? الشعور بالإحراج يختفي وسط زحام العصر الرقمي: في عصر تسيطر عليه وسائل التواصل الاجتماعي حيث يختار كل فرد شخصيته التي يرغب في إظهارها بعناية فائقة، وفي عالم يتسارع فيه التطور التكنولوجي وأدوات الذكاء الاصطناعي، يفقد الأفراد شعورا مهما للغاية وهو الإحساس بعدم الارتياح أو الارتباك أو الإحراج، وهذا الشعور تتزايد الحاجة إلى فهمه وتقديره أكثر من أي وقت مضى.
**اضغط على عنوان الفقرة بالأعلى لقراءتها كاملة مصحوبة بكل الروابط**
فروقات أساسية: يختلف مفهوم الإحراج الواعي، أو المتولد عن الشعور بالارتباك (Awkwardness)، عن مفهوم الإحراج (Embarrassment) المرتبط بالخجل أو القلق الاجتماعي أو الخوف. فالإحراج الواعي يتولد عندما يتقاطع الشعور بالوعي الذاتي المفرط مع عدم اليقين، مثل اللحظة التي تلحق دخولك اجتماع عبر مكالمة فيديو فلا تعرف متى تتحدث، أو عندما تراسل شخصا بالخطأ. وبينما يرتبط هذا الشعور بعدم الارتياح اجتماعيا – الذي يظهر في مصطلحات فرعية مثل القلق الاجتماعي الرقمي، والذي يدور حول رؤية الآخرين لنا عبر الإنترنت – يمثل الإحراج الواعي تجربة فورية تركز على اللحظة الحاضرة وتكون مصحوبة باستجابات جسدية بديهية أحيانا.
الأمر محرج للغاية: منذ صعود وسائل التواصل بشكل كبير، خلص الباحثون الذين درسوا نظرية "الكرينج" — أو إحساس القشعريرة والاستجابة الجسدية البديهية التي تصاحب الشعور بالإحراج الواعي — إلى أننا نشعر بهذا الإحساس عندما تتعارض النسخة التي نقدمها عن أنفسنا مع نظرة الآخرين لنا، فنبدأ في توقع الرفض المحتمل — وأحيانا السخرية والوصم. يصف عالم الاجتماع تاي تاشيرو شعور الإحراج الواعي والاستجابة الجسدية له بأنها تجسيد لعدم التماشي مع التوقعات الاجتماعية بما يسبب لدينا ردود فعل عاطفية قوية.
.. لكن لا علاقة له بالتوحد: في عالم أصبح مهووسا بالتشخيص المفرط لأي شيء وكل شيء، انتشرت فكرة تربط الشعور بالإحراج الواعي بسمات مرض التوحد، وهو أمر غير صحيح على الإطلاق. بحسب تاشيرو، يظهر الشخص العادي ما يقرب من 16 سمة من أصل 50 من سمات التوحد، فيما يشترط للتشخيص وجود 32 سمة على الأقل. ومع وجود منصات تؤخر من قدرات الأفراد الاجتماعية وتقوض تواصلهم مع بعضهم، فلا عجب أن يعاني كثيرون من تأخر في مهارات التواصل دون أن يكونوا مصابين حقا بالتوحد.
أهمية بالغة: تظهر أهمية بعض المشاعر مثل الإحراج الواعي في تفاعلات أماكن العمل، إذ أظهرت الدراسات أن العاملين في قطاعات التك، وتحديدا المتخصصين ذوي الخبرات الأكبر، يحصلون على نتائج أعلى على مقاييس الإحراج الواعي مقارنة بالعاملين في مجالات العلوم الإنسانية. لماذا؟ لأن الأفراد الذين سرعان ما يشعرون بهذا النوع الإحراج غالبا ما ينصب تركيزهم بشكل أكبر على تفاصيل التفاعلات المختلفة من حولهم بدلا من التركيز على الصورة الأكبر. هذه الميزة تترجم بشكل إيجابي في أماكن العمل، خاصة في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات.
تقدير المشاعر واجب وضرورة: في عام 1933، ارتأى الفيلسوف والمؤلف المسرحي النرويجي بيتر فيسل زابفه أن قدرة الفرد على الشعور بالإحراج الواعي تنبع بالأساس من تورطه المفرط في الواقع من حوله، وهو ما يدفعه إلى الشعور بنزعات صغيرة من الخجل والإحراج. وفي عالم تسيطر عليه التكنولوجيا بما يقوض التفاعل البشري، قد يصبح الاعتراف بمثل هذه المشاعر وتقديرها ومشاركتها مع الآخرين حتى لو بهدف السخرية، بمثابة أداة سحرية تحول الوحدة والعزلة إلى ونس وتواصل مع الذات والآخرين.