واصلت تحويلات المصريين في الخارج ارتفاعها في نوفمبر لتصل إلى 2.6 مليار دولار، بزيادة قدرها 65.4% على أساس سنوي، وفقا لبيان البنك المركزي المصري. وقفزت التحويلات بنسبة 77% على أساس سنوي في الخمسة أشهر الأولى من العام المالي الحالي 2025/2024 لتبلغ 13.8 مليار دولار، وبنسبة 47.1% على أساس سنوي في الأشهر الـ 11 الأولى من عام 2024 لتسجل 26.3 مليار دولار.

تبدو الصورة مختلفة تماما على أساس شهري، إذ انخفضت تحويلات المغتربين في نوفمبر بأكثر من 10% مقارنة بشهر أكتوبر الذي بلغت فيه 2.9 مليار دولار. إلا أن هذا الانخفاض غير المتكرر لا ينبغي أن يكون مدعاة للقلق، حسبما قال خبراء اقتصاديون ومحللون لإنتربرايز، ومن بينهم الخبيرة الاقتصادية منى بدير التي قالت إن “الانخفاض الشهري الطفيف” يجب أن يقلقنا فقط إذا “استمر خلال الأشهر القليلة المقبلة”. واتفقت معها في الرأي هبة منير من شركة إتش سي لتداول الأوراق المالية، التي قالت إنه “مجرد انخفاض غير متكرر، ولا ينبغي اعتباره مقلقا طالما لم يكن هناك اتجاه”. وأضافت بدير: “عندما يتعلق الأمر بتتبع التحويلات المالية، فإننا ننظر إلى ثلاثة اتجاهات. وهي أداء القراءة الشهرية على أساس سنوي، والتدفقات الفصلية والسنوية على أساس سنوي”.

بالأرقام: من المتوقع أن تشكل تحويلات المصريين بالخارج 8% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد في عام 2024، ارتفاعا من 5% في عام 2023 و6.1% في عام 2022. وفيما يتعلق بتدفقات الحساب الجاري، من المتوقع أن تمثل تحويلات المصريين بالخارج 35% من إجمالي التدفقات الواردة للