في عالمنا السريع الذي يقدس الانشغال، صار الركون إلى الراحة أمرا غير مريح. من منا لا ينجز عمله الأسبوعي باجتهاد وينهي جميع المهام الموكلة إليه ويضع خطة واضحة للأسبوع التالي، ثم يستيقظ صباح أول أيام الويك إند ودماغه يعجز عن التخلص من ذلك الشعور الغامض بأن العمل لم ينته بعد؟ هذه هي سمة العصر، الراحة أصبحت دليلا على الضعف أو الكسل، وربما سمة لما هو أسوأ من ذلك: التخلف عن التريند السائد. لكن هذا ليس صحيحا، وحتى أكثر رجال الأعمال نجاحا يلتزمون بقاعدة مهمة: الراحة ميزة استراتيجية.
**لينكات إنتربرايز فقط تظهر على الإيميل، اضغط على عنوان الفقرة بالأعلى لقراءتها مصحوبة بكل الروابط**
لماذا لا يتوقف عقلك عن العمل؟ (ولماذا يعد هذا أمرا طبيعيا؟)
1#- العالم الحديث يقوم على مقاييس الإنتاجية وتعظيم الكفاءة. قلناها في إنتربرايز من قبل، وسنظل نكررها ما دامت واقعا. الأمثلة كثيرة، وتتراوح ما بين استغلال أوقات البريك للعمل وتقسيم الجداول الزمنية وحتى استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لصياغة رسائل البريد الإلكتروني، وكلها تصب في صالح تحقيق أكبر قدر ممكن من الإنتاجية. حتى الأنشطة الترفيهية أصبحت مرتبطة بالمقاييس والنتائج والإنجازات، فاللياقة البدنية تعني إتمام الحلقات على ساعة أبل، والهوايات تتحول إلى أعمال جانبية، والقراءة تصير تحديا بأهداف سنوية على جود ريدز. لماذا؟ لأن الوقت من ذهب بالطبع، لذا يجب قياس كل لحظة وكل فعل من أجل تحسين الكفاءة باستمرار، وهو ما يعطي الأولوية للربح على راحة الإنسان غالبا.
2#- الأمن المالي والمسار المهني أشياء تشغل بالنا طوال الوقت، وذلك لأن المجتمع دربنا على الإيمان بأن العمل الدؤوب يعني النجاح المسؤول، ولكن التوتر المزمن لا يشعر الفرد بأحاسيس سيئة فحسب، بل يضعف عملية اتخاذ القرارات والتفكير الاستراتيجي.
3#- فخ المقارنة يزيد الطين بلة: قد يتصفح المرء منا منصة لينكدإن، ليشاهد نجاحات الآخرين بينما يستلقي على الأريكة محاولا الاسترخاء. في هذا السيناريو عادة ما نقع ضحايا للشعور بالإحباط نتيجة الحالة التي تخلقها وسائل التواصل الاجتماعي، والتي تشعرنا بأن الجميع يحقق إنجازات لا حصر لها بينما نستلقي بلا هدف، هذا الأمر يجعل من أوقات الراحة محفزا لمشاعر الخزي والنقص.
لذلك، غالبا ما يترجم عقل المرء كثرة العمل على أنها ميزة وليست خللا، لذا فإن اعتراف الفرد بحاجته إلى الراحة يمثل أمرا مزعجا خاصة بالنسبة لمن يربط قيمته الذاتية بحجم إنجازاته، بل وأضحى ذلك الشعور المزعج بالذنب الذي كان يوما ما هو الدافع لتحقيق أعلى النتائج، مصدرا للقلق والكآبة وربما تراجع الإنتاجية. التكلفة الحقيقية هنا ليست فقط الشعور بالذنب عند أوقات العطلات مثلا بل تراجع الإنتاجية والشعور في نهاية الأمر بالاحتراقالوظيفي.
نموذج الراحة الفعال
الحل هنا لا يكمن في التخلي عن طموحك — بل في إعادة صياغة مفهوم الراحة باعتبارها أداة ضرورية لتحسين الأداء.
