🚙 نقد مبادرات عافية إنتاجية الموظفين: نشرت مجلة الإيكونوميست قبل أسبوع مقالا خياليا ساخرا يركز على برامج العافية التي تفرضها الشركات في بيئة العمل. ولم يكن المقال غرضه السخرية فحسب، بل مثل نقدا ذكيا لمبادرات تبدو كما لو أنها تهتم بصحة ورفاهية الموظفين، بينما لا تكترث في حقيقة الأمر إلا بتحسين الإنتاجية. في المقال، نجد مثلا أحد مديري جودة أداء الموظفين يعرض بفخر في إطار ساخر تقارير عن موظفين يضعون أشرطة لاصقة على أفواههم أثناء النوم لتحسين التنفس، ويتنافسون على الاستيقاظ في ساعات الفجر الأولى، ويغمرون وجوههم في الماء المثلج خلال الاجتماعات. وخلف هذا الطابع الكوميدي، يبرز نقد حاد لنهج الشركات في التعامل مع عافية الموظفين، وتآكل الحدود الفاصلة بين الدعم المؤسسي والتدخل الرقابي المفرط.
**اضغط على عنوان الفقرة بالأعلى لقراءتها كاملة مصحوبة بكل الروابط**
عافية الموظفين أصبحت صناعة قائمة بذاتها: عادة ما يبدأ الأمر في كثير من الأحيان في سياق سعي حقيقي لتحسين صحة الموظف، ولكن تتحول المسألة تدريجيا إلى برامج مهووسة بالإنتاجية، وتقوم على ادعاءات علمية كاذبة وتوقعات لا تتماشى مع الواقع. في الشركة الخالية التي يتناولها المقال، نرى ترويجا لأجهزة توسيع الأنف والعلاج بالضوء الأحمر وتحفيز العصب المبهم، وذلك على نحو يسلط الضوء على واقع حقيقي لسوق نشطة تتبنى فيها الشركات توجهات صحية حديثة دون سند علمي راسخ، ولكن بحماس مفرط. ومن المتوقع أن يؤدي استثمار الشركات الكبرى في صحة موظفيها إلى دفع سوق العافية الصحية الخاصة بالشركات إلى تحقيق نمو بقيمة تصل إلى 105 مليارات دولار بحلول عام 2030، وفقا لتقرير ذا أثليتيك.
هل تؤتي هذه البرامج ثمارها؟ 85% من كبرى الشركات الأمريكية توفر برامج عافية في مقراتها، ومع ذلك تستمر معدلات الإرهاق النفسي والاحتياج العاطفي — التي يفترض بهذه البرامج أن تعالجها — في الازدياد، بحسب هارفارد بزنس ريفيو. يعكس المقال تلك الحالة من خلال الغفلة التامة التي يعاني منها المدير الخيالي بخصوص فشل مبادرات العافية، والتي تواصل توسعها رغم الأدلة المتزايدة على محدودية فعاليتها، بل وربما أضرارها في بعض الحالات. فموظفو الشركة المتخيلة صاروا ينامون خلال الاجتماعات، ويتعرضون لإصابات بسبب أجهزة المشي المكتبية، ويعانون من سوء تغذية حاد نتيجة نصائح غذائية غير مدروسة، فيما يرجع المدير كل ذلك إلى “مشكلات طفيفة في البدايات”، ويراها دافعا لمزيد من خطط “التحسين”.
ما الفرق بين التنافس وبناء المجتمع؟ في كثير من الأحيان، تتحول مبادرات “بناء المجتمع” في بيئة العمل — والتي يفترض أن تعزز روح التعاون — إلى ساحة للتنافس غير الصحي داخل الشركة. من أمثلة هذا في المقال وصف المدير كيف أن موظفين انغمسا في منافسة حادة بشأن أوقات الاستيقاظ، وانتهى بهما الأمر إلى الامتناع عن النوم لثلاثة أيام كاملة. هذا المثال الكاريكاتوري يسلط الضوء على مفارقة البرامج التي تركز على المقاييس والنتائج، فتنقلب على غاياتها الأصلية وتضعف الروابط الجماعية بدلا من دعمها.
ما الذي يمكن للقادة أن يتعلموه من ذلك؟ يقدم مقال الإيكونوميست الساخر دروسا ثمينة عبر النماذج السلبية، على رأسها تحويل النهج المتبع من التدخلات الفردية — كالتطبيقات المعنية بالعافية وبوتات الدردشة المعززة بالذكاء الاصطناعي وبرامج إدارة التوتر — إلى تدخلات أكثر شمولا على مستوى المنظومة. لا بد من إدارة أعباء العمل وتدريب القادة على تعزيز الصحة النفسية، وكذلك خلق بيئة عمل أكثر توازنا.
النهج الموحد لا يصلح للجميع، وربما يؤدي لنتائج عكسية: ربما تبدو ممارسة اليوجا خلال استراحة الغداء فكرة رائعة نظريا، لكن تخصيص ساعة كاملة في منتصف اليوم ليس خيارا عمليا لمعظم الموظفين في المكاتب، وفق ديلان جومي التي عملت في الاستشارات مع جوجل وجي بي مورجان. الحلول المجدية هي تلك التي تنسجم مع وتيرة العمل الفعلية لا مع التصورات المثالية، مما يجعل العناية بالعافية النفسية والصحة الجسدية أمرا واقعيا ومريحا في آن واحد، بحسب جومي. كثير من الشركات تنفق أموالا طائلة على تجهيزات مثل مكاتب المشي، بينما يمكن تحقيق الأثر نفسه تقريبا من خلال توفير ضوء طبيعي وهواء نقي وبعض الفاكهة الطازجة، طبق تأكيد العميد التنفيذي لكلية بايز للأعمال أندريه سبايسر.
الدوافع هي الأساس: على كل مدير أن يتساءل: هل يستهدف دعم الموظفين فعلا، أم تحسين أدائهم فقط؟ إذا كانت صحة ورفاهية الموظف هي الأولوية، فإن الإنصات المباشر إلى احتياجاته وتطلعاته سيكون أكثر فعالية من فرض قرارات إدارية فوقية مثل أجهزة المشي المكتبي. المبادرات الأكثر تأثيرا في مجال العافية على مستوى المؤسسات ليست تلك التي تروج لأحدث الصيحات البيولوجية أو البرامج المعقدة، بل تلك التي تنبع من احترام حقيقي للإنسان.