? كيف تغلغلت السلطوية في وادي السيليكون؟ خلال الأسبوع الجاري، ألغت جوجل حظر استخدام الذكاء الاصطناعي في تطوير الأسلحة والمراقبة، وذلك عبر وثيقة سياسة الاستخدام المحدثة. ويأتي هذا التراجع بعد أن تعهدت عملاقة التكنولوجيا عام 2018 بمنع توظيف الذكاء الاصطناعي في التطبيقات الخبيثة، والتي كانت مدفوعة بنفي الشركة لادعاءات تورطها في تطوير برامج طائرات درون أمريكية، رغم أنها في العام ذاته قررت إزالة شعارها غير الرسمي " لا تكن شريرا " من قواعد السلوك الخاصة بها.

**اضغط على عنوان الفقرة بالأعلى لقراءتها كاملة مصحوبة بكل الروابط**

ماذا حدث بالتحديد؟ حدثت جوجل سياسات استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي الخاصة بها من خلال مذكرة مختصرة على مدونتها الرسمية. تضمن هذا التحديث إلغاء بنود سابقة تشمل حظر تطوير "التقنيات التي تسبب أو يحتمل أن تسبب أذى عاما" مثل الأسلحة أو غيرها، والتي يكون هدفها الرئيسي "إلحاق الضرر بالأفراد أو تسهيل وقوعه بشكل مباشر". كما تخلت عن التعهدات السابقة بمراقبة التكنولوجيا التي تنتهك قوانين الدول وحقوق الإنسان، وبدلا من ذلك تتضمن مبادئ جوجل الجديدة لغة فضفاضة تؤكد التزام الشركة بالرقابة والفحص النافي للجهالة والتوافق مع القانون الدولي.

هذا التحول الدرامي يثير تساؤلات بشأن تورط جوجل في مشروع "نيمبوس التعاون المشترك بين جوجل وأمازون مع إسرائيل والذي تستفيد منه دولة الاحتلال في عملياتها العسكرية. وكانت جوجل قد أعربت – قبل أن تختارها إسرائيل لتزويد المشروع ببنيته السحابية – عن مخاوفها من إنتهاك هذا المشروع لحقوق الإنسان، قبل أن تؤكد أن اتفاق الشراكة لم يكن موجها إلى أعمال حساسة أو سرية أو عسكرية متعلقة بالتسليح أو المخابرات. ويبدو هذا تناقضا واضحا مع خطوتها الأخيرة التي تشير إلى سماحها باستخدام التقنيات المتطورة لخدمة هذه الأغراض.

الصورة الأكبر: كان لقادة التك في وادي السيليكون – وعلى رأسهم إيلون ماسك – تأثير سياسي متزايد على الرئيس الأمريكي ترامب، ما أثار مخاوف بشأن قدرتهم على تشكيل السياسات الفيدرالية لخدمة توجهاتهم. وانتشرت العديد من التقارير العالمية التي تشير إلى اعتناق ماسك وبيزوس وزوكربيرج وبرين نهج الفاشية التكنولوجية على نطاق واسع، للدرجة التي شكلت مسار شركاتهم بحيث تمنح الأولوية بوضوح للحجم والسيطرة والسلطة على حساب الديمقراطية والمساءلة العامة، بالتوازي مع عودة ترامب إلى السلطة من جديد.

لا أكذب، ولا أتجمل: يعود هذا النمط من التوجهات إلى أيام فيسبوك الأولى، إذ ينتقد كثيرون منهجية زوكربيرج تجاه معايير خصوصية المستخدم ودور المنصة الهائل في حملات التضليل وتأجيج التوترات الجيوسياسية. وتحيط المخاوف المماثلة بشركات أخرى مثل جوجل الشهيرة بجمع البيانات السرية وانتهاك خصوصية المستخدمين، ومايكروسوفت التي تتبعت نشاط مستخدمي متصفح إيدج دون موافقتهم، إلى جانب أوبن أيه أي التي تجاهلت تماما الاعتبارات الاجتماعية والبيئية عند تطويرها تشات جي بي تي، بل وشنت حملات نشطة لإعادة إفساح المجال أمامها في سباق الذكاء الاصطناعي.

تراجع جوجل عن مبادئها يمثل انعكاسا واضحا لتحول وادي السيليكون من مركز إبداع عالمي إلى قوة تكنولوجية وسياسية غير مسبوقة. وبينما تستمر هذه الشركات في تشكيل المجتمع العالمي عبر الذكاء الاصطناعي والسوشيال ميديا والحوسبة السحابية، فإن استعدادها لتفكيك كل الاعتبارات الأخلاقية وتوسيع نفوذها على العمليات العسكرية وأنظمة المراقبة وتدفق المعلومات يشير بكل وضوح إلى تقارب مقلق بين القوة المؤسسية والأنظمة السلطوية والممارسات الاستبدادية، التي حذر منها رواد التكنولوجيا الأوائل مثل مارك ويزر يوما ما.

التاريخ يعيد نفسه: تعكس هذه التطورات ما حدث سابقا في أوائل القرن العشرين، حين ظهرت مفاهيم التكنوقراط والمستقبلية التي توافقت في بعض الأحيان مع الممارسات والأيديولوجيات الفاشية، خاصة في إيطاليا تحت قيادة الشاعر والباحث النظري فيليبو مارينيتي، الذي وصفته صحيفة الجارديان بأنه كان محبا للابتكار التكنولوجي والسياسات غير الليبرالية، مما يتشابه في كثير من الصفات مع خليفته الأحدث إيلون ماسك. كما يربط البعض بين هذه الحركات التاريخية وشخصيات معاصرة مثل رجل الأعمال الرأسمالي مارك أندرسن، الذي يدافع باستماتة عن التقدم التكنولوجي المتسارع ويقلل من المخاوف الأخلاقية المرتبطة به.