1#- فهم الأساس العلمي: العمل الإبداعي يتطلب فترات من التركيز الشديد تليها فترات من الراحة، إذ تشير الأبحاث إلى أن الشخص الذي يعتمد باستمرار على قدراته الإبداعية لا يمكن أن يكون منتجا لأكثر من ست ساعات في اليوم بحد أقصى. والأهم من ذلك؟ العمل لساعات أطول لا يجعلك أفضل في وظيفتك، فقد خلصت دراسة أجريت عام 2016 إلى عدم وجود علاقة بين المبالغة في العمل إلى حد إدمانه بتحسين الأداء الوظيفي. فيما أكدت دراستين مختلفتين بعامي 2015 و2020 نفس النتائج حيث أظهرت أن الأشخاص الذين يسجلون ساعات عمل مكثفة قد حصلوا على تقييمات أداء مماثلة لزملاء لم يبذلوا نفس القدر من الجهد.
2#- تأمل التاريخ: المسيرة المهنية ليست ماراثون أو سباق، لذا فالمهم هو الكيف وليس الكم، وتشارلز داروين خير مثال، فالعالم الذي نشر 19 كتابا خلال حياته بما فيها الكتاب الأشهر أصل الأنواع، كان يعمل فقط ثلاث فترات مدة كل منها 90 دقيقة يوميا. كما أن أكثر الشركات ابتكارا اكتشفت أهمية التحول إلى أسابيع عمل قصيرة مدتها أربع أيام فقط في زيادة الإنتاجية دون تشتيت الموظفين أو استنزاف طاقتهم، حسبما قال خبير وادي السيليكون، أليكس سوجونج كيم بانج، والنتائج ؟ زيادة الإنتاجية وتحسين الأداء والحفاظ على الموظفين واستقطاب مهارات أفضل.
كيف تحقق أقصى استفادة من أوقات الراحة؟
1#- ابحث عن هواية ممتعة ومنتجة: يمكن توجيه دافع الشعور بالإنجاز لديك إلى لعبة أو هواية تستمتع بها خارج ساعات العمل، سواء كانت تعلم الرسم، أو محاولة تحقيق إنجاز أو هدف شخصي في صالة الألعاب الرياضية، فالمهم هو تحقيق تقدم ملموس يلبي احتياجاتك للإنجاز دون إثارة قلق العمل.
2#- .. أو رياضة مهارية: يمنح هذا النوع من الرياضات شعور ملحوظا بالإنجاز، فمثلا تجمع رياضة الجولف بين التفكير الاستراتيجي واللياقة البدنية، فيما تمزج رياضة تسلق الصخور بين ملكة حل المشكلات والتحدي البدني. كما تعزز الفنون القتالية مهارات الانضباط، ويوفر ركوب الدراجات أهدافا تعزز من قدرة المرء على التحمل. لذا فإن العثور على رياضة تبني الجسم والمهارات ويمكن قياس وملاحظة التقدم المحرز فيها دون ضغوط، يشبع من الدافع الداخلي التنافسي بطريقة صحية.
3#- الألعاب الاستراتيجية: تساعد الألعاب الرقمية على تعزيز التفكير النقدي والتحليلي لدى الأفراد، فمثلا تدرب لعبة مثل الشطرنج لاعبيها على التفكير وممارسة الاستراتيجيات الدفاعية والهجومية، كما تنمي ألعاب الفيديو المعقدة خاصة الاستراتيجية منها، وحتى ألعاب الرياضات الخيالية (fantasy sports)، القدرة على التحليل والمنافسة دون وجود رهانات حقيقية، فيما تضيف الألعاب الجماعية بعدا اجتماعيا لطيفا وتعزز من التنافسية الصحية.
4#- اعمل بجد، وتأمل بجد: في كتاب الباحث والأستاذ الأمريكي كال نيوبورت، يخلص بحثه المفصل حول مفاهيم العمل العميق إلى أنه يلزم لإتقان فعل الأشياء الصعبة سريعا، التركيز بشدة دون تشتيت. ولكن هنا تكمن المفارقة: للحفاظ على هذه القدرة على العمل العميق، يحتاج المرء منا إلى راحة عميقة. وهنا يشير نيوبورت إلى أنه يعتمد نفسه نهجا يسمى بالتأمل المنتج، وهو عبارة عن تخصيص وقت يقوم فيه بنشاط جسدي مثل الجري أو المشي أو القيادة، واستغلاله في تأمل قضية أو مشكلة مهنية واحدة يركز عليها كل تفكيره. يساعد هذا النهج في حل التحديات المعقدة مع منح العقل استراحة من ضغوط التفكير داخل سياق العمل الموتر.