تراجع سعر صرف الجنيه أمام الدولار بنسبة تزيد قليلا على 1% خلال تعاملات أمس، فقد ارتفع الدولار بأكثر من 50 قرشا مقابل الجنيه في البنوك الحكومية والخاصة. وأدى هذا الهبوط إلى تجاوز سعر صرف الدولار حاجز الـ 51 جنيها، لتهبط العملة المحلية إلى أدنى مستوى لها منذ التعويم في مارس من العام الماضي. وجاء هذا الانخفاض وسط حالة من عدم اليقين على مستوى العالم بعد دخول الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حيز التنفيذ خلال عطلة نهاية الأسبوع، والتي أحدثت صدمة في الأسواق العالمية.

شهد أمس تخارج عدد كبير من المستثمرين الأجانب من أدوات الدين المحلية، وهو ما أرجعه الخبير المصرفي محمد عبد العال في تصريحات لإنتربرايز إلى حالة عدم اليقين التي سببها إعلان الرسوم الجمركية الأمريكية. وأيدته في ذلك محللة الاقتصاد الكلي في شركة الأهلي فاروس إسراء أحمد، التي قالت لإنتربرايز إن حالة عدم اليقين بشأن الرسوم الجمركية "دفعت المستثمرين إلى الخروج من بعض الأسواق ذات المخاطر العالية والانسحاب من أدوات الدين المحلية والأجنبية". وأضافت أن العائد على السندات المصرية المقومة بالدولار ارتفع بأكثر من 1% في تعاملات 4 أبريل مقارنة بمستويات نهاية مارس.

بلغ حجم معاملات سوق ما بين البنوك في مصر (الإنتربنك) أمس 1.1 مليار دولار، وهي قفزة كبيرة مقارنة بحجم التداول اليومي المعتاد الذي يتراوح بين 150 و250 مليون دولار، وفقا لما ذكره مصرفيون تحدثوا إلى موقع اقتصاد الشرق بشرط عدم الكشف عن أسمائهم. وعزت المصادر هذه القفزة إلى موجة بيعية من جانب المستثمرين الأجانب.

كما تصاعدت الضغوط على احتياطي البلاد من الدولار، في ظل مساعي الحكومة للاستفادة من الانخفاض الحاد في أسعار السلع الأساسية العالمية — بما في ذلك النفط — من خلال تأمين عقود استراتيجية، حسبما صرح مصدر حكومي لإنتربرايز. وأضاف المصدر أن هذا الأمر سيكون مفيدا على المدى الطويل، إذ إن التحرك لبناء مخزون استراتيجي من السلع من شأنه أن يساعد في حماية الموازنة العامة من تقلبات الأسعار في المستقبل.

تراجع الطلب أيضا على أذون الخزانة المصرية، إذ لم يتمكن البنك المركزي المصري أمس إلا من جذب 8.7% من الـ 70 مليار جنيه التي استهدف جمعها من إصداري أذون خزانة لأجل ثلاثة وتسعة أشهر، وفقا لبيانات البنك المركزي المصري. وطلب المستثمرون عوائد أعلى بعدة نقاط مئوية مما كان البنك المركزي عازما على قبوله.

في السياق - كانت التقلبات هي المهيمنة في أسواق العملات الأجنبية في الأشهر الأخيرة، وهو ما يرجع إلى حد كبير إلى محادثات ترامب بشأن الرسوم الجمركية. خسر الدولار الأمريكي بعضا من قوته في الأيام الأخيرة مقابل العملات الرئيسية، بما في ذلك اليورو والين الياباني والدولار الكندي والجنيه الإسترليني. وكان الوضع متباينا بالنسبة لعملات الأسواق الناشئة، حيث ارتفع الروبيه الهندي واستقر البيزو المكسيكي، بينما باعت نيجيريا من احتياطياتها الدولارية لدعم عملتها وسط حالة من عدم اليقين.

لم يكن أي من المحللين الذين تحدثنا معهم أمس على استعداد لتوقع اتجاه الجنيه. وصرح الخبير الاقتصادي هاني أبو الفتوح لإنتربرايز أمس أن تراجع الجنيه قد يكون "أداة ضرورية" لجعل المستثمرين يفكرون مرتين قبل تصفية مراكزهم في مصر والخروج من السوق. ومن ناحية أخرى، من شأن تراجع العملة المحلية أن يحمل تأثيرا تضخميا كبيرا يجب مواجهته من خلال "تدابير حماية اجتماعية فعالة وقوية لتخفيف العبء الثقيل على المواطنين"، وفق أبو الفتوح.

والبعض الآخر يعتقد أن المستثمرين الأجانب قد يعودون قريبا إلى الأسواق الناشئة مثل مصر "بعد فترة تقييم"، خاصة إذا ظلت الأساسيات الاقتصادية قوية نسبيا، بحسب ما قالته الخبيرة الاقتصادية منى بدير لإنتربرايز. وأوضحت أن "ميزة مصر الحالية تتمثل في العائد المرتفع على أدوات الدين، حتى مع الخفض المتوقع لسعر الفائدة والمرونة المتوقعة في سعر الصرف، إلى جانب مسار الإصلاح المستقر نسبيا".

بيت القصيد: ما يهم هنا أن نعرف أن الأيام المقبلة ستشهد تقلبات — وأن سبب التحرك "المنطقي" المشهود في سعر الصرف يبدو واضحا أمام أعيننا. سيطمئن مراقبو السوق إلى عدم تدخل صناع السياسة النقدية — أولا إذا ظلت سوق ما بين البنوك سائلة، وثانيا إذا كانت حركة سعر الصرف منطقية. بيد أن ما يثير القلق بدرجة أكبر من تراجع الجنيه المصري أمام الدولار ببضع نقاط مئوية، هو أن نعود إلى تثبيت سعر الصرف بشكل فعال في وقت الاضطراب.

العلامات: