العالم يطحن سكانه في سباق نحو اللاشيء: ينشغل العالم الحديث انشغالا كبيرا بمقاييس الإنتاجية وتعظيم الكفاءة في كل لحظة، من تحسين فترات استراحة الغداء وجدولة الوقت بدقة منهجية إلى استخدام الذكاء الاصطناعي في صياغة رسائل البريد الإلكتروني. وحتى أنشطة الترفيه لم تسلم من هذا الهوس، إذ بات الحفاظ على اللياقة يعني أن يكتمل إغلاق حلقات بلهاء في ساعات أبل الذكية، وتحولت الهوايات إلى مشروعات جانبية مدرة للدخل، وصارت القراءة تحديا سنويا بأهداف رقمية. لكن لماذا يحدث كل هذا؟ الإجابة ببساطة هي أن الوقت قد أصبح مساويا للمال، ولذلك يجب استثماره وقياسه بدقة في سباق لا نهاية له نحو إنتاجية متزايدة، والتي غالبا ما تتم على حساب رفاهية الإنسان.
**اضغط على عنوان الفقرة بالأعلى لقراءتها كاملة مصحوبة بكل الروابط**
لكننا لم نعرف هذا المفهوم عن الإنتاجية قبل صعود الرأسمالية الصناعية؟ قبل ذلك، لم يكن هناك سوى حياة بسيطة وعمل ضروري لاستمرارها. وكان الزمن محكوما بحركة الشمس فمع غروبها يتوقف العمل وبحلول الظلام ينصاع الإنسان لحدود الطبيعة، فليس هنالك مجال لساعات عمل إضافية، ولا رسائل طارئة عبر البريد الإلكتروني تستلزم الرد تحت ضوء المصابيح.
ولم يكن ذلك الماضي خاليا من الاستغلال بالطبع، إذ فرضت الأنظمة الإقطاعية أشكالا خاصة من الظلم. لكن على الأقل، لم يكن العمل يختزل في أرقام وأهداف إنتاجية، بل كان جزءا من إيقاع الحياة الطبيعي، ولم يكن سلعة يجب تحسينها لتحقيق أقصى استفادة وأعلى أرباح من ورائها.
الثورة الصناعية.. نقطة التحول في علاقة الإنسان بالعمل: مع أواخر القرن الثامن عشر، شهدت علاقة البشر بالعمل تحوّلا جذريا. أدت قوة البخار وأتمتة الإنتاج إلى إمكانات غير مسبوقة، لكنها أيضا أوجدت أشكالا جديدة من العمل أو بالأحرى أشكال جديدة من الإفراط في العمل. دفع هوس أصحاب المصانع بتعظيم الأرباح إلى تطوير أدوات لقياس وتحسين كفاءة العمال، مما أدى إلى ولادة مفاهيم الإنتاجية الحديثة، التي سرعان ما أصبحت مبررا لفرض ظروف عمل قاسية بدعوى تحقيق النفع العام للمجتمع ككل.
وفي أواخر القرن التاسع عشر، جاءت الكهرباء وخطوط التجميع والإنتاج الكبير. وفي عام 1913، قدم هنري فورد أول خط إنتاج متحرك، فلم يكن ذلك ابتكار تقني فحسب، بل مثل أيضا تحول فلسفي جعل من العمال مجرد تروس في آلة ضخمة. صحيح أن أجر فورد البالغ 5 دولارات يوميا كان يعتبر أجرا مجزيا للغاية، لكنه جاء مقرونا برقابة صارمة وتوقعات عمل مكثفة، مما عزز قبضة الرأسمالية على حياة العمال. وفي الفترة ذاتها، برز المهندس فريدريك دبليو تايلور بمبادئ "الإدارة العلمية"، التي جردت العمال من معرفتهم واستقلاليتهم، ونقلت السيطرة الكاملة إلى الإدارة.
وهم التكنولوجيا: لماذا لم نحصل على وقت فراغ أكثر؟ إحدى أكثر المفارقات سخرية في تاريخ مفهوم الإنتاجية هي الوعد المتكرر بأن التكنولوجيا ستمنحنا المزيد من وقت الفراغ. ففي عام 1930، توقع الاقتصادي جون ماينارد كينز أنه بحلول عام 2030، لن نعمل أكثر من 15 ساعة في الأسبوع بفضل التقدم التكنولوجي. لكننا اليوم، وقبل خمسة أعوام فقط من موعد النبؤة، ما زلنا نعمل ما يقرب من ثلاثة أضعاف هذا الرقم. ومع كل طفرة تكنولوجية جديدة، يتكرر هذا الوعد، حتى مع الذكاء الاصطناعي، لكن في حقيقة الأمر يبقى الاقتصاد العالمي يطالب بالعمل أكثر من أجل مزيدا من التراكم الرأسمالي.
الوعد الكاذب: عند ظهور الحواسيب الأولى، ساد تفاؤل واسع بشأن تأثيرها المحتمل على سوق العمل. فعندما أعلنت شركة آي بي أم عن حواسيبها المكتبية في الخمسينيات، كان الاعتقاد السائد أن الأتمتة ستؤدي إلى تقليص ساعات العمل بشكل كبير مع الحفاظ على مستوى المعيشة أو حتى تحسينه. وفي عام 1956، وعد نائب الرئيس الأمريكي آنذاك، ريتشارد نيكسون، بأن أسبوع العمل سيتقلص إلى أربعة أيام في "المستقبل القريب".
