? لعنة الوفرة: في حياتنا اليومية نتعرض إلى عدد لا متناهي من الخيارات المتنوعة، بداية من محتوى البث الرقمي وحتى ممرات السوبرماركت المليئة بتشكيلات متنوعة من المنتج ذاته. تتصف الحياة المعاصرة بخيارات لا محدودة، تسوق إلى المستهلكين على أنها تكليل لحرية أكبر في الاختيار، ولكنها غالبا تعيق قدرتنا على اتخاذ القرارات، فهل تجعل الوفرة حياتنا أسهل حقا؟، وفق ما طرحته ذا نيويوركر في حلقتها النقاشية الأسبوعية بعنوان "آراء نقدية حرة".

**اضغط على عنوان الفقرة بالأعلى لقراءتها كاملة مصحوبة بكل الروابط**

معضلة الاختيار: "يحل الليل وأنا جالسة في منزلي أمام نتفليكس مشدوهة أفكر بحيرة: ماذا سأشاهد من كل هذه الأفلام الوثائقية الجديدة الرهيبة التي تتناول جرائم قتل مختلفة؟"، حسبما تقول الكاتبة في نيويورك تايمز نعومي فراي. نتشارك جميعا هذا الشعور في حياتنا اليومية بشكل أو بأخر، إذ يشارك ليا كانينجهام الصحفي الزميل لفراي تجربته مع اختيار خطة تأمين صحية لطفله الجديد، التي كانت تجربة صعبة شملت باقات عديدة لم يستطع فهم الفروقات بينها.

العلاقة بين الاختيار والحرية مستحدثة، إذ يتتبع كتاب The Age of Choice للكاتبة والمؤرخة الأمريكية صوفيا روزنفيلد تشابكات هذين المفهومين منذ أول ظهور لهما في المزادات التي اشتهرت بها لندن في القرن الثامن عشر. أدى ازدهار هذه المزادات إلى خلق تجربة تسوق غير مسبوقة عبر عرض سلع مختارة بعناية في كتيبات (الكتالوج) يطلع عليها المزايدون قبل المزاد، ما يسمح للمشترين بإلقاء نظرة فاحصة قبل اتخاذ قرار الشراء. كان هذا بمثابة التحول الجذري الذي شهدته ثقافة الاستهلاك، التي تطورت مع ظهور المولات التجارية الحديثة، ومتاجر الإنترنت الكثيرة للغاية التي تأخذ العقول على شاشات هواتفنا.

وفي ظل هذه الوفرة الهائلة، تظل الخيارات المجدية أكثر محدودية مما نظن: الدور الذي يمارسه المستهلك والذي يحتم عليه اتخاذ قرارات بصفة مستمرة، هو بالأساس دور فرضته قوى السوق عليه فرضا، إذ تحدد الخوارزميات على منصات التواصل الاجتماعي ومنصات البث الرقمي وغيرها المحتوى الذي نراه ونتفاعل معه، مما يخلق شعورا وهميا بحرية التصفح، بينما نحن في الحقيقة نختار من مجموعة خيارات محددة لنا سابقا.

تقنين الحرية هو الحل؟ إن كانت هذه الحرية التي يشعر بها المرء مزيفة ومحض وهم تفرضه الرأسمالية عليه، فلا عجب أن يتجه الكثيرون الآن نحو تقييد خياراتهم عمدا ليتخلصوا من إرهاق اتخاذ القرارات. ويتأتى هذا عبر إجراءات بسيطة تغير من تجربتهم اليومية تماما. فمثلا يلجأ البعض إلى منصة البث الرقمية " كرايتريون 24/7 " التي تختار الأفلام عشوائيا وتعرضها دون أي تدخل من المستخدم — فيما يشبه تجربة مشاهدة التلفاز التقليدية. كما يشترك البعض في خدمات صناديق الطعام، التي توصل الطعام وفق تفضيلات المستخدم بشكل عام، دون أن تمنحه فرصة اختيار كل صنف على حدة. كذلك يساعد التجول بلا تخطيط مسبق على تبني نهج أكثر عفوية بدلا من الوقوع في هوس التخطيط واتخاذ القرارات باستمرار.

هذا التخلي عن الخيارات الهائلة يشير إلى شغف أعمق ورغبة أصدق في التواصل البشري، في ظل عصر يحدده الاستهلاك الفردي. فعندما تتلخص كل أفعال الفرد في حلقة مستمرة من عملية تحديد الخيارات المفضلة، فإنه بذلك يركز على ذاته أكثر فأكثر، لينتهي به المطاف إلى الشعور بالوحدة، حسبما يرى كانينجهام.