مع تصاعد المخاوف من اندلاع حرب إقليمية أوسع نطاقا في أعقاب الهجمات الجوية المتبادلة بين إيران وإسرائيل، نسلط ضوءا على ما قد يعنيه هذا لمصر. فالسؤال المطروح يتعلق بالضغوط الناتجة عن الاضطرابات في تدفقات الطاقة ومسارات الشحن والملاحة البحرية والتدفقات السياحية، ومدى تأثيرها على الوضع الخارجي لمصر واستقرار اقتصادها، وما إذا كانت هذه العوامل قد يصاحبها نفور من جانب المستثمرين الأجانب؟ نستعرض في السطور التالية التداعيات الاقتصادية المحتملة على مصر في حال استمرار الأعمال العدائية في المنطقة أو تصاعد وتيرتها.
أخطر مواجهة بين إسرائيل وإيران منذ سنوات: في أعقاب أشهر من التوترات المتصاعدة بين البلدين، تصاعدت الحرب الكلامية بسرعة لتتحول إلى صراع متفاقم، بعد أن قصفت إسرائيل مواقع عسكرية ونووية صباح الجمعة، إلى جانب تنفيذ اغتيالات استهدفت شخصيات عسكرية بارزة وعلماء نوويين في إيران. ومنذ ذلك الحين، تبادل الطرفان إطلاق الصواريخ وشن الضربات الجوية خلال اليومين الماضيين، ولا تظهر طهران وتل أبيب أية حتى الآن بوادر للرغبة في البحث عن مخرج من الأزمة، إذ تتوعد إيران بالانتقام فيما تهدد إسرائيل بشن ضربات أشد تدميرا وتلمح إلى إمكانية إحداث تغيير في النظام الإيراني.
ماذا يعني كل هذا بالنسبة لمصر؟ –
سعر الصرف والتضخم والسياسة النقدية تحت الضغط: قد يؤدي التصعيد إلى “اضطرابات في سلاسل التوريد، مما قد يؤثر سلبا على التضخم وربما يعرقل دورة التيسير النقدي في مصر”، وفق ما قالته رئيس إدارة البحوث المالية بشركة إتش سي للأوراق المالية والاستثمار نعمت شكري لإنتربرايز، مضيفة أن أسعار النفط ارتفعت، مما صاحبه إعلان وزارة البترول احتياجها إلى خفض إمداداتها من الغاز الطبيعي لبعض الأنشطة الصناعية.
ماذا يعني ارتفاع أسعار النفط بالنسبة لنا؟ حذر الخبير المصرفي هاني أبو الفتوح من أنه في ظل ارتفاع أسعار النفط، من المرجح أن تزيد فاتورة الاستيراد، مما قد يضع ضغوطا على ميزان المدفوعات على المدى القصير. وقال أيضا إن “الجنيه لم يشهد تراجعا حادا حتى اللحظة، لكنني أعتقد أن استمرار التوتر قد يدفع بعض المستثمرين الأجانب إلى التحوط، مما يزيد الطلب على الدولار محليا”.
محاولات لتأمين احتياطي استراتيجي للطاقة: وقعت مصر اتفاقية لاستيراد الغاز الطبيعي خلال عطلة نهاية الأسبوع لبناء احتياطي استراتيجي من المنتجات البترولية لمدة ستة أشهر، في خضم تزايد المخاطر الجيوسياسية. يمكنكم متابعة التفاصيل الكاملة في فقرة “طاقة” أدناه.
بالأرقام- قفز سعر خام برنت بنسبة 7.0% يوم الجمعة ليصل إلى 74.23 دولار للبرميل، مسجلا أكبر تحركات في النطاق اليومي للتداول منذ عام 2022، حسبما ذكرت وكالة رويترز. برغم الارتفاع المفاجئ، لا تزال الأسعار تسجل تراجعا على أساس سنوي وأقل بكثير من ذروتها المسجلة في عام 2022 بعد أن شنت روسيا حربها على أوكرانيا.
لكن أسعار النفط قد ترتفع أكثر، في ظل استهداف إسرائيل مواقع الطاقة الإيرانية: وسعت إسرائيل نطاق أهدافها أمس ليشمل البنية التحتية للطاقة في إيران، بضربة استهدفت منشأة إيرانية لمعالجة الغاز الطبيعي في حقل بارس الجنوبي للغاز — الذي يعد الأكبر في العالم. ومع أن إنتاج الحقل موجه بشكل أساسي للسوق المحلية الإيرانية، فإن تحول إسرائيل نحو استهداف منشآت الطاقة قد يضيف مزيدا من التقلبات إلى سوق الطاقة الدولية.
احتياطيات السلع الأساسية يجب أن تساعد في الحفاظ على استقرار السوق المحلية والأسعار: “مدد الكفاية الاستراتيجية من جميع السلع الأساسية تفوق حاليا حاجز الستة أشهر، مما يعكس جاهزية الدولة وقدرتها على التعامل مع أية مستجدات على الساحتين الدولية والإقليمية دون التأثير على توافر السلع أو استقرار الأسواق”، وفق ما قاله وزير التموين شريف فاروق في بيان. وأوضح فاروق أن الوزارة تكثف الرقابة الميدانية للتصدي للاحتكار أو رفع الأسعار وضمان استمرار توريد المنتجات.
أسواق رأس المال قد تشهد موجة نزوح جديدة: “قد نشهد بعض عمليات البيع بدافع الخوف في تعاملات أذون الخزانة والأسهم من جانب المستثمرين الأجانب، وهي استجابة أولية بسبب زيادة المخاطر الجيوسياسية في المنطقة”، بحسب شكري. وبالمثل قال الخبير الاقتصادي هاني جنينة لإنتربرايز: “قد يحدث تخارج جزئي، وهو طبيعي نتيجة التخوف من اهتزاز سعر الصرف”. ومع ذلك، استبعد إمكانية حدوث تخارج كامل مماثل لأزمة الأموال الساخنة في عام 2022، ما لم تتعطل التدفقات الرئيسية بشدة. “التخارج الكلي لن يحدث إلا إذا شك المستثمر في توقف تام لإيرادات السياحة والتحويلات وخلافه، وهو مستبعد تماما لأن حركة السياحة ورؤوس الأموال خلال العامين الماضيين — وهي أعوام اضطرابات سياسية حادة — أظهرت عكس ذلك تماما”، بحسب جنينة.
مخاوف “الأموال الساخنة” تعود إلى الواجهة: أثارت الأوضاع الحالية من جديد المخاوف من تدفقات المحافظ الأجنبية إلى خارج سوق الدين المحلية المصرية، حسبما قال مصدر حكومي. فقد شهد الشهر الماضي عودة المستثمرين الأجانب إلى أدوات الدين المحلية المقومة بالجنيه بعد تخارج حاد في أبريل، مدعومين بدورة التيسير النقدي التي اتبعها البنك المركزي. ومن المتوقع أن يساعد تحول وزارة المالية نحو آجال استحقاق أطول للديون في التخفيف من التعرض لتقلبات الأموال الساخنة.
ملف إصلاح الدعم يعود إلى طاولة النقاش مجددا: لعل إحدى النتائج المحتملة لهذا التصعيد الإقليمي تتمثل في التحول في الاستراتيجية المالية للحكومة. قد تدعم الأحداث تقدم مصر المحتمل بطلب إلى “صندوق النقد الدولي بإعادة النظر في جدول تطبيق رفع أسعار المحروقات والكهرباء نظرا للأحداث الحالية”، وفق جنينة. وأكد أبو الفتوح أيضا على هذا الرأي، قائلا: “قد يستدعي الأمر إعادة تقييم بعض بنود الدعم أو تسعير المنتجات البترولية، وهو ما ستكون له آثار اجتماعية واقتصادية لا يمكن تجاهلها”.
