? الوحدة.. وباء مستتر: هل تشعر بالوحدة؟ لست وحدك، فهذا الشعور القاسي يضرب واحدا من كل أربعة أشخاص بالغين حول العالم، بحسب استطلاع حديث من مؤسسة جالوب. انتشار الإحساس بالوحدة ظاهرة وصفها الجراح العام الأمريكي فيفيك مورثي العام الماضي بأنها تقع في منزلة الوباء، مشددا في مقابلة لاحقة مع صحيفة الجارديان على ضرورة معالجة الرفاهة الاجتماعية على مستوى العالم.

**اضغط على عنوان الفقرة بالأعلى لقراءتها كاملة مصحوبة بكل الروابط**

أكثر من مجرد شعور عابر: يؤكد مورثي أن الناس باتوا يخبرونه بأنهم يشعرون بالعزلة وعدم الأهمية وكأنهم بلا قيمة، حتى دون أن يتمكنوا من وصف هذا الشعور بكلمة "الوحدة". سمع مورثي كثيرا من الناس من مختلف الأعمار والخلفيات الاجتماعية والاقتصادية يلفظون عبارات من قبيل "ضرورة تحمل أعباء الحياة وحدي" و"لا أحد سيكترث إذا مت غدا".

التأثير الجسدي خطير: الشعور بالوحدة ليس مجرد حالة نفسية، بل يمكن أن يؤدي إلى تداعيات صحية خطيرة على الجسم والعقل. فقد ثبت أنه يزيد من احتمالية الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، والخرف، والسكتة الدماغية، والاكتئاب، والقلق، وحتى مرض ألزهايمر، مما قد يسرع من الوفاة المبكرة. ويحذر مورثي من أن تآكل الروابط الاجتماعية لا يؤثر فقط على الأفراد، بل يمتد تأثيره إلى تهديد استقرار مؤسسات المجتمع - مثل المدارس وأماكن العمل - بوجه عام من خلال خفض الإنتاجية وتقليل التفاعل بين الناس، وهو أساس كل مجتمع فعال. علينا الاستثمار في تعزيز الروابط الاجتماعية بنفس الجدية التي يتعاطى بها المجتمع مع جهود مكافحة التدخين والسمنة وأزمة الإدمان، وفق مورثي.

تواجه مصر تصاعدا ملحوظا في أزمة الوحدة في السنوات الأخيرة، إذ سجلت واحدة من أكبر القفزات في معدلات الوحدة العالمية، والتي ارتفعت بمقدار الضعف تقريبا إلى 14.3% في عام 2011 مقابل 7.9% في 2006، بحسب دراسة شملت أكثر من 180 ألف مراهق في 28 دولة عبر أفريقيا وآسيا والأمريكتين. بينما تؤكد الإحصائيات الأحدث أن ربع سكان مصر يعانون الآن من الشعور بالوحدة، مما يعكس الاتجاهات العالمية المتزايدة. كما أن كبار السن في مصر أكثر تأثرا بالوحدة، حسبما توضح دراسة نشرتها المجلة المصرية للرعاية الصحية عام 2021، مشيرة إلى أن أكثر من نصف الرجال في متوسط عمر 71 عاما يعانون الوحدة، وأكثر من نصفهم أرامل.

يرجع الباحثون هذا الارتفاع إلى عاملين أساسيين، الأول هو الاضطرابات الاجتماعية التي تؤثر سلبا على التماسك الاجتماعي وتضعف الشعور بالانتماء، أما الثاني فهو الانتشار السريع لوسائل التواصل الاجتماعي، والتي وجدت الدراسات ارتباطا وثيقا بين استخدامها المفرط وزيادة مشاعر الوحدة.

مستويات الوحدة المرتفعة لدى المصريين تعكس مرور البلاد بفترات من التغير الاجتماعي أو الثقافي. ورغم أن الروابط الأسرية والاجتماعية المتينة تعد ركنا أساسيا في حياة المصريين، يأتي تزايد الاعتماد على التكنولوجيا وضغوط العمل المفرطة لتقلل الوقت الذي نقضيه مع العائلة، مما يجعلنا نشعر بالوحدة والفقد أكثر فأكثر.

الوحدة لا تكشف عن نفسها بسهولة، وقد تتجلى بطرق غير مباشرة من خلال أعراض تشمل التوتر المزمن، واضطرابات النوم، والانسحاب الاجتماعي، وقضاء وقت طويل أمام الشاشات، وإهمال الصحة الجسدية، والإرهاق العاطفي. كما أن التعبير عن الإحساس بها يتنوع، فالبعض قد تخامره الوحدة رغم وجوده في بيئة اجتماعية مزدحمة، في حين ينسحب آخرون تماما من أي تفاعل اجتماعي.

البحث عن حلول: تشير الأبحاث إلى العديد من الاستراتيجيات الفعالة التي أثبتت نجاعتها في التعامل مع الوحدة، وأهمها الاعتراف بوجود مشكلة. بعد ذلك يجد كثيرون راحتهم في التأمل الروحي، والعزلة المقصودة، وممارسات الشفاء الذاتي. كما أن ممارسة النشاط البدني والانخراط الاجتماعي يسهمان في تعزيز السعادة والثقة بالنفس، مما يساعد على مواجهة الوحدة على المدى الطويل.

العلامات: