👶🏻 أين إنترنت الأطفال؟ في أواخر التسعينات وبداية الألفينات، كانت شبكة الإنترنت تعج بالمجتمعات الرقمية والمنصات الإلكترونية المصممة خصيصا للأطفال، مثل كلوب بينجوين وميني كليب ورون سكيب وغيرها – والتي كانت أكثر رواجا خارج مصر. قدمت تلك المنصات عوالم افتراضية فتحت المجال أمام ملايين الأطفال للتجول واللعب والتواصل في بيئات رقمية خاضعة لإشراف دقيق. لكن هذه الخدمات لم تعد متوفرة في المشهد الرقمي الحالي، الذي أصبح يفتقر تدريجيا إلى المساحات التي تتيح للأطفال التفاعل والإبداع والتواصل في أجواء آمنة تحميهم من المحتوى غير المناسب أو السلوكيات المؤذية.
**اضغط على عنوان الفقرة بالأعلى لقراءتها كاملة مصحوبة بكل الروابط**
من مبادرات شغوفة إلى منصات ربحية: العديد من المساحات الإلكترونية التي كانت مفضلة لدى الأطفال بدأت كمبادرات مستقلة نابعة من الشغف أو مشروعات تعليمية. وعلى الرغم من أن معظمها تبنى لاحقا نماذج ربحية – مثل الاشتراكات المدفوعة أو العملات الافتراضية، فإن تركيزها الأساسي ظل منصبا على تقديم تجربة ممتعة وآمنة للأطفال.
عندما بدأت شركات ضخمة مثل ديزني وكرتون نتورك وماتيل في إنشاء “ملاعبها الافتراضية” الخاصة، كانت مواقعها الإلكترونية تزخر بالألعاب والأنشطة المجانية المستوحاة من شخصياتها الشهيرة وعوالمها المحبوبة. حتى الشركات غير الترفيهية التي تستهدف الأطفال حرصت على بناء حضور تفاعلي على الإنترنت، مثل العلامات التجارية المتخصصة في الكورن فليكس والوجبات السريعة والألعاب، والتي سعت إلى توسيع علاقتها بجمهورها من الأطفال خارج حدود وسائل الإعلام التقليدية. ولم تكن هذه المبادرات مجرد أدوات ترويجية سطحية، بل كانت تجارب رقمية متكاملة.
لكن كيف تحولت هذه المساحات الرقمية من مناجم ذهب إلى أعباء مالية؟ تشير معظم المؤشرات إلى أن التحول الجذري في بنية الاقتصاد الرقمي وطريقة استثمار انتباه الأطفال كان العامل الأساسي في هذا التراجع. ففي عصر المواقع الإلكترونية المخصصة، كان الطفل يقضي ساعات طويلة في التفاعل مع منصة واحدة ذات محتوى متسق، مما يسهل على الشركات إقناع أولياء الأمور بالاشتراك في خدمات مدفوعة أو شراء عملات افتراضية. آنذاك، كان عدد الإعلانات أو الشراكات التجارية التي يتعرض لها الطفل محدودا للغاية، وفي إطار بيئة رقمية منضبطة بدقة.
تحول الإنترنت اليوم إلى مركز تجاري ضخم، فالشخص الذي يستخدم تطبيق تيك توك أو يوتيوب – كما كان يفعل سابقا على موقع إلكتروني مخصص للأطفال – سيواجه كما هائلا من الإعلانات، فضلا عن حملات الترويج التي يقودها المؤثرون، إلى جانب عرض المنتجات سواء بشكل مباشر أو ضمن سياق المحتوى. وقد كشفت الدراسات أن الفرد يتعرض في عصرنا الحالي إلى متوسط 10 آلاف إعلان يوميا. الوضع الحالي يعكسه تصريح أطلقته الرئيسة التنفيذية لشركة سوني في عام 2014، خلال إغلاق أحد المواقع الإلكترونية الشهيرة التابعة لها، حين قالت إنه ” لا مزيد من ألعاب الأطفال، فهم ليسوا مصدرا جيدا للأرباح “. وبدلا من إنشاء ساحات لعب رقمية متكاملة والإشراف عليها، أصبحت الشركات تفضل الدفع لصناع المحتوى البارزين ليعرضوا منتجاتها أمام ملايين المتابعين.
ما الذي فقدناه؟ نتيجة لهذا النموذج التجاري القائم على الربحية، اختفت المساحات الرقمية المصممة للأطفال، والتي كانت تهتم باللعب والإبداع والتفاعل الاجتماعي الملائم لأعمارهم، بعيدا عن منطق الاستهلاك والمبيعات. لم يعد بإمكان الأطفال تعلم مهارات التفاعل الرقمي داخل بيئات آمنة مصممة لحمايتهم وتلبية احتياجاتهم للنمو، ولا التعبير عن أنفسهم ضمن أنظمة رقمية منظمة. كما تراجعت مستويات الثقافة الرقمية، فلم يعد الأطفال يكتسبون فهما عميقا لطبيعة التفاعل عبر الإنترنت أو مبادئ المواطنة الرقمية، في ظل غياب المساحات التي تمكنهم من ذلك.
الحظر ليس الحل: بدلا من تقييد وصول الأطفال إلى الإنترنت – وهو النهج الذي يتبعه عدد متزايد من الهيئات التشريعية في دول العالم، قد يكون الأجدى أن نعيد تصور مساحات رقمية مخصصة تتناسب فعليا مع احتياجات الجيل الجديد من المستخدمين الصغار. وكما تشير مبادئ “سلامة التصميم” التي وضعتها مفوضية السلامة الإلكترونية في أستراليا، لا تتحقق الحماية الأكثر فعالية من خلال منع الأطفال من استخدام الإنترنت، بل عبر تصميم بيئات رقمية آمنة ومدروسة تراعي احتياجاتهم النفسية والاجتماعية وتدعم مراحل نموهم.
ماذا نفعل؟ جمعنا لكم في عدد سابق من دليل إنتربرايز مجموعة من الأدوات العملية التي يمكن أن تساعد في بناء علاقة صحية بين الأطفال والتكنولوجيا، وتوجيههم نحو استخدام واع وآمن للعالم الرقمي.