إجازة الأمومة: دعم للمرأة أم عائق لمسيرتها المهنية؟ رغم عقود من التقدم، لا تزال النساء يواجهن تحديات كبيرة في تطوير مسيرتهن المهنية، ولم تكن الأمومة استثناء من هذه القائمة. تختلف سياسات إجازة الأمومة من بلد إلى آخر، حيث تحدد الحكومات مدتها، ووضعها المالي، والمزايا المرتبطة بها قبل وبعد الولادة، فيما تقوم بعض الشركات بتعديل تلك السياسات داخليا وفقا لرؤيتها الخاصة. ورغم أن الهدف الأساسي من الإجازة هو إتاحة وقت للتعافي بعد الولادة، وتمكين الأمهات من رعاية أطفالهن، وحماية وظائفهن، إلا أن تأثيرها يطرح مفارقة معقدة.

**اضغط على عنوان الفقرة بالأعلى لقراءتها كاملة مصحوبة بكل الروابط**

داعم أم عائق؟ ساهمت سياسات إجازة الأمومة في زيادة مشاركة النساء في سوق العمل — خاصة في الدول النامية والأسواقالناشئة — لكنها في الوقت ذاته رفعت تكلفة توظيف النساء، مما دفع بعض الشركات إلى إحجام غير معلن عن تعيينهن. ويثير ذلك تساؤلا جوهريا، فهل تدعم إجازة الأمومة حقا نمو النساء في بيئة العمل، أم أنها تشكل عقبة غير مقصودة أمام تطورهن المهني؟

إجازة الأمومة في مصر: وافقت لجنة القوى العاملة بمجلس النواب في يناير الماضي على مشروع قانون العمل الجديد، الذي يضم 267 مادة، من بينها المادة 50 التي تمنح النساء إجازة أمومة مدفوعة الأجر لمدة أربعة أشهر، على ألا تقل فترة الإجازة بعد الولادة عن 45 يوما. أما المادة 51، فتنص على توفير حماية وظيفية للأمهات خلال فترة الإجازة، في حين يحق للأمهات المرضعات فترتي راحة يومية لمدة نصف ساعة لكل منهما خلال أول عامين من الولادة. وتسعى حكومة مدبولي إلى إقرار هذا التشريع قبل انتهاء الدورة البرلمانية الحالية في يوليو المقبل.

خطوة إيجابية: تأتي التعديلات الجديدة على إجازة الأمومة بغرض تحقيق توازن أفضل بين العمل والحياة للنساء العاملات، مما يقلل من الضغوط التي تواجهها النساء الطموحات اللاتي قد يخشين فقدان وظائفهن أثناء الحمل والولادة، بحسب ما قالته المحامية بالنقض والأمينة العامة السابقة للمجلس القومي للمرأة مارجريت عازر لإنتربرايز.

القوانين الحالية: أين نقف اليوم؟ يخضع سوق العمل في مصر حاليا لأحكام قانون العمل رقم 12 لسنة 2003، والذي ينص على إجازة أمومة مدفوعة الأجر لمدة 90 يوما، تمنح فقط بعد إتمام عشرة أشهر من العمل لدى نفس جهة العمل. كما يضمن القانون الحالي حق الأمهات المرضعات في فترتي راحة يومية لمدة نصف ساعة لكل منهما، وهو ما سيظل دون تغيير في مشروع القانون الجديد.

المقارنة العالمية: كيف تقف مصر أمام الدول الأخرى؟ تتفوق العديد من الدول الأوروبية في سياسات إجازة الأمومة مقارنة بمصر، حيث توفر إجازات طويلة ومدفوعة الأجر بنسب مرتفعة. ففي السويد يحصل الوالدان على 480 يوما من الإجازة المشتركة، منها 90 يوما بأجر ثابت، و390 يوما بنسبة 80% من الراتب. أما بلغاريا، فتمنح الأمهات 410 يوما من إجازة الأمومة المدفوعة بنسبة 90% من الراتب. وفي إستونيا، تمنح الأمهات 20 أسبوعا من الإجازة المدفوعة بالكامل، مع إمكانية تمديدها إلى نحو 62 أسبوعا من إجازة بأجر ثابت. وعلى النقيض، تأتي الولايات المتحدة في مرتبة متأخرة، حيث يقتصر قانون الإجازة العائلية والطبية على 12 أسبوعا فقط من الإجازة غير المدفوعة، ولا يغطي سوى شريحة محدودة من العاملين.

