فنجان قهوة مع: محمود محيي الدين (لينكد إن)، محمود محيي الدين المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة لتمويل أجندة التنمية المستدامة 2030، ووزير الاستثمار الأسبق. دخل الاقتصاد العالمي حقبة جديدة من عدم اليقين المتزايد الذي يثير قلق الكثيرين؛ ولفهم ما يعنيه كل هذا لمصر، أجرت إنتربرايز مقابلة مع محيي الدين الأسبوع الماضي. وفيما يلي مقتطفات محررة من الحوار:
إنتربرايز: على عكس الاتجاه العالمي، كانت مصر من الدول القليلة التي رفع صندوق النقد الدولي توقعات النمو الخاصة بها في أحدث تقرير له حول آفاق الاقتصاد العالمي — ماذا يعني ذلك لمصر، وما الذي يساعدها على تعويض الآثار غير المباشرة من التوترات التجارية المستمرة؟
محيي الدين: هناك عوامل تتعلق بافتراضات إيجابية حول انتهاء الأعمال العدائية، وعودة حركة الملاحة في قناة السويس لطبيعتها، والحفاظ على النمو في القطاعات الخدمية، بما في ذلك السياحة.
إذا جرى رفع توقعات النمو لبلد ما، فهذه أخبار جيدة، ولكن الشيء الرئيسي هنا يتعلق بجودة النمو وما إذا كان هذا النوع من النمو سيعزز سوق العمل بما يسمى بالوظائف النوعية. والشيء الآخر هو ما إذا كان [النمو] سيستمر أم لا، والشيء الثالث هو ما إذا كان سيضع [مصر] على مسار لتحقيق نمو أعلى. في هذا الجزء من العالم — أفريقيا والشرق الأوسط والبحر الأبيض المتوسط والدول العربية — النمو الاقتصادي الحقيقي الذي يقل عن 6-7% ليس مفيدا بما فيه الكفاية للحفاظ على ما نسعى إليه من حيث التنمية.
إنتربرايز:ما الذي ينبغي أن تقوم به الحكومة للحد من تداعيات الاضطرابات العالمية على الاقتصاد المحلي؟
محيي الدين: هذه ليست مجرد حرب تجارية، بل هي حرب اقتصادية، لأنه من المؤكد تماما أنه إذا كانت هناك توترات تجارية، فسيكون هناك تباين مصاحب — إن لم يكن تقلبا — في تدفقات رؤوس الأموال. نتوقع تداعيات سلبية كبيرة على زخم النمو، الذي يعاني بالفعل، ليس فقط بسبب التأثيرات المستمرة لجائحة كوفيد؛ لقد مررنا بفترة نمو منخفضة لبعض الوقت، وهو ما لا يساعد حقا في تحقيق أجندة التنمية المستدامة.
ولكن ما الذي يمكننا القيام به؟ هناك بعض ردود الفعل، قد تدركون ذلك، خاصة في المناقشة [في اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين]، بأن هناك نوعا من إحياء ما أسميه "الإقليمية الجديدة". لذا، يعيد الأوروبيون اكتشاف مزايا أوروبا، وتحاول دول أمريكا اللاتينية إحياء بعض القنوات القديمة للتجارة والاستثمار والتعاون التكنولوجي. تقوم مجموعة الآسيان لدول جنوب شرق آسيا بعمل رائع [في هذا الصدد]؛ هذا هو أفضل مثال يمكن لمنطقتنا أن تتعلم منه. وهناك الأفارقة من خلال اتفاقية التجارة الحرة القارية.
إن مصر بحاجة في حقيقة الأمر إلى إعادة اكتشاف جمال وتفرد موقعها الجغرافي وتعظيم الاستفادة منه عن طريق خفض الحواجز التجارية. يمكن تحقيق ذلك عبر تعزيز الفرص الاستثمارية، والحد من البيروقراطية، وتحسين بنيتها التحتية الرقمية، وتنويع اقتصادها، وتحقيق تكافؤ الفرص، وتقليل تدخل الدولة في مجالات الأعمال التجارية إلى الحد الأدنى الضروري. وعندما يتعلق الأمر بهذه الاستثمارات، يجب أن تتم بشكل عادل، بمعنى أن كل منشأة — سواء كانت عامة أو خاصة، محلية أو خارجية — يجب أن تخضع لنفس القواعد. إذا كان الأمر كذلك، وقد كنت أقول ذلك لبعض الوقت الآن، فأنا لا أهتم حقا بما إذا كانت الملكية عامة أو خاصة طالما أن الفرص متكافئة.
إنتربرايز: كيف تتوقع أن يؤثر ما يحدث عالميا على قدرة مصر على الاقتراض من الأسواق الدولية؟
محيي الدين: أولا فيما يتعلق بالمساعدة الإنمائية الرسمية، مصر لا تعتمد بشكل كبير على تلك المساعدة مقارنة بدول أخرى في القارة، ولكن مرة أخرى، فإن ذلك سيدفع نحو مزيد من التعبئة وتحسين كفاءة استخدام الموارد المحلية. وسيساعد ذلك بالفعل في الدفع نحو طريقة أفضل للتعامل مع بعض مجالات الاستثمار، وخاصة البنية التحتية والتعليم والصحة.
فيما يخص القدرة على الاقتراض، أود أن أقول إنه ينبغي أن يكون على نحو معقول. في مصر، كما هو الحال في العديد من البلدان الأخرى، ترى أن خدمة الدين تتجاوز ما ينفق على الصحة والتعليم والخدمات الاجتماعية بناء على الموازنة الأخيرة التي وافق عليها البرلمان. الأمر لا يجب أن يستمر على هذا الحال. يجب أن يعتمد النمو من حيث استثماراته بشكل أكبر على الشراكات بين القطاعين العام والخاص. يجب علينا الامتناع حقا عن أي نوع من الاقتراض لأي نوع من مشاريع البنية التحتية إذا كانت هناك إمكانية للشراكة بين القطاعين العام والخاص.
ولا زلت أقول ذلك منذ أكثر من 20 عاما. بدلا من الاقتراض لتطوير المطارات والموانئ البحرية وجميع أنواع المرافق العامة المماثلة أو حتى لمحطات الكهرباء، علينا القيام بذلك من خلال الشراكات بين القطاعين العام والخاص. يطبق ذلك لمدة خمس سنوات أو عشر سنوات أو عشرين عاما، بناء على المشروع وجدواه. وسيوفر هذا بالفعل القدرة على الاقتراض لبعض المجالات الأساسية التي قد لا يكون القطاع الخاص — سواء كان محليا أو أجنبيا — مهتما بالاستثمار فيها.
إنتربرايز: كيف يجب على مصر إعادة تشكيل علاقاتها التجارية مع العالم في ضوء التوترات الحالية؟
محيي الدين: هناك هذا النوع من الآراء المختزلة، والتي تقول حسنا أنتم تخضعون لرسوم 10% على صادراتكم للولايات المتحدة، بينما تخضع دول أخرى لرسوم أعلى، لذا شجعوا أولئك الذين سيصدرون إلى الولايات المتحدة أو غيرها من الدول على التصنيع لديكم. يمكننا التجربة لكن الأمر ليس سهلا. فالجميع يفكرون بنفس الطريقة.
لتحقيق ذلك، يتطلب الأمر بعض الصبر، لأن هذه الصناعات لن تنتقل إلى مصر بين عشية وضحاها. والشيء الآخر هو أنها ستنظر أيضا في تكلفة المعاملات وتكلفة ممارسة الأعمال. سيقارن المستثمرون بيئة الأعمال بشكل عام، ومناخ الاستثمار بشكل عام.
إذا كنت مستثمرا في المنتجات الصناعية أو الزراعية، فمصر وجهة جيدة لممارسة الأعمال بها. إذا كنت تريد سوقا لائقا ومستقرا ومتناميا من حيث العملاء، بالإضافة إلى [إمكانية الوصول إلى] أسواق التصدير، فمصر هي خيارك الأفضل. إذا كنت تريد قوة عاملة كافية مع مجموعة جيدة من العمالة المدربة والماهرة، فمصر، مرة أخرى، ستكون قرارا جيدا. ولكن لا تفسدوا ذلك على المستثمرين بعقبات بيروقراطية، أو عن طريق زيادة عدم اليقين، أو عن طريق تدخل حكومي غير ضروري.
إنتربرايز: في رأيك، كيف ستتحرك رؤوس الأموال حول العالم في ظل التطورات الحالية؟
محيي الدين: حسنا، يأتي رأس المال بأشكال وأحجام وشهية مختلفة للمخاطرة. لذا فإن نوع رأس المال الذي أحرص على رؤيته، وهو الاستثمار الأجنبي المباشر، سيذهب إلى الأماكن التي تتحسن فيها بيئة الأعمال، وحيث تكون العائدات جيدة، وعندما تقل التكلفة والمخاطر لتحسين فرص الاستثمار الأجنبي المباشر ويمكن لمصر أن تكون في الصدارة. لدينا بعد ذلك النوع الآخر من تدفقات رأس المال التي تأتي من خلال استثمارات المحافظ عبر سوق الأسهم، ثم النوع الثالث من رؤوس الأموال التي تكون استثمارات طويلة الأجل في السندات.
إنتربرايز: بغض النظر عن التوترات التجارية الحالية وتقلبات السوق اللاحقة، لماذا لم نشهد تقدما على صعيد الطروحات؟ هل تراجع شهية المستثمرين هو السبب؟
محيي الدين: استنادا إلى خبرتنا في بلدنا مصر وبلدان أخرى، فإن هذا النوع من البرامج دائما ما يكون معقدا لأسباب فنية وأسباب تتعلق بالسياسة النقدية ولأسباب سياسية، عندما يتعلق الأمر بالتقييم وبإعداد المشاريع وعندما تكون جاهزا للعمل الفني، قد تواجهك مشاكل مثل عدم جاهزية السوق أو بعض القضايا الكلية المثيرة للقلق. لذا فإن كل ذلك يخبرنا أساسا أن على من يقومون بإعداد هذه الشركات [للطروحات] أن يكونوا مستعدين دائما وأن يواصلوا تحديث تقارير الفحص النافي للجهالة.
لقد كنت وراء فكرة إنشاء صندوق ثروة سيادي، وكان ذلك منذ أكثر من 20 عاما، أو نحو ذلك. يجب أن يكون صندوق الثروة السيادية مؤسسة تستثمر بالعملة الأجنبية في الداخل أو في الخارج، وهذا هو التعريف الكلاسيكي ما لم نعيد اختراع العجلة. يجب أن يكون لديه هذا النوع من النهج الاستراتيجي لتكملة الأصول التي يديرها البنك المركزي ويجعلها تحقق عوائد أعلى ويطبق أدوات إدارة المخاطر اللازمة.
صندوق مصر السيادي أقرب إلى شركة إدارة أصول أو شركة قابضة فائقة. لا ضير من وجود هذا النوع من الشركات، ولكن مع ذلك فإن بلادنا بحاجة إلى صندوق سيادي يستطيع إدارة أصوله الدولارية ولا يجعله عرضة لهذه التقلبات في إدارة الاحتياطيات الدولية.
أعتقد أن الأمر برمته يحتاج إلى دراسة متأنية — من الناحية المؤسسية والسياسية — بتنسيق أفضل، وبفهم أفضل لما يمكن أن يقدمه لك الطرح العام في البورصة وما يمكن أن يقدمه لك مستثمر استراتيجي من بلدك أو من الخارج.
إنتربرايز: كيف ترى أن الذكاء الاصطناعي والطفرة التي نشهدها حاليا ستؤثر على مصر؟
محيي الدين: أعتقد أنه سيكون له تأثير رائع. لا تلقي بالا إلى التحذيرات من الذكاء الاصطناعي. نعم، قد يكون له بعض التأثير السلبي على بعض القطاعات، ولكن سيكون له تأثير كبير على القدرة التنافسية والإنتاجية. وبالتأكيد سيكون هناك خاسرون ورابحون في لعبة الذكاء الاصطناعي، ولكنني أود أن أرى التأثير الصافي. بالنسبة لدولة ذات قدرة تنافسية منخفضة مثل مصر، يمثل الذكاء الاصطناعي فرصة عظيمة. يجب على مصر أن تستثمر في المجالات التي جرى تحديدها لتحسين مشهد الذكاء الاصطناعي، كالبنية التحتية الرقمية، ومهارات القوى العاملة، واللوائح التنظيمية الملائمة، وأخلاقيات العمل به.