حكيم أوماها يثبت حنكته الاستثنائية مجددا: قبل أشهر من بدء تراجع الأسواق الأمريكية إلى مستويات قياسية في فبراير الماضي، كانت شركة بيركشاير هاثاواي – التكتل الصناعي العملاق الذي يديره المستثمر الأسطوري وارن بافيت – قد شرعت بهدوء في تقليص حصتها من الأسهم التي تمتلكها، وفق تقرير منصةبروأكتيفالإخبارية المهتمة بأبحاث المستثمرين. وقد انتهى الحال بالشركة إلى بيع صافي أوراق مالية بقيمة 134 مليار دولار، بما في ذلك التخلص مما يقرب من ثلثي حصتها الضخمة في أبل التي كانت تبلغ 174 مليار دولار. وبحلول مارس، وبينما كان مؤشر ستاندرد أند بورز 500 وأبل قد تراجعا بنسبة 9%، كانت بيركشاير تحقق مكاسب قدرها 10% بعد تحويل 334 مليار دولار إلى أصول سائلة، بحسب الإيكونوميست.
**اضغط على عنوان الفقرة بالأعلى لقراءتها كاملة مصحوبة بكل الروابط**
هذا الحس الاستباقي أثبت أهميته خلال موجة التقلبات التي أثارتها الإدارة الأمريكية بفرض التعريفات الجمركية، ففي الوقت الذي شهد انخفاض مؤشر ستاندرد أند بورز 500 بنسبة 5% وتراجع أسهم أبل 9%، لم تتكبد بيركشاير سوى خسارة طفيفة بنسبة 1.5%. وبينما لا تزال الأسواق دون ذروتها بنحو 11%، حققت استثمارات هاثاواي صعودا بنسبة 7% لتقترب من بلوغ قيمة سوقية قياسية قدرها 1.2 تريليون دولار.
بافيت يرفع شعار "التدفق النقدي هو الأهم"، فهل على قادة الشركات أن يحذوا حذوه؟ من الواضح أن تقليد النهج حرفيا لا يصلح للجميع، فحتى الشركات العملاقة التي تتمتع بوفرة نقدية مثل أمازون وألفابت (الشركة الأم لجوجل) – اللتين تمتلك كل منهما نحو 100 مليار دولار من السيولة – لم تنج من التراجع، إذ لا تزال أسهمها منخفضة بنحو 15% عن مستوياتها السابقة.
الفكرة نفسها تنطبق على قطاعات أخرى: لم تنجح الاحتياطيات النقدية الضخمة التي تملكها تويوتا و تايوان لصناعة أشباه الموصلات – والبالغة نحو 75 مليار دولار لكل منهما – في حمايتهما من انخفاضات ملحوظة في القيمة السوقية منذ بداية العام. أما مجموعة سيتك المدرجة في هونج كونج والتي تسعى لتقليد نموذج بيركشاير، فتمتلك رأس مال غير مستخدم يبلغ 249 مليار دولار، لكن قيمتها السوقية لا تتجاوز 31 مليار دولار، وهو تفاوت يمكن تفسيره جزئيا بطبيعة هيكل ميزانيتها الذي يميل إلى الطابع المصرفي.
البيانات لا تكذب: يكشف تحليل الأرقام عن غياب أي علاقة تذكر بين حجم السيولة لدى الشركة وأداء أسهمها في السوق. وحتى عند احتساب نسبة السيولة إلى الإيرادات، لا تتجاوز بيركشاير المرتبة 56 بين أكبر الشركات العالمية العامة غير المالية.
على النقيض من نهج بافيت، تعتمد العديد من أنجح الشركات اليوم استراتيجية مختلفة تقوم على سيولة نقدية متواضعة نسبيا. فعلى سبيل المثال، تحتفظ إنفيديا بسيولة تعادل 33% فقط من إيراداتها، بينما لا تتجاوز هذه النسبة لدى نوفو نورديسك 9%، في حين تقترب النسبة لدى بيركشاير هاثاواي من 75%. ومع ذلك، تجيد كل من إنفيديا ونوفو توظيف رأس مالها على نحو يمكنها من تحقيق عوائد متميزة بلغت 71% و46% على التوالي.
الاحتفاظ بسيولة ضخمة على طريقة "عم دهب" قد يبدو جذابا، لكن هذا يأتي على حساب تكلفة الفرصة البديلة. فقد نمت الاحتياطيات النقدية لدى بيركشاير بمعدل 2.5 ضعف خلال السنوات الخمس الماضية، غير أن عوائدها على رأس المال تراجعت في المقابل. وتظهر هذه العلاقة العكسية أيضا لدى شركات أخرى ذات سيولة وفيرة.
مع استمرار حالة عدم اليقين في الأسواق، بات على قادة الشركات التعامل مع معادلة دقيقة: هل يحتفظون برؤوس أموال ضخمة تحسبا لتقلبات اقتصادية محتملة، أم يسخرون هذه الموارد لتحفيز الابتكار وتحقيق النمو؟ الإجابة الحكيمة لا تكمن في اتباع نهج بافيت بشكل حرفي، بل في اعتماد رؤية استراتيجية تراعي خصوصية كل شركة، وتستوعب ديناميكيات القطاع وأهداف النمو طويلة الأجل.