المرأة في سوق العمل المصرية: الأرقام تتحدث. شهدت العقود الأخيرة زيادة ملحوظة في مشاركة النساء في سوق العمل المصري، حيث بلغت نسبتهن في القوى العاملة 20.4% بنهاية الربع الرابع من عام 2024، ما يعادل 6.6 مليون امرأة من إجمالي 33.1 مليون عامل في البلاد. ورغم ذلك، لا تزال البطالة بين النساء مرتفعة عند 16.6%، مقارنة بنحو 3.9% فقط بين الرجال.

اليوم الإضافي الواحد من إجازة الأمومة يمكن أن يعزز فرص توظيف النساء: تظهر أبحاث البنك الدولي، المستندة إلى بيانات مسح على مستوى الشركات في مصر ودول نامية أخرى، أن كل زيادة لوغاريتمية في مدة إجازة الأمومة المدفوعة تضيف ما يقدر بنحو 2.08 نقطة مئوية إلى نسبة الموظفات في الشركة. وعلى هذا النحو تشير التقديرات إلى أن تمديد إجازة الأمومة المدفوعة من 0 يوم إلى 410 أيام يؤدي إلى زيادة بنسبة 12.5 نقطة مئوية في مشاركة النساء في سوق العمل.

تكلفة الأمومة على المسار المهني: أظهرت دراسة أجراها مركز التمثيل المتكافئ في الاقتصاد في كلية لندن للاقتصاد عام 2024، شملت 134 دولة، أن الإنجاب يؤثر سلبا على المسارات المهنية للنساء مقارنة بالرجال. وخلصت الدراسة إلى أن الأمهات أقل حظا في الحصول على على وظائف جديدة مقارنة بالآباء بعد مرور عقد كامل على ولادة طفلهن الأول، وكان هذا التأثير السلبي واضحا في 85% من الدول التي شملتها الدراسة.

التمييز في التوظيف يبدأ قبل الولادة بوقت طويل. يفضل مديري التوظيف غالبا تعيين النساء غير المتزوجات أو اللواتي أنجبن بالفعل، لتقليل احتمالية الحاجة إلى منحهن إجازة أمومة في المستقبل، بحسب ما قالته ريم وهبة مديرة الموارد البشرية في إحدى الشركات لإنتربرايز. وأوضحت وهبة أن فرق الموارد البشرية قد تستفسر خلال المقابلات عن خطط الإنجاب للمرأة المتزوجة حديثا، مع الإفصاح صراحة عن عدم رغبة الشركة في توظيف شخص سيحتاج إلى بديل بعد بضعة أشهر فقط من العمل.

التمييز في العمل مشكلة متكررة. تعامل المجلس القومي للمرأة مع بعض الشكاوى المتكررة التي تتعلق بالفصل التعسفي للنساء بسبب الزواج أو الحمل، إلى جانب مشكلات تتعلق بعدم توفر حضانات أو ساعات عمل مرنة في أماكن العمل، بحسب عازر.

نقص دعم رعاية الأطفال: عبء مضاعف على الأمهات. لا تؤثر محدودية خيارات رعاية الأطفال على الأمهات فقط، بل تمتد تداعياتها إلى الأطفال أنفسهم. وتشير نور إمام، رائدة الأعمال في مجال التقنية الصحية النسائية والمؤسسة المشاركة لتطبيق "دليلة" من "مذربيينج"، إلى أن العديد من الأمهات العاملات يضطررن إلى اللجوء إلى الرضاعة الصناعية بعد العودة إلى العمل، بسبب صعوبة التوفيق بين جداول العمل المرهقة ومتطلبات تخزين الحليب. وتضيف: "كل هذه الأمور تشكل عبئا نفسيا وجسديا هائلا على الأمهات العاملات اللواتي يجبرن على العودة إلى العمل". أما بالنسبة لمدة إجازة الأمومة البالغة أربعة أشهر، فترى إمام أنها غير كافية على الإطلاق لتحقيق فائدة حقيقية للأم والطفل ولكن ذلك هو الواقع.

إجازة الأمومة الأطول تعزز صحة الطفل وتقلل وفيات الرضع. أثبتت الدراسات أن تمديد مدة إجازة الأمومة يساهم في خفض معدلات وفيات الرضع والأطفال الصغار، إذ يمنح ذلك الأمهات وقتا أطول للعناية بأطفالهن، وتعزيز الرضاعة الطبيعية، وتقييم احتياجات الرعاية الصحية للأطفال وتلبيتها. وفي هذا السياق، تؤكد نور إمام أن ابتعاد الأم عن طفلها لفترات طويلة قد يترك أثرا نفسيا كبيرا عليها، خاصة إذا لم يكن الطفل تحت رعاية أحد أفراد العائلة. وقد كشفت الدراسات أن دول منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تمنح عددا أقل من أيام إجازة الأمومة المدفوعة مقارنة بالدول المتقدمة، وأظهرت البيانات أنه لتحقيق المساواة في معدلات وفيات الأطفال بين المنطقتين، ينبغي تمديد إجازة الأمومة المدفوعة بما لا يقل عن 200 يوم إضافي.

