ستواصل مصر الاعتماد على نظام سعر الصرف المرن ليكون خط دفاع أول ضد الصدمات العالمية، حسبما صرح نائب محافظ البنك المركزي المصري رامي أبو النجا، خلال كلمته أمام المستثمرين العالميين المجتمعين في دبي لحضور مؤتمر "EFG Hermes One on One".
سوق الصرف الأجنبي هي الآن بمثابة "أداة لامتصاص صدمات" للاقتصاد، مما يساعد على منع تراكم الاختلالات الهيكلية وعزل مصر عن التقلبات المشهودة على مستوى التجارة العالمية وعلى مستوى تدفقات رأس المال، بحسب أبو النجا. جاءت تصريحات أبو النجا ضمن حوار موسع حول السياسة النقدية والإصلاحات الجارية من جانب الحكومة.
يشارك في المؤتمر أكثر من 675 مؤسسة استثمارية ومديري صناديق استثمار، في الوقت الذي يستعد فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإعادة تشكيل النظام الاقتصادي العالمي. وستجتمع نحو 252 مؤسسة عالمية حتى يوم الخميس مع كبار المديرين التنفيذيين القادمين من أكثر من 220 شركة من عشرات الدول.
ليست ثمة إشارات حول القرار بشأن الفائدة الأسبوع المقبل: أشار أبو النجا إلى أن البنك المركزي سيخفض أسعار الفائدة عندما تمتلكه قناعة بأن التضخم لن يرتفع مرة أخرى. وفي حين أن المركزي المصري ملتزم بمستهدفه للتضخم البالغ 7% (± 2 نقطة مئوية) بحلول الربع الرابع من عام 2026، فإن الاضطرابات التي تسبب بها ترامب تضيف حالة من عدم اليقين إلى العوامل التي ستنظر فيها لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي خلال اجتماعها المقرر يوم الخميس 17 أبريل لمناقشة أسعار الفائدة. إذ لا يريد البنك المركزي حدوث تحولات "مضطربة" في السياسة النقدية إذا اتجه إلى الخفض المبكر.
أبرز ما جاء في تصريحات أبو النجا -
- يعمل سعر الصرف المرن في مصر الآن بمثابة أداة امتصاص صدمات مدمجة — وتراجع الجنيه مقابل الدولار هذا الأسبوع أمر صحي ودليل على أن البنك المركزي لا يدافع عن العملة.
- لم تعد سياسة سعر الصرف أداة لإدارة الأزمات. إذ إن وجود سعر صرف مرن سيسمح لنا بتجنب تراكم الاختلالات مثل تلك التي ابتلي بها نظام الصرف الأجنبي خلال العقد الماضي.
- إذا استمرت حالة عدم اليقين العالمي لبعض الوقت، فإن أفضل طريقة لمصر للتعامل مع الصدمات الخارجية هي الاستمرار في الإصلاحات الاقتصادية ونظام سعر الصرف والسياسة النقدية المرنين.
- تخفيضات أسعار الفائدة مطروحة على الطاولة شريطة أن يكون البنك المركزي مقتنعا باستمرار تراجع التضخم واستقرار الصورة الخلفية للاقتصاد الكلي.
- برنامج الإصلاح المصري أصبح مؤسسيا بدرجة كبيرة بما يمنع التحولات قصيرة الأجل في السياسة النقدية.
- أعادت صفقة رأس الحكمة الضخمة مع الإمارات صياغة الطريقة التي تنظر بها الحكومة إلى الاستثمار الأجنبي المباشر للمساعدة في تسييل الاستثمارات وإضافة قيمة مضافة إليها.
- صافي الأصول الأجنبية والاحتياطيات قوية: تحول صافي الأصول الأجنبية لمصر من عجز بقيمة 29 مليار دولار قبل عام إلى فائض قدره 10 مليارات دولار؛ وارتفع الاحتياطي النقدي إلى 47.8 مليار دولار.
- التنويع هو الأهم: تسعى مصر إلى تعميق الاندماج مع مجموعة أوسع من الشركاء التجاريين بعيدا عن الولايات المتحدة.
مقتطفات مختارة من تصريحات أبو النجا على المنصة (جرى تحريرها قليلا للتوضيح):
ثمة "نظام عالمي جديد" يأخذ في التشكل مما سيحمل بلا أدنى شك تداعيات واسعة النطاق، ومن الطبيعي أن يصاحب ذلك توتر وعدم يقين. يتمثل السبيل الوحيد للمضي قدما في أن نكون مستعدين جيدا ومحميين بالسياسات الصحيحة. فلا يمكنك التحكم في الوقت الذي تقع فيه أزمة خارجية، لذا فإنه من الأهمية بمكان الاستعداد الجيد عندما تقع الأزمة. تقع مصر وسط منطقة قابلة للاشتعال. وقد تعلمنا أننا بحاجة إلى تبني سياسات تمنحنا أدوات تمتص الصدمات كي نحد من الأضرار الناجمة عن الأحداث الخارجية.
ولعل أفضل تشبيه لما يحدث الآن، هو ما حدث عندما تفشت الجائحة: إنه أمر لم يشهده أحد منا في التاريخ الحديث. فمن أجل هذا ينصب تركيزنا على الحفاظ على السياسات التي تضمن استمرار قابليتنا للاستثمار، وتجنبنا إجراء تغييرات مُنفّرة في السياسات لن يرحب بها السوق. يتعلق الأمر بالمضي قدما مع تبني السياسات الصحيحة.
لقد شرعنا في برنامج الإصلاح بكثير من الاقتناع، ويتملكنا اعتقاد راسخ بأن الطريقة الوحيدة لتحصين أنفسنا ضد ما يحدث هي الاستمرار في المسار الصحيح. لا شك أن هناك مخاطر على النمو العالمي. وهناك خطر حدوث المزيد من التضخم — على الصعيد العالمي. وليست مصر بمنأى عن ذلك. وبالطبع، من شأن تباطؤ أنماط التجارة العالمية، أو التغيرات التي تطرأ عليها، أن تؤثر على إيرادات قناة السويس.
قد تتأثر شهية المستثمرين أيضا، غير أني على اعتقاد بأن الحقيقة التي تقول إن مصر تواصل الإصلاح منذ وقت طويل — وأن أداءنا الاقتصادي يتحسن — تحمل أهمية كبيرة. من المهم مواصلة حزمة الإصلاح الاقتصادي التي ننفذها، من أجل المحافظة على وجودنا على رادار المستثمرين، سواء كانت استثمارات أجنبية مباشرة أو استثمارات لمستثمري المحافظ المالية.
سياستنا الخاصة بسعر الصرف ليست تعويما مدارا. تتفاعل بعض البلدان مع الرسوم الجمركية بتخفيض قيمة العملة، ولكننا لا نستيقظ كل صباح ونقول "سنستخدم سعر الصرف كأداة". لدينا سياسة مرنة أصبحت راسخة بعمق في الاقتصاد. وببساطة: لقد تموضع الاقتصاد بطريقة تسمح لسوق العملات الأجنبية بأن تكون بمثابة أداة لامتصاص الصدمات.
شهدنا تحرك بعض التدفقات الرأسمالية إلى الخارج (بين ليلة الأحد والاثنين)، وكان ذلك غير مفاجئ بالنظر إلى حالة عدم اليقين العالمية التي لا تزال قائمة. ولكن اقتصادنا الآن في وضع يسمح له بالتكيف لحظيا.
لقد رأينا كيف كانت موجة البيع بالأسواق بالأمس، وردة فعل سوق العملات الأجنبية تسمح لنا بتجنب تراكم الاختلالات الهيكلية التي عانينا منها سابقا. فذلك النوع من المرونة في سوق العملات الأجنبية مهم، وما نراه الآن صحيا للغاية ومستداما للغاية. الأمر يتعلق بعدم التضرر لأكثر من مرة في المستقبل.
السوق تتكيف وتستجيب لديناميكيات لحظية دون تدخل من البنك المركزي — ولا نرى أي ميزة في التدخل. صحيح أنني لا أضع السياسة التجارية، ولكن في اعتقادي لن يكون فرض تعريفات جمركية انتقامية أحد الخيارات المطروحة على الطاولة. فمن المهم أن نضع الأمور في نصابها الصحيح. تمثل تجارة مصر مع الولايات المتحدة نحو 7% من إجمالي حجم التبادل التجاري بالنسبة لنا، إذ تبلغ صادراتنا للأسواق الأمريكية نحو 5.5% من إجمالي الصادرات، فيما تمثل وارداتنا من الولايات المتحدة نحو 11% من إجمالي الواردات.