لا تأثير فوري على قناة السويس لكن المخاطر قائمة: لم تشهد قناة السويس اضطرابات حتى الآن، “لكن أي اضطراب في أمن الملاحة الإقليمية أو ارتفاع كبير في تكلفة التأمين قد يدفع بعض الخطوط الملاحية لإعادة النظر مؤقتًا في مساراتها”، وفقا لأبو الفتوح. من شأن هذا أن يعرقل الجهود المبذولة لإعادة خطوط الشحن العالمية إلى الممر الملاحي. فقد انخفضت إيرادات قناة السويس بنسبة 62.3% على أساس سنوي لتصل إلى 1.8 مليار دولار في النصف الأول من العام المالي 2024-2025 على خلفية اضطرابات البحر الأحمر التي دفعت السفن إلى تغيير مسارها بعيدا عن القناة.
في الوقت الراهن.. مصر لديها بعض الحيز للمناورة: برغم المخاطر، لا يزال وضع الاقتصاد الكلي في مصر مستقرا بما يكفي لتحمل الاضطرابات قصيرة المدى، وفق جنينة. “مما نراه الآن أن هامش التحوط من خطر تخلف مصر عن سداد ديونها الخارجية ما زال منخفضا جدا عند مستويات 5.3%. وهذا سيسمح لمصر بالاستمرار في برنامج إصدار السندات والصكوك لإعادة تمويل الديون الخارجية المستحقة خلال النصف الثاني من هذا العام”، حسبما أضاف.
برنامج الصكوك لا يزال في مساره: ما زال من السابق لأوانه تقييم كيفية تأثير التصعيد الإقليمي على إصدار الصكوك المرتقب، فقد صرح مسؤول حكومي لإنتربرايز بأن البرنامج يمضي قدما وفق المخطط. ويجري حاليا إعداد مجموعة من المشروعات والاستثمارات في إطار محلي أوسع لإصدار الصكوك.
مخاوف السلامة النووية.. والقاهرة تدعو لخفض التصعيد –
مخاطر إشعاعية؟ لا خطر على مصر، وفقا لهيئة الرقابة النووية: قالت هيئة الرقابة النووية والإشعاعية إن مستويات الإشعاع لا تزال “تحت السيطرة” في منشأة نطنز النووية الإيرانية — التي استهدفتها الضربات الجوية الإسرائيلية. “لا توجد أي مؤشرات على حدوث أي تسرب حتى الآن”، حسبما أوضحت الهيئة، مشيرة إلى تنسيقها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية والسلطات المحلية. وأضافت الهيئة أن شبكتها للإنذار المبكر والرصد تواصل تتبع بيانات الإشعاع الخلفي لضمان السلامة العامة.
مصر تدعو لخفض التصعيد: أصدرت وزارة الخارجية بيانا صباح الجمعة أدانت فيه بشدة الضربات الجوية الإسرائيلية على الأراضي الإيرانية، وقالت إن الهجوم يمثل “تصعيدا إقليميا سافرا بالغ الخطورة، وانتهاكا فاضحا للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة”. وأكدت مصر على موقفها الثابت على أنه “لا توجد حلول عسكرية للأزمات التي تواجهها المنطقة”، ودعت بدلا من ذلك إلى “احترام سيادة الدول ووحدة وسلامة أراضيها” ليكون أساسا للسلام.
عبد العاطي يحذر من الفوضى في اتصال مع وزير الخارجية الإيراني: تحدث وزير الخارجية بدر عبد العاطي مع نظيره الإيراني عباس عراقجي يوم الجمعة لمناقشة الهجوم الإسرائيلي “وانعكاسه الخطير على أمن واستقرار المنطقة”. وجدد عبد العاطي “رفض مصر وإدانتها التعدي على سيادة الدول وانتهاك وحدة وسلامة أراضيها”، وحذر من مخاطر “انزلاق المنطقة بأكملها إلى فوضى شاملة وتوسيع رقعة الصراع”.
القاهرة تكثف اتصالاتها بقادة المنطقة: تحدث عبد العاطي أيضا مع وزراء خارجية قطر والسعودية والأردن، ودارت المباحثات حول العواقب الوخيمة للتصعيد الإسرائيلي وتداعياته على استقرار المنطقة الأوسع. كذلك تحدث الرئيس عبد الفتاح السيسي مع نظيره التركي رجب طيب أردوغان أمس، إذ أكد القائدان على ضرورة خفض التصعيد.