العرق والتعليم والوضع الاقتصادي تحدد مدة الرضاعة الطبيعية. أظهرت دراسة عالمية وجود علاقة إيجابية بين طول مدة إجازة الأمومة وفترة الرضاعة الطبيعية، مما يؤدي إلى تحسين تغذية الأطفال وتعزيز صحتهم العامة. ومع ذلك، كشفت البيانات عن تفاوتات ملحوظة عند تحليل العلاقة بناء على الوضع الاقتصادي والاجتماعي للمرأة. فقد أظهرت النتائج أن النساء ذوات البشرة السوداء، والنساء من الطبقات التي تحظى بامتيازات أقل من غيرها، والنساء ذوات المستويات التعليمية المنخفضة، يحصلن على فترات أقصر من الرضاعة الطبيعية.

دراسة حالة في مصر: أجريت دراسة في محافظة المنصورة عام 2023، شملت أمهات عاملات يراجعن المرافق الصحية لتطعيم أطفالهن البالغين من العمر ستة أشهر، وكشفت النتائج أن نسبة النساء اللاتي يرضعن أطفالهن رضاعة طبيعية فقط لم تتجاوز بين المشاركات أكثر من 14.1%. تعكس هذه الأرقام تحديات كبيرة تواجهها الأمهات العاملات في الحفاظ على الرضاعة الطبيعية، في ظل نقص الدعم المؤسسي والسياسات المرنة التي تتيح لهن تحقيق التوازن بين العمل ورعاية الأطفال.

الحلول المقترحة: أطلقت الحكومة استراتيجية تمكين المرأة 2030 في عام 2023، بهدف رفع معدل مشاركة النساء في سوق العمل من 24.2% إلى 35% بحلول عام 2030، وتقليص معدل البطالة بين النساء من 24% إلى 16%. ورغم التقدم في هذا المسار، تؤكد عازر أن غياب السياسات الداعمة يقلل من فرص توظيف النساء ويبطئ تقدمهن المهني، بغض النظر عن الجهود المبذولة.

كيف يمكن معالجة هذه الفجوة؟ اقترحت عازر عدة حلول، من بينها تقديم حوافز ضريبية أو دعم حكومي جزئي لمساعدة أصحاب العمل على تغطية تكاليف إجازة الأمومة، بالإضافة إلى توفير ترتيبات عمل مرنة، مثل إمكانية العمل عن بعد أو تقليل عدد أيام العمل بعد العودة من الإجازة. كما شددت على أهمية إطلاق حملات توعية تسلط الضوء على ضرورة تكافؤ الفرص في التوظيف ومنع التمييز ضد النساء الحوامل، إلى جانب تطوير سياسات واضحة لترقية النساء بعد الإنجاب، بما يضمن لهن مسارا مهنيا مستداما.

هل حان الوقت لاعتماد إجازة الأبوة في مصر؟ لا يوفر قانون العمل المصري إجازة أبوة حتى الآن، إذ يركز بشكل أساسي على تنظيم إجازة الأمومة فقط. ولا توجد مؤشرات واضحة على نية إدراج إجازة أبوة إلزامية ضمن قانون العمل، وفقا لما أوضحته مارجريت عازر. لكن هناك مطالب متزايدة من المنظمات الحقوقية والمجتمع المدني لاعتماد إجازة قصيرة مدفوعة الأجر للآباء، وذلك بهدف دعم النساء خلال فترة الولادة وتعزيز التوزيع المتوازن لمسؤوليات الأسرة.

ما العائق أمام تنفيذها؟ توضح عازر أن تأجيل إدراج إجازة الأبوة في التشريعات قد يكون مرتبطا بالتركيز على دعم المرأة العاملة بشكل مباشر، بدلا من فرض التزامات جديدة على القطاع الخاص. وترى عازر أن العقبات الثقافية السائدة في بعض القطاعات، والتي لا تزال ترى أن مسؤوليات تربية الأطفال تقع بشكل أساسي على عاتق الأمهات، تشكل تحديا رئيسيا أمام تطبيق مثل هذه السياسة.

العلامات: