تسبّب التوقف المفاجئ لتدفقات الغاز من حقل ليفايثان الإسرائيلي نتيجة للتصعيد العسكري بين إسرائيل وإيران، في تفاقم أزمة الطاقة بمصر، ما اضطر البلاد إلى إعادة توزيع طارئة للإمدادات المتاحة وقطعها عن المصانع، في الوقت الذي تسابق فيه الزمن لتحقيق الاستقرار في قدرات توليد الكهرباء قبل ذروة الطلب التي تشهدها أشهر الصيف.
أعلنت الشركات الموردة للغاز الإسرائيلي رسميا عن حالة “القوة القاهرة” وعلقت الصادرات، بما في ذلك تلك المتجهة إلى مصر، والتي بلغت نحو 800 مليون قدم مكعبة يوميا الأسبوع الماضي، بعد أن أغلقت تل أبيب حقلي ليفايثان وكاريش البحريين في أعقاب الضربات الجوية التي شنتها على أهداف إيرانية والرد الإيراني. وأعلنت وزارة الطاقة الإسرائيلية حالة الطوارئ في قطاع الغاز بعد الهجمات الأخيرة، دون تحديد جدول زمني واضح لاستئناف الإمدادات، وفق ما قاله مسؤول حكومي لاقتصاد الشرق.
وأدى الفقدان المفاجئ لإمدادات حقل ليفايثان إلى تعميق فجوة العرض في مصر قبيل ذروة الطلب الصيفي، مما يضع ضغوطا إضافية على المخصصات اليومية المحدودة بالفعل. تحتاج مصر إلى نحو 6.2 مليار قدم مكعبة يوميا، إلا أن الإنتاج المحلي لا يساهم سوى بنحو 4.4 مليار قدم مكعبة يوميا فقط. فجوة العرض قد تتسع أكثر خلال أشهر الصيف مع توقع ارتفاع الطلب إلى نحو 7 مليارات قدم مكعبة يوميا.
الضغط بدأ في الظهور على الشبكة بالفعل، إذ لم تتمكن وزارة البترول من توفير سوى 135 مليون متر مكعب من الغاز والمكافئ يوميا من أصل 146 مليون متر مكعب طلبتها وزارة الكهرباء لتغذية الشبكة، وفقا لما قاله مصدر حكومي لم يكشف عن اسمه لاقتصاد الشرق. ومما يزيد الأمور سوءا، ارتفاع الطلب بشكل غير موسمي، إذ بلغ 32.7 جيجاوات ليلة الجمعة، مقارنة بمتوسط قدره 28 جيجاوات خلال المواسم السابقة، مما أدى إلى إجهاد الشبكة القومية وأجبر الحكومة على إعادة تخصيص الإمدادات على حساب القطاع الصناعي، وفق مصدر حكومي. وحتى الآن، لا توجد خطط لإعادة العمل بخطة تخفيف الأحمال الكهربائية. “الدولة تسعى لتجنب سيناريو تخفيف الأحمال الكهربائية، لكن بالطبع مع التطورات الحالية على الأرض في المنطقة إذا اضطررنا للأمر؛ ولكن إن شاء الله لن نضطر له وسنتجنب هذا السيناريو”، وفق ما قاله المتحدث باسم مجلس الوزراء محمد الحمصاني في اتصال هاتفي مع عزة مصطفى ببرنامجها “الساعة 6” (شاهد 3:34 دقيقة).
وقامت مصر بتفعيل خطة الطوارئ المعدة المسبقة الخاصة بأولويات الإمداد بالغاز الطبيعي، وقامت وزارة البترول بإيقاف إمدادات الغاز الطبيعي لبعض الأنشطة الصناعية مع رفع استهلاك محطات الكهرباء للمازوت إلى أقصى كمية متاحة والتنسيق لتشغيل بعض المحطات بالسولار، وفقا لبيان الوزارة. وقد وجه وزير الكهرباء محمود عصمت شركات توزيع الكهرباء برفع درجة الاستعداد ومتابعة استقرار التغذية الكهربائية وتوفير الكهرباء لكافة الاستخدامات، وفقا لبيان الوزارة.
وأوقفت السلطات إمدادات الغاز لعدة قطاعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، بما في ذلك الحديد والأسمدة والبتروكيماويات والألومنيوم، حتى إشعار آخر، لإعطاء الأولوية لتوليد الكهرباء، وفقً ما قاله مصدر لإنتربرايز. وأفادت رويترز بأن شركات تصنيع الأسمدة المحلية علقت عملياتها عقب انخفاض واردات الغاز الطبيعي الإسرائيلية.
أصبح العمل على تجهيز وحدات إعادة التغويز التي وصلت مؤخرا إلى البلاد لاستقبال الشحنات أكثر أهمية من أي وقت مضى. وحتى الآن، وصلت ثلاث وحدات إعادة تغويز إلى مصر، حسبما أكدت وزارة البترول في بيانها. وتعمل إحدى هذه السفن حاليًا على تغذية الشبكة القومية، بينما تخضع السفينتان الأخريان للتجهيزات النهائية وأعمال الربط بالميناء. ويتم تسريع العمل في الوحدة الثالثة، التي ترسو في ميناء العين السخنة، لربطها على الشبكة، حيث تفقد وزير البترول الميناء لتسريع العملية. وتهدف الحكومة إلى تشغيل جميع وحدات إعادة التغويز العائمة بحلول أوائل يوليو، مما يرفع إجمالي قدرة إعادة التغويز إلى 2.25 مليار قدم مكعبة يوميا، أي أكثر من ضعف قدرة العام الماضي البالغة مليار قدم مكعبة يوميا.
“نعمل كذلك على وجود سفينة تغويز رابعة احتياطيا”، حسبما صرح رئيس الوزراء مصطفى مدبولي خلال اجتماع مساء الجمعة مع وزراء الكهرباء والبترول ومحافظ البنك المركزي. ومع ذلك، بينما تعاقدت مصر على أربع وحدات تخزين وإعادة تغويز عائمة — استلمت ثلاث منها بالفعل — فمن المرجح أن تحتاج إلى وحدة خامسة لمعالجة شحنات الغاز الطبيعي المسال الواردة ومواكبة الاستهلاك المحلي، وفقا لما قاله مصدر حكومي لإنتربرايز. ويأتي متوافقا مع ما ذكرته بلومبرج في وقت سابق من هذا الشهر بأن الحكومة تدرس التعاقد على وحدة خامسة لتخفيف الضغط على الشبكة وتجنب العودة إلى الانقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي.
وفي غضون ذلك، أبرمت مصر اتفاقيات طويلة الأجل لشراء ما يصل إلى 120 شحنة غاز طبيعي مسال سنويا مع ستة من أصل 14 موردا عالميا قدموا عروضا إلى الشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية (إيجاس)، وفق ما قاله مصدر حكومي لإنتربرايز. ويضمن الاتفاق، الذي تم بزيادة قدرها 0.70 دولار فوق الأسعار العالمية للغاز، 80-100 شحنة غاز طبيعي مسال سنويا، مع إمكانية زيادتها إلى 120 شحنة سنويا، وهو جزء من الاستراتيجية الأوسع للدولة لبناء احتياطي وقود يكفي لمدة ستة أشهر وتقليل الاعتماد على تدفقات خطوط الأنابيب.
ماذا يعني ذلك لأسعار الكهرباء؟ في ظل إمكانية ارتفاع تكاليف الإنتاج إذا استمر التصعيد الإقليمي، قال مصدر بوزارة الكهرباء لإنتربرايز إن رفع أسعار الكهرباء يقع على كاهل مجلس الوزراء، نافيا اتخاذ أي قرار رسمي بهذا الشأن بعد. وكان مصدر حكومي قد صرح لإنتربرايز في مارس الماضي أن الزيادات الجديدة في أسعار الكهرباء للقطاعين السكني والصناعي ستدخل حيز التنفيذ بحلول يوليو، بينما قال مصدر آخر الشهر الماضي إن الحكومة قد تؤجل الزيادة بفضل انخفاض أسعار النفط العالمية، واستقرار سعر صرف الجنيه مقابل الدولار، وسعي الهيئة المصرية العامة للبترول والشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية (إيجاس) إلى إبرام عقود طويلة الأجل.
وخصص مشروع موازنة العام المالي 2026/2025 مبلغ 45 مليار جنيه لحماية الدولة من تقلبات أسعار السلع والمنتجات البترولية، وفقا لما صرح به مصدر حكومي رفيع آخر لإنتربرايز، مضيفا أن أزمة طويلة الأمد قد تستنزف هذه الاحتياطيات. وتتوقع الموازنة أن يبلغ سعر خام برنت 77 دولار للبرميل في المتوسط، وسعر الدولار عند 50 جنيها.