من الناحية الإستراتيجية، من الأهمية بمكان المحافظة على قنوات مفتوحة مع شركائنا التجاريين الرئيسيين، وبكل وضوح تعد الولايات المتحدة واحدة منهم. فمن وجهة نظر كلية، نحن بحاجة إلى الضغط من أجل مزيد من الاندماج مع مجموعة متنوعة من الكتل الاقتصادية. ويدعم موقعنا الجغرافي قدرتنا على المضي في بذلك، وهناك مصلحة راسخة لدى اللاعبين الإقليميين الآخرين وبين اللاعبين العالميين في الانخراط مع مصر.
لقد ركز البنك المركزي والحكومة على إضفاء الطابع المؤسسي على سياسات الإصلاح وحمايتها من التغيير، كي لا تكون عرضة للتغيرات المؤقتة التي تطرأ على الرؤى. تعرضنا للاختبار أكثر من مرة في العام الماضي، وكانت السوق تراقب ردة فعلنا. لقد أثبتنا أننا نحافظ على المسار الصحيح. ومرة أخرى، كان المهم هنا هو السماح للعملة بأن تكون أداة لامتصاص الصدمات بدلا من أن تكون بمثابة شيء يضخم تأثير الأحداث التي تتكشف من حولنا. ولو لم نتبع هذا النوع من السياسات، ونبني أدوات الامتصاص الصدمات هذه، لما كنا نتحدث بهذه الثقة الكبيرة عن استدامة سياساتنا.
لقد نظرنا إلى نقاط الضعف في صافي الأصول الأجنبية، وفي الدين الخارجي، وفي سياسة الاستدامة، ثم شرعنا في معالجة ذلك. فقد تحول من عجز بقيمة 29 مليار دولار إلى فائض قدره 10 مليارات دولار. وفي الوقت نفسه، شهدنا نمو الاحتياطي النقدي إلى أكثر من 47 مليار دولار من 35 مليار دولار قبل عام. وانخفض الدين الخارجي إلى ما يزيد قليلا على 155 مليار دولار من 168 مليار دولار.
وفيما يتعلق بمسألة تسييل الأصول، أثبتت مصر على مدار العقد الماضي أنها قادرة على التوجه إلى أسواق الدين لتلبية احتياجاتها التمويلية. بيد أننا قادرون في حقيقة الأمر على أن نفعل أكثر من ذلك بكثير، لا سيما على صعيد الاستثمار الأجنبي المباشر، حيث تبدو الأرقام أقل بكثير مما يمكن أن تكون عليه.
لقد حدثت نقلة نوعية في طريقة تفكيرنا في هذا الأمر. فلدى الأطراف المعنية على جميع المستويات قناعة بأن الاستثمار الأجنبي المباشر يمكن أن يطلق إمكانات كبيرة — ولا يتعلق ذلك بالأموال التي ستأتي فحسب. بل يمتد أيضا إلى جذب القطاع الخاص، وتحسين الحوكمة، وتحسين المنفعة الهامشية للأصول، وإضافة قيمة في هذه العملية.
ومن هذا المنطلق، كانت صفقة رأس الحكمة تاريخية، إذ مهدت الطريق لصفقات أخرى في مختلف القطاعات. ومن الواضح أن أهمية تلك الصفقة كانت كبيرة جدا، ولكن الأهم من ذلك هو مقدار الاهتمام الذي حظيت به الصفقة على مختلف المستويات الحكومية ومستويات الأطراف المعنية. فهي تؤسس سابقة مفادها أننا قادرون على إطلاق الكثير من الإمكانات في الأصول في مختلف القطاعات التي يمكن أن تبرز إلى السطح، وتتحقق بطريقة لا تتراكم فيها الديون. وهذا سيسمح لنا المضي قدما في برنامج إصلاح قوي دون تراكم ديون جديدة.
نشهد اليوم فصلا جديدا في تاريخ مصر، يأخذ فيه الاستثمار الأجنبي المباشر منعطفا جديدا — إذ تخلق الحكومة بيئة صديقة للمستثمرين تجذب المستثمرين المحليين والدوليين الذين يرغبون في الاستفادة من هذا النوع من الإمكانات الكبيرة التي تمتلكها مصر.
ستظل مصر لاعبا في أسواق الدين العالمية، بكل تأكيد. ولكننا سنشهد مزيجا من الاستثمار الأجنبي المباشر والديون التي ستُجمع من خلال مجموعة متنوعة من الأدوات، وأعتقد أن القروض الميسرة والتمويل الميسر من شركائنا في التنمية سيمثل دائما ركنا أساسيا في هذا المزيج.
