يستشرف دويتشه بنك تحسن آفاق النمو في مصر وسط دورة التيسير النقدي التي ينتهجها البنك المركزي المصري في الوقت الراهن، إذ يتوقع أن يؤدي هذا التيسير إلى تعزيز الطلب المحلي وارتفاع مستويات الاستثمار، وفق ما كتبه البنك الاستثماري الألماني في مذكرة بحثية اطلعت عليها إنتربرايز.
ومن المتوقع أن يدفع تعافي الطلب المحلي وزيادة الاستثمارات عجلة النمو خلال العامين الماليين المقبلين، بحسب للبنك. وفي نطاق رؤية البنك التي تتماشى بشكل عام مع توقعات أخرى، يعتقد دويتشه بنك أن يصل النمو إلى 3.9% على أساس سنوي في العام المالي الحالي — وهو ما يمثل تعافيا، لكنه لا يزال أقل من المتوسط على المدى الطويل بسبب “ضعف قطاع التصنيع، والاضطرابات المشهودة في البحر الأحمر، وإجراءات ضبط أوضاع المالية العامة”.
سجل النشاط الاقتصادي انتعاشة قوية بنسبة 4.3% في الربع الثاني من العام المالي 2025/2024، بارتفاع نقطتين مئويتين عن العام السابق (مقابل 2.3% قبل عام). كانت القطاعات الرئيسية التي قادت النمو هي قطاع السياحة (+18.0%)، وقطاع الصناعات التحويلية غير النفطية (+17.7%)، وقطاع الاتصالات (+10.4%)، وقطاع النقل (+9.4%)، وقطاع الوساطة المالية (+11.6%)، وفق ما ذكره البنك.
وسجل صافي الصادرات أول إسهام إيجابي له منذ أكثر من عام خلال هذا الربع، إذ أضاف 1.8 نقطة مئوية إلى النمو الحقيقي خلال الربع الثاني من العام المالي 2025/2024. وشهدت الفترة أيضا انتعاشة في الاستثمارات بنسبة 0.8%، مدفوعة بزيادة استثمارات القطاع الخاص بنسبة 35.4%، مما عوّض الانخفاض بنسبة 25.7% في الاستثمارات العامة.
لكن خسائر قناة السويس والتحديات في قطاع الهيدروكربونات قد تعيق النمو. فقد انخفضت حمولة السفن المارة عبر قناة السويس بنسبة 70.0% على أساس سنوي لتصل إلى 117.5 مليون طن في الربع الثاني من العام المالي الحالي. بالإضافة إلى ذلك، شهد قطاع التعدين انكماشا في النشاط بنسبة 9.2% على أساس سنوي، وعزا البنك هذا إلى “انخفاض الإنتاج المحلي وسط تراجع الاستثمارات الأجنبية في حفر آبار جديدة وتراجع جهود تطوير الآبار الحالية”.
ويعتقد البنك أن البنك المركزي المصري ينبغي له المضي بحذر في دورة التيسير النقدي، مشيرا إلى مخاطر صعودية تتجاوز الضغوط التضخمية المتزايدة، من ضمنها “تمرير الأثر المحتمل لتقلبات سعر الصرف إذا تسببت حالة عدم اليقين العالمية والجيوسياسية في ضغوط إضافية على العملة” — وهذا قد يتجلى في صورة مشابهة لموجة البيع الأخيرة المشهودة في الأسواق الناشئة أو خسارة إيرادات قناة السويس أو كلا الأمرين معا، حسبما ذكر البنك. ونتيجة لهذا، يتوقع البنك أن يخفض البنك المركزي أسعار الفائدة بمقدار 400 نقطة أساس إضافية خلال الفترة المتبقية من العام، ليصل سعر الفائدة الرئيسي إلى 20.00% بنهاية عام 2025.
وعلى صعيد استشراف المستقبل، من المتوقع أن يتعزز النمو مرة أخرى في العام المالي 2026/2025 ليصل إلى 4.5%، مدعوما بتعافي الطلب المحلي الناتج عن تراجع التضخم وتحسن الأوضاع المالية، جنبا إلى جنب مع إحراز مزيد من التقدم في برنامج الطروحات، الذي من شأنه أن يعزز استثمارات القطاع الخاص. وبهذا تبدو توقعات “دويتشه بنك” للعام المالي المقبل متماشية مع أهداف الحكومة.
ولكن ثمة عديد من العوامل التي قد تمثل خطرا بالنسبة لهذه التوقعات. إذ يحذر البنك الألماني من أن أي تباطؤ إضافي في الطلب العالمي قد يؤدي إلى انخفاض مستويات السياحة، وتدهور معنويات المستثمرين، وارتفاع تكاليف الاقتراض، أو ارتفاع معدلات التضخم — وكل هذه العوامل من شأنها أن تخفض مستويات النمو في مصر في المستقبل المنظور.
جوانب إيجابية أخرى: ومع ذلك، توجد عديد من التطورات الإيجابية التي قد تغير النظرة المستقبلية نحو الأفضل، من ضمنها استئناف حركة الملاحة في قناة السويس في وقت أقرب من المتوقع وانتعاش قطاع الصناعات الاستخراجية في البلاد. ربما تحقق مصر أيضا وجه استفادة غير متوقعة من الحرب التجارية العالمية، إذ يمكن لقطاع المنسوجات في البلاد أن يجذب المستثمرين الذين يتطلعون إلى تجاوز التعريفات الجمركية الأعلى بكثير، المفروضة على كبار مصدري المنسوجات مثل بنجلاديش وفيتنام والمكسيك.