? قطاع التكنولوجيا يشهد أعمق تحولاته منذ صعود الإنترنت التجاري في تسعينات القرن الماضي. وكما أعادت الشركات بناء أنظمتها بالكامل لاستيعاب طفرة الإنترنت وفقاعة الـ "دوت كوم"، فإنها الآن تعيد هيكلة بنيتها التحتية للحوسبة بشكل جذري — بداية من أصغر المكونات حتى مزارع الخوادم الضخمة — لتلبية متطلبات الذكاء الاصطناعي غير المسبوقة، التي قد يصعب مع الأسف تلبيتها في نهاية الأمر.

**اضغط على عنوان الفقرة بالأعلى لقراءتها كاملة مصحوبة بكل الروابط**

عصر الهارد وير المتخصص: في خضم هذا التحول العميق في الحوسبة ومكوناتها، تتجه الشركات نحو الأجهزة المتخصصة. فوحدات معالجة الرسومات (جي بي يو) المصممة بالأساس لألعاب الفيديو، أصبحت هي حجر الأساس في تطوير الذكاء الاصطناعي. وبعكس وحدات المعالجة المركزية التقليدية (سي بي يو) التي تجري العمليات الحسابية بالتتابع، تستطيع وحدات معالجة الرسومات إجراء آلاف العمليات الحسابية في وقت واحد، ما يجعلها خيارا مثاليا للمتطلبات الرياضياتية الخاصة بالشبكات العصبية المسؤولة عن تشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي الحالية.

السباق حول أدوات الذكاء الاصطناعي الأقوى لا يعني شرائح مختلفة فحسب، بل هياكل جديدة كليا لمراكز البيانات المعتادة: تتوسع الشركات حاليا في وحدات معالجة الرسومات بكثافة أكبر من ذي قبل، وتزيد من تخصصها من خلال تزويدها بكابلات وأجهزة مصممة لتسريع تدفق البيانات بين الشرائح، فيما يشبه جهاز حاسوب كبير وضخم بحجم مركز بيانات عملاق، وفقا لما قالته نائبة رئيس مركز البيانات في شركة ميتا راشيل بيترسون. في عام 2022، عملت ميتا على إنشاء مراكز بيانات مخصصة لتدريب الذكاء الاصطناعي، وفي 2023، أنفقت نحو 4.2 مليار دولار على عمليات إعادة الهيكلة، وخصص من هذا المبلغ جزء كبير لإعادة تصميم مراكز البيانات القديمة بما يتوافق مع متطلبات الذكاء الاصطناعي.

التحدي الأكبر: يمثل تأمين ما يكفي من الكهرباء لتشغيل هذه الحواسيب العملاقة التحدي الأكثر إلحاحا الذي يواجه الصناعة، حيث تستهلك مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي طاقة تفوق بكثير نظيراتها التقليدية — فمثلا، تحتاج وحدة المعالجة المركزية التقليدية إلى نحو 250 إلى 500 وات من الكهرباء، وفي المقابل تستهلك وحدة معالجة الرسومات ما يصل إلى 1000 وات. وبعد أن كانت الـ 5 ميجاوات قادرة على تشغيل مركز بيانات كامل، أصبحت تشغل الآن بالكاد 8 إلى 10 صفوف أجهزة حاسوب مدعومة بوحدات معالجة الرسومات. من أجل مزيد من إيضاح الصورة، من المتوقع أن تستهلك مرافق "أوبن أيه أي" المخطط لها كمية كهرباء تعادل استخدام 3 ملايين منزل.

تحولات جذرية: تغير الاهتمام من تطوير رقائق متطورة إلى البحث عن مصادر للطاقة الكهربائية تستوعب كل هذا الإنتاج الضخم، حسبما يشير الشريك التشغيلي في شركة راديكال فينتشرز للاستثمار ديفيد كاتز. ويبدو أن العديد من شركات التك تحاول التحوط من مخاوف قلة الطاقة — إذ إن شركة مايكروسوفت الداعمة لـ"أوبن أيه أي" تعيد حاليا تشغيل محطة ثري مايل آيلاند النووية، فيما يركب إيلون ماسك توربينات غازية لمركز بيانات تابع لـ"إكس أيه أي". وإلى جانب ذلك، يدرس كل من جوجل وأمازون بشكل منفصل تقنيات المفاعلات النووية.

أدت الحرارة الهائلة الناتجة عن أنظمة الذكاء الاصطناعي الضخمة إلى ابتكار جديد لمجابهة مخاطرها: التبريد المائي. أنظمة تبريد الهواء التقليدية لم تعد قادرة على تلبية متطلبات وحدات معالجة الرسومات الضخمة، ففي أحد هذه المراكز لوحظ ارتفاع درجة حرارة الهواء من 22 درجة مئوية إلى 36 درجة بعد مروره برف واحد فقط من أجهزة الذكاء الاصطناعي، حسبما نقلت نيويورك تايمز في تقريرها. ولمنع ارتفاع درجة الحرارة، وبالتالي تجنب خطر الحرائق المحتملة، تعمل الشركات على تطوير تقنيات تبريد مياه متطورة. فبدلا من أن يمر الماء عبر الممرات لتبريد الهواء المحيط، توضع أنابيب المياه مباشرة إلى جانب الشرائح الساخنة، وهو ما اتبعته جوجل في مقرها بأوكلاهوما. تعالج المياه معالجة كيميائية تقلل من خواص التوصيل الكهربائي، مما يقلل من مخاطر التسريب المحتملة.

.. ولكن تبريد المياه يضر بالكوكب أكثر مما يفيد: في عام 2023، استهلكت مراكز بيانات جوجل نحو 27.7 مليار لتر من المياه، بزيادة تقدر بنحو 17% مقارنة بعام 2022. وفي ولاية معرضة لمخاطر الجفاف والحرائق الكارثية مثل كاليفورنيا، يستهلك أكثر من 250 مركز بيانات أطنان اللترات من المياه سنويا. ومع ذلك، يبدأ التأثير السلبي على البيئة في المراحل الأولية لتصنيع معالجات الرسومات — وليس فقط عند تشغيلها — إذ يتطلب تصنيعها طاقة تفوق بكثير تلك التي تحتاجها وحدات المعالجة التقليدية نظرا لتعقيد عملية التصنيع بحد ذاتها. بل إن بصمتها الكربونية تزداد نتيجة الانبعاثات المتعلقة بنقل المواد والمنتجات، وأيضا بسبب أن المواد الخام المستخدمة في تصنيعها تتضمن عمليات تعدين غير نظيفة ومواد كيميائية سامة أثناء المعالجة. ويبدو أن الصناعة بأسرها تسير في طريق غير مستدام، حسبما صرح زميل الحوسبة وتأثير المناخ في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا نعمان بشير، مؤكدا أنه لا تزال هناك طرق لتشجيع التطوير المسؤول للذكاء الاصطناعي بما يدعم الأهداف البيئية.