هل لا تزال مصر تتطلع إلى جمع ملياري دولار من برنامج تسييل الأصول؟ لقد أعدنا تشكيل البرنامج. من الواضح أن الظروف التي ناقشنا فيها البرنامج مع صندوق النقد الدولي قبل عامين كانت في بيئة وعالم مختلفين تماما عما نراه اليوم. ولكن هناك اعتقادا متبادلا بأننا نستطيع تحقيق جميع أهدافنا، بما في ذلك مستهدف الاستثمار الأجنبي المباشر. لدينا مراجعة خامسة قادمة، وكان صندوق النقد الدولي متفهما جدا أننا نمر بظروف عالمية فريدة من نوعها.
ومن الواضح أن إقبال المستثمرين على المدى القصير سيكون عاملا مؤثرا، وسيتأثر بالمشاعر العالمية. ستقدم مصر نفسها بوصفها بيئة استثمارية ملموسة للغاية للمستثمرين.
انظروا إلى ما يحدث على مستوى الإصلاح الهيكلي، مثلا في ظل تركيز الحكومة على السياسات الضريبية. إنه تصميم على التغيير، وليس مجرد تصورات، بل وتقديم تجربة جديدة. صحيح أنها تستهدف توسيع القاعدة الضريبية، لكنها تحرض أيضا على تسهيل الأعمال. وبالطبع، نريد أن نحقق تكافؤ الفرص ونرى المزيد من دمج القطاع الخاص في الاقتصاد.
هل سيكون هناك تحويل للودائع السعودية أو الكويتية أو القطرية لدى مصر لدعم الاستثمارات؟ ليس لدي أية معلومات لأشاركها حول الصفقات المحتملة أو الصفقات قيد الإعداد، لكنني أعتقد أن المهم هو حرص الحكومة الشديد، ولدينا وزارة استثمار تتخذ خطوات واسعة لتحسين بيئة الاستثمار بشكل عام. الرسالة التي استخلصها الجميع من صفقة رأس الحكمة هي أنه ينبغي لنا السعي للحصول على استثمارات إضافية في الأصول المحلية، ليس فقط من أجل قيمتها النقدية، ولكن أيضا لإطلاق حوكمة وممارسات أفضل لتلك الأصول في مختلف القطاعات. ولم تُحدد بعد آلية ومزيج هذه الاستثمارات.
يمثل التضخم جوهر كل ما نفعله في البنك المركزي، إذ تتمثل مهمتنا في حساسية الأسعار. الرسالة واضحة، وهي أننا سنبذل قصارى جهدنا لخفض التضخم الذي ارتفع سابقا إلى مستويات غير مسبوقة. لقد استخدمنا سياسات تقليدية وغير تقليدية للحد من التضخم، وبدأنا نرى ثمار ذلك — فقد جاءت بيانات التضخم لشهر فبراير متراجعة على نحو مفاجئ، ونرى أن التضخم يواصل اتجاهه نحو الانخفاض بشكل عام.
لا يزال الوصول بالتضخم إلى 7% (± 200 نقطة أساس) هو هدفنا للربع الأخير من عام 2026. ولكن عند دراسة ديناميكيات التضخم، فإننا نفعل ذلك على أساس مسبق، وليس لاحق. نريد التأكد من وجود احتياطي كاف لضمان استمرار انخفاض التضخم مستقبلا.
يجب أن يُخفّض سعر الفائدة التضخم على المدى المتوسط. لا شيء يمنعنا من ذلك سوى رؤية المزيد من البيانات والأرقام التي قد تشير إلى ضرورة تغيير هذا الموقف. هناك المزيد من حالة عدم اليقين الآن، مما سيؤثر على الاجتماع القادم، الذي سيعقد بعد أسبوعين تقريبا. في نهاية المطاف، هذا قرار يتخذ بشكل جماعي عن طريق الأعضاء المستقلين وأعضاء مجلس إدارة البنك المركزي.
الأمر المهم هو أنه من أجل اتخاذ قرار ببدء تخفيف السياسة النقدية، يجب أن تتملكنا قناعة بأن أي موقف نتخذه قابل للاستمرار ولن يلغ أو يعلق نتيجة للأحداث الأخيرة. نهدف إلى رؤية وتيرة معتدلة للتيسير النقدي، بدلا من اتخاذ خطوات حادة قد تُربك السوق. سنكون في غاية اليقظة في هذا الشأن بينما نتعامل مع هذا النظام العالمي الجديد.