العمالة في العديد من القطاعات التي ذكرتها بالكامل بالذكاء الاصطناعي. الرعاية الصحية على سبيل المثال، في حين أنه قد يتم أتمتة بعض الجوانب، فإن جوانب أخرى لن يجري عليها الأمر ذاته. الرعاية التي يقدمها الممرضون، ودعم كبار السن، والاستشارات التي تنطوي على الحكم والتحليل البشري، كلها تتطلب وجودا بشريا وتعاطفا. لذا فإن الذكاء الاصطناعي هو مكمل لما نقوم به. لن يقضي على فرص العمل، بل يمكن أن يعزز بعضها، ويحول البعض الآخر، لكنه لن يحل محلها تماما.
إنتربرايز: هل أدخلتم أي تغييرات على استراتيجيتكم فيما يتعلق بخلق الوظائف للتكيف مع هذا التغيير؟
تافارا:أعتقد أننا صممنا استراتيجيتنا مع إدراك وجود الذكاء الاصطناعي. لقد اخترنا عمدا القطاعات التي نعتقد أنه لا يزال هناك إمكانات قوية للتوظيف البشري فيها، وهذه القطاعات لن يسيطر عليها الذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، خذ مبادرة M300 على سبيل المثال، في حين أن خلق الوظائف لا يأتي مباشرة من بناء البنية التحتية للطاقة، يمكن للذكاء الاصطناعي مساعدتنا في تنفيذ الشبكات الذكية أو توزيع أكثر كفاءة للطاقة. الطاقة هي الركيزة الأساسية لأنها تشغل الشركات التي ستخلق الوظائف. الذكاء الاصطناعي جزء من تفكيرنا، لكننا اخترنا مجالات يمكن أن يحدث فيها خلق الوظائف على الرغم من طفرة الذكاء الاصطناعي.
إنتربرايز: بالنظر إلى مصر، ما هي انطباعاتك الأولية من زيارتك الحالية واجتماعاتك مع المسؤولين على مدى اليومين الماضيين؟
تافارا:انطباعي الأولي هو أن مصر لديها سوق حيوية للغاية وحكومة ملتزمة جدا، وهي ملتزمة بتمكين القطاع الخاص للمساعدة في معالجة فجوات التنمية. هناك اهتمام ودعم كبيران من المؤسسات متعددة الأطراف. في حدث أقيم أمس، كان لدينا جمع كبير من المشاركين، من بينهم كبار ممثلي المؤسسات متعددة الأطراف والمستثمرين والحكومة، وجميعهم يفكرون في كيفية المساهمة في تنمية مصر. أنا معجب جدا أيضا بما حققته مؤسسة التمويل الدولية في مصر.
هذا العام فقط، سنتعهد بنحو 1.2 مليار دولار في مصر. بالنظر إلى محفظة مشاريعنا المستقبلية، نتوقع أن نصل إلى أو حتى نتجاوز رقم هذا العام في العام المقبل. لذا، على الرغم من مرور يومين فقط، إلا أن انطباعاتي إيجابية للغاية. هناك طاقة والتزام حقيقيان هنا.
إنتربرايز: كيف ترى الإصلاحات التي نفذتها الحكومة المصرية العام الماضي؟
برنامج الطروحات الحكومية هو أحد المجالات المهمة. تستكشف الحكومة كيفية إشراك القطاع الخاص في تحديث وتوسيع الخدمات التي كان يديرها القطاع العام تقليديا، مما يمكن أن يحسن الكفاءة ويخفف الضغط على المالية العامة. إنهم ملتزمون بمعرفة الإصلاحات اللازمة لتحقيق ذلك. بناء على المحادثات التي أجريناها والفعاليات التي حضرتها، من الواضح أن الحكومة ملتزمة بتحقيق ذلك — كيفية تمكين القطاع الخاص للمساعدة في سد فجوات التنمية في الصحة، والوصول إلى التمويل، والطاقة، والسياحة، والتي كانت بشكل عام محور الكثير من المناقشات.
إنتربرايز: ما هي القطاعات التي ستعطيها مؤسسة التمويل الدولية الأولوية في مصر؟
تافارا: أرى أن السياحة يمكن أن تكون مجالا قد نتمكن من القيام بالكثير فيه. نهتم بالفعل بالمطارات في إطار برنامج الطروحات الحكومية — المطارات حيوية لأي مشروع سياحي، لكننا نريد أن ننظر إلى السياحة كمنظومة متكاملة. يجب أن تنظر إلى الفنادق، وعليك أن تنظر إلى المطارات، وعليك أن تنظر إلى سلسلة التوريد للخدمات أو الخدمات التي تدعم الفنادق. سنستمر دائما في العمل مع المؤسسات المالية لأن الشمول المالي جزء مهم جدا من تفويضاتنا.
محفظتنا في مصر متوازنة للغاية. لكنني أود أن أقول إن المجال الذي نحتاج إلى التركيز عليه هو التصنيع والصادرات. هناك أيضا الصناعات الإبداعية – وهذا شيء برز في السنوات الخمس الماضية كمجال تركيز أكبر بالنسبة لنا، نظرا لأن الصناعات الإبداعية أصبحت مصدرا كبيرا للأعمال. نحن نتطلع لمعرفة ما إذا كان بإمكاننا تحديد شركات محلية رائدة يمكننا أن ننميها لتصبح شركات وطنية رائدة. إنه ليس مجالا نموذجيا عندما تفكر في تمويل التنمية على مدار الخمسين أو الستين عاما الماضية، لكنني أعتقد أنه في الواقع أحد المجالات التي قد تكون فيها ميزة نسبية في هذه القارة، لذلك يجب علينا بالتأكيد أن نركز عليه.
إنتربرايز: أخيرا، لا بد أن نتطرق إلى مستجدات خطة طرح إدارة وتشغيل المطارات المصرية أمام القطاع الخاص عبر الشراكة بين القطاعين العام والخاص. أين وصلت الخطة حاليا؟
تافارا: الفكرة برمتها هي مساعدة الحكومة في الاستفادة من تمويل القطاع الخاص لتحديث وتوسيع المطارات وقد حددوا عددا من المطارات بالفعل لإدراجها ضمن الخطة. مهمتنا هي معرفة نموذج الشراكة المناسب مع القطاع الخاص على أساس كل مطار على حدة أو النظر في مجموعة من المطارات وسنقدم ذلك إلى الجانب المصري قريبا. يتمثل دورنا في الواقع في التأكد من أننا ننظر إلى هذا المطار المحدد، ونكتشف ما يحتاجه، ونتأكد من أن عملية المناقصة ومعاييرها تعكس ما نعتقد أنه في مصلحة هذا المطار بعينه.
أنا متحمس جدا لكل هذا — إذ إن تطوير هذه المطارات يمثل جزءا أساسيا من خطط رفع أعداد الزوار. سيكون لذلك تأثير إيجابي على الاقتصاد.