الأمر متعمد وليس خللا في النظام: مع ارتفاع الإنتاجية، لم تنخفض ساعات العمل بنفس الوتيرة، وتحولت وعود التحرر من عبء العمل إلى مجرد سراب، إذ اختارت الشركات استغلال الكفاءة المتزايدة لزيادة أرباحها بدلا من تقاسم المكاسب مع الموظفين. ولم يكن هذا خللا عرضيًا في النظام، بل كان جزءا جوهريا من منطقه. إذ أن الرأسمالية، التي تقوم على السعي إلى النمو اللامحدود وتعظيم الأرباح، تعني أن أي تحسينات في الإنتاجية سيجري استثمارها في التوسع وليس في تحسين جودة حياة العمال.
طمس الحدود بين العمل والحياة: لم تقتصر المشكلة على استمرار ساعات العمل الطويلة، بل تفاقمت مع صعود التكنولوجيا الرقمية. فقد أدى انتشار البريد الإلكتروني، والهواتف الذكية، وإمكانيات العمل عن بعد إلى نشوء ثقافة "التواجد الدائم"، إذ يتوقع من الموظفين أن يكونوا متاحين على مدار الساعة. والأخطر من ذلك، أن شركات وادي السيليكون -التي لطالما تغنت بوعود التحرير من قيود العمل التقليدي- ساهمت في تطوير أنظمة مراقبة، بدءا من تتبع ضربات لوحة المفاتيح، وصولا إلى تسجيل فترات الذهاب إلى دورة المياه، وقياس الإنتاجية بأساليب صارمة ومهينة.
أزمة الإنتاجية: تجاوزت أزمة الإنتاجية اليوم الأبعاد الاقتصادية، وتحولت إلى ما يسميه الخبراء "الإنتاجية السامة"، وهو ما يعتبر هوس غير صحي بأن يكون الفرد منتجا طوال الوقت، حتى على حساب صحته العقلية والجسدية وعلاقاته الاجتماعية. ففي ثقافة الشركات الحديثة، لم يعد الإفراط في العمل مجرد متطلب وظيفي، بل بات سلوكا متوقعا من الموظفين رغم تزايد الأدلة على تأثيره المدمر. أصبح الشعار القديم "سأنام عندما أموت" وسام شرف في عالم العمل المعاصر والمريض، حيث لم تعد الإنتاجية وسيلة للعيش، بل غاية تلتهم الحياة ذاتها.
كنا نعتقد أن انتشار العمل عن بعد سيوفر توازنا أفضل بين الحياة المهنية والشخصية، لكنه في كثير من الحالات زاد هذا النمط من تعقيد المشكلات القائمة. فقد أدى هذا النموذج إلى ارتفاع هائل بنسبة 192% في عدد الاجتماعات الأسبوعية، وفقا لتقرير هارفارد بزنس ريفيو. ويأتي ذلك في كمحاولة مبالغ فيها لتعويض فقدان الرقابة المباشرة التي توفرها بيئة المكتب التقليدية. ونتيجة لذلك، أصبح العمال عالقين في دوامة من الاجتماعات المتكررة، والتعاون المفرط، والتواجد الرقمي المستمر.
هل نقيس الإنتاجية بشكل خاطئ؟ يجادل بعض الاقتصاديين بأن أساليب قياس الإنتاجية الحالية غير دقيقة، لكن المشكلة قد تكون أعمق من ذلك، فربما نكون ضللنا الطريق وانشغلنا بقياس الجوانب الخطأ تماما. فالأمر لا يتعلق فقط بهوس رفع الإنتاج القومي الإجمالي للدول وتعظيم أرباح للشركات، بل هناك أزمة حقيقية في معيشة العمال، إذ تتزايد معدلات الإرهاق، والقلق، والمشكلات الصحية المرتبطة بالإفراط في العمل.
البديل: يقدم تاريخ الإنتاجية دروسا مهمة لأولئك الذين يبحثون عن بدائل. وبينما تجرب بعض الشركات نماذج مثل أسبوع العمل من أربعة أيام فقط، وتكتسب النقاشات حول الدخل الأساسي الشامل زخما، تبقى هذه الإصلاحات غير كافية لأنها لا تعالج المشكلة الأساسية وهي الهوس الدائم بالتوسع والنمو.
إعادة تعريف الإنتاجية: لا بد من إعادة تصوّر مفهوم الإنتاجية ذاته لإحداث تغيير حقيقي، ولا يجب أن يقتصر ذلك على قياس المخرجات والأرباح، بل يشمل معايير تعطي الأولوية لرفاهية الإنسان، والاستدامة البيئية، والتقدم الاجتماعي. ومع ذلك، تظل أفكار مثل تقليص النمو الاقتصادي (الانكماش) أو تخفيض ساعات العمل دون خفض الأجور بعيدة عن المنال في ظل النظام الرأسمالي، الذي يرى أن العمل لساعات مرهقة تصل إلى 80 ساعة أسبوعيا أكثر منطقية من منح الأفراد وقتا للراحة والتوازن.
التخلص من الإنتاجية السامة: التحرر من الإنتاجية السامة يتطلب تغييرات جوهرية على المستوى النظامي، لكنه على المستوى الشخصي يعني ذلك إعادة صياغة علاقتنا بالعمل، وفصل تقدير الذات عن مقاييس الإنتاجية، وتعلم وضع حدود صحية، وإدراك أن الراحة ليست ترفا، بل ضرورة لاستدامة الأداء والإبداع. ويؤكد الكاتب والطبيب ويل كول أن الإنتاجية السامة غالبا ما تُخلط بمفهوم النجاح، فلا بأس في أن تكون ناجحا ومنتجا وبارعا، ولكن عندما يكون ذلك على حساب صحتك، فهنا تكمن المشكلة. وإذا لم تمنح نفسك قسطا من الراحة، فسيفرضها جسدك عليك.