🪐 هل يستطيع البشر الصمود في الفضاء؟ وسط ارتفاع الهوس بصناعة السفر الفضائي التجاري والتغطية الإعلامية المستمرة حوله، قرر بعض الباحثين التراجع خطوة إلى الوراء من أجل التساؤل: هل يمكن للبشر فعلا الصمود في أعماق النظام الشمسي لفترات طويلة؟ وبينما يبدي عدد من الخبراء تفاؤلهم بشأن قدرة الجسم البشري على التكيف مع الفضاء، يحذر آخرون من أن هذا سيكون له آثار لا تمحى – خصوصا على الدماغ، وفقا لتقرير النيويوركر.

**اضغط على عنوان الفقرة بالأعلى لقراءتها كاملة مصحوبة بكل الروابط**

لطالما أدرك العلماء أن أجسام البشر تتأثر بوجودها في الفضاء لفترات طويلة، إذ يؤدي انخفاض الجاذبية إلى إطالة العمود الفقري وفقدان الكتلة العضلية وانخفاض كثافة العظام، ما يفرض على رواد الفضاء ممارسة تمارين رياضية مكثفة للحفاظ على لياقتهم. لكن مع ازدياد الرحلات الفضائية بفعل المنافسة التجارية، بات لدى الباحثين عينة أوسع لدراسة التأثيرات طويلة الأمد لهذا النوع من السفر على صحة الإنسان.

إحدى أبرز الدراسات في هذا المجال هو بحث التوائم الذي أجرته وكالة ناسا. ففي الثاني من مارس 2016، عاد رائد الفضاء الأمريكي سكوت كيلي إلى الأرض بعد قضاء ما يقرب من عام كامل في الفضاء، محققا أطول رحلة فضائية لأي أمريكي آنذاك. لكن فور هبوطه، واجه كيلي آثارا جسدية حادة من بينها الغثيان والدوار وآلام المفاصل والتورم والطفح الجلدي. هذه الأعراض لم تكن غير مسبوقة، لكن حالة كيلي قدمت لناسا فرصة نادرة لدراسة تأثيرات الفضاء على جسم الإنسان، لأن له أخ توأم. أتاحت دراسة التوائم للعلماء مقارنة التغيرات الجسدية والجينية التي طرأت على سكوت بتوأمه رائد الفضاء السابق مارك كيلي. سلطت نتائج البحث – التي نشرت عام 2019 – الضوء على التحديات البيولوجية التي قد يواجهها البشر في الرحلات المستقبلية إلى المريخ وما بعده.

كشفت نتائج دراسة التوائم أن وجود سكوت كيلي في الفضاء لفترة طويلة ترك آثارا خطيرة على جسمه وعقله. فقد رصد الباحثون علامات تشير إلى تراجع قدرة كيلي على الإدراك، ووجود التهابات حادة، إلى جوار احتمال وقوع تغيرات طويلة الأمد في الدماغ. وأظهرت بعض الاختبارات ارتفاع مؤشرات الالتهاب في دم رائد الفضاء إلى مستويات يصعب حتى قياسها بالمعدات المخبرية التقليدية.

السؤال الأهم: هل يمكن علاج تلك التأثيرات، أم أنها دائمة؟ والأكثر تعقيدا: هل من الأخلاقي البحث عن الإجابة من خلال التجربة؟ بالنسبة لأنصار السفر عبر الفضاء، ليس ثمة مجال للتردد أو التراجع، إذ يرى كريستوفر ماسون أحد الباحثين الرئيسيين في دراسة ناسا أنه “في مرحلة ما، سيكون هناك آلاف الأشخاص الذين يعيشون أو يعملون في الفضاء … وعلينا أن نفهم كيفية تحقيق ذلك بأمان”. لكن آخرين يشككون في مدى استعدادنا لمثل هذه المخاطرة، مثل الأستاذ بجامعة بنسلفانيا ماتياس باسنر الذي شارك في الدراسة أيضا، والذي يؤكد أن المؤشرات الأولية توحي بأن السفر عبر الفضاء قد يسبب تغييرات هيكلية عميقة في الدماغ، بعضها قد يكون قابلا للعلاج وبعضها قد لا يكون كذلك.

لن نحصل على إجابات قاطعة قريبا، إذ لا نزال بحاجة إلى مزيد من البحث والبيانات. لكن مع تزايد الاهتمام بالسفر إلى الفضاء، يزداد الزخم العلمي لفهم تأثيراته على البشر، وهو ما يلخصه ماسون بقوله إننا “بدأنا نرصد بصمة بيولوجية للفضاء، وقريبا سنتمكن من تحديد ما يحدث لجسم الإنسان بعد قضاء 3 أيام أو 3 أشهر في الفضاء”.