الحكومة تتفاوض مع الولايات المتحدة لتخفيض التعريفة البالغة 10% على الصادرات المصرية من المناطق الصناعية المؤهلة — المعروفة بـ “كويز” — وكذلك المنتجات الخاضعة لرسم الدول الأولى بالرعاية، وفقا لما قاله يحيى الواثق بالله خلال ندوة نظمها المركز المصري للدراسات الاقتصادية أمس وحضرتها إنتربرايز. لكن تخفيف هذه الرسوم سيكون مرهونا بإزالة السلطات المصرية بعض المعوقات غير الجمركية، وذلك وفق ما جاء في المحادثات التي عقدت مؤخرا بين مسؤولي جهاز التمثيل التجاري في الولايات المتحدة ونظرائهم المصريين، بحسب الواثق بالله.
ما أهمية ذلك؟ إذا كانت نسبة الرسوم الجمركية البالغة الآن 10% هي ما تعادل “نسبة الصفر جمارك” السابقة، فإن خفض هذه النسبة إلى ما دون الـ 10% بالنسبة لصادرات مناطق الكويز أو الفئات المختارة الأخرى من الصادرات المصرية إلى الولايات المتحدة — ستكون بمثابة هدية للمصنعين في قطاعات محددة. ولن تقتصر الفائدة على المصنعين الحاليين فقط، بل إنها قد تمتد إلى جذب الاستثمار الأجنبي المباشر إلى السوق، نظرا إلى أن الشركات تسرع من أجل الحصول على أفضلية للنفاذ إلى السوق الأمريكية، بينما تتطلع أيضا للتنويع بعيدا عن الصين. (والسؤال الأهم هو: ما هي الدول الأخرى والكيانات التي سيعقد معها ترامب اتفاقيات لخفض الرسوم الجمركية إلى ما دون الـ 10%؟)
يتطلع الجانب الأمريكي، مقابل تخفيف الرسوم، إلى إزالة العديد من المعوقات غير الجمركية في قطاعات الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والشحن الجوي، بحسب الواثق بالله، الذي أوضح أن المسؤولين الأمريكيين ذكروا أيضا حظر استيراد تقاوي البطاطس وأجزاء الدواجن، وعدم السماح بنقل البيانات من المراكز المحلية إلى مراكز البيانات خارج البلاد (إذ إن سيادة البيانات من الموضوعات الساخنة في البلاد) وشهادة المنتجات الحلال. لكن “بعض هذه المعوقات لا تستطيع السلطات المصرية التنازل عنها بدافع الأمن القومي”، بحسب الواثق بالله.
أمام مصر حاليا فرصة كبيرة للاستفادة من اتفاقية المناطق الصناعية المؤهلة (الكويز) لتمكين صادراتها من النفاذ إلى السوق الأمريكية برسوم أقل من منافسيها، وفقا لما قاله الواثق بالله، مشيرا إلى أن توسيع مناطق الكويز جغرافيا مسألة لا يفضلها الجانب الأمريكي حاليا. يعني هذا أنه يمكن زيادة كمية المنتجات أو حتى إضافة منتجات جديدة، بما في ذلك الإلكترونيات أو المنتجات الجلدية أو غيرها، التي يمكن تصديرها ضمن نطاق اتفاقية الكويز، ما دامت تحتفظ بنسبة المكون الإسرائيلي في تلك المنتجات، والمنصوص عليه في الاتفاقية بنسبة 10.5%.
توقفت المفاوضات المصرية الأمريكية الإسرائيلية حول تقليص نسبة المكون الإسرائيلي في الصادرات المصرية إلى السوق الأمريكية بعد أحداث 7 أكتوبر 2023، وفقا لما كشفه الواثق بالله.
النقطة الإيجابية في تطبيق الرسوم الأمريكية الأخيرة أنها زادت من جاذبية الاستثمار في مصر، حيث تخضع صادراتها لأقل نسبة رسوم جمركية تفرضها الولايات المتحدة، وفقا لما قاله الواثق بالله، مضيفا أن مصر لديها فرصة ذهبية للاستفادة من الرسوم الأمريكية، لا سيما في قطاعات مثل الملابس الجاهزة والمنسوجات، التي تتجاوز نسب الرسوم الجمركية المفروضة على الدول المنافسة حاجز الـ 40%، ما يمنح الصادرات المصرية ميزة غير مسبوقة. وتستقبل وزارة الاستثمار وأجهزتها بالفعل مستثمرين من الصين وتركيا أسبوعيا لاستكشاف فرص الاستثمار في البلاد، سعيا منهم لتجديد فرص إعادة التصدير لأمريكا عبر التصنيع بمصر. ويعتقد الواثق بالله أن تحرك مصر سريعا قد يمكنها من جذب استثمارات إضافية تصل إلى 15 مليار دولار حسبما يعتقد الواثق بالله.
لكن الولايات المتحدة قد تلاحق المنتجين الصينيين في مصر: في مرحلة لاحقة قد تتجه الولايات المتحدة إلى تطبيق رسوم جمركية أعلى على وارداتها من مصر، إذا كانت هذه الواردات صُنعت عن طريق شركات ذات رؤوس أموال غير وطنية، مثل الاستثمارات التي تكون مصادر رؤوس أموالها صينية أو تركية، وفقا لما قاله رئيس مجلس إدارة جمعية المصدرين المصريين (إكسبو لينك) محمد قاسم. إذ تستهدف الولايات المتحدة من الرسوم الجمركية الأخيرة استعادة توطين الصناعات عالية القيمة على أراضيها، وإعادة تشكل خريطة التجارة العالمية من جديد بعد أن فقدت الهيمنة عليها، ومن ثم قد تواجه واشنطن الالتفاف على الرسوم عبر التحقق من رؤوس أموال الشركات المصدرة إليها.
فرصة مرتقبة: قد تمثل إعادة تشكيل نظام التجارة العالمي فرصة لمصر من أجل اتخاذ موضع لنفسها كمركز للصناعة والخدمات، وفق ما قاله رئيس قطاع البحوث في “إي إف جي” القابضة أحمد شمس الدين لإنتربرايز على هامش مؤتمر EFG Hermes One on One في دبي.
نحتاج إلى رؤية مزيد من مشاركة القطاع الخاص في الاقتصاد إذا أردنا تحقيق ذلك الهدف. يعني ذلك الحد من مزاحمة الجهات الفاعلة التابعة للدولة، بحسب شمس الدين، والمزيد من التنافسية من أجل تحقيق عائد أعلى على رأس المال. لا شك أن السياسات ذات أهمية كبيرة في هذا الشأن، وإذا تعاونت إدارة الرئيس السيسي مع القطاع الخاص، فقد تخرج مصر من هذه الأزمة أكثر قوة ورسوخا، حسبما أضاف.
حول اتفاقية الكويز: تسمح اتفاقية الكويز المبرمة بين مصر والولايات المتحدة وإسرائيل، ودخلت حيز التنفيذ في عام 2005، للبضائع المصنعة في مناطق مصرية معينة بدخول الولايات المتحدة بدون رسوم جمركية أو حصص بشرط أن تصل نسبة المكون الإسرائيلي فيها نحو 10.5%. وقد أبرمت الولايات المتحدة الاتفاقية — التي ساعدت مصر بشكل خاص في تعزيز صادراتها من المنسوجات والملابس إلى الولايات المتحدة — بهدف تعميق التعاون الإقليمي، وصُممت على غرار اتفاقية الكويز السابقة بين الولايات المتحدة والأردن، والتي ارتأت واشنطن أنها أداة لتحقيق السلام والتكامل الاقتصادي في المنطقة.
تعد التعريفات الجمركية للدول الأولى بالرعاية هي أدنى رسوم جمركية قياسية تطبقها دولة ما على أعضاء آخرين في منظمة التجارة العالمية — ما لم تكن هناك اتفاقية تجارية خاصة بين البلدين. وبرغم هذه التسمية التي ربما تبدو على غير حقيقتها، لا تتعلق التعريفات الجمركية للدول الأولى بالرعاية بمعاملة من نوع خاص، بل بمعاملة متسوِية. ولدى الولايات المتحدة قائمة طويلة من المنتجات التي تفرض عليها تعريفات جمركية، بدءا من ضريبة 2.5٪ على جميع سيارات الركاب، وصولا إلى الرسوم الجمركية البالغة 131.8٪ على الفول السوداني المقشر — وغيرها من المنتجات التي تفرض عليها رسوم جمركية تتراوح بين هاتين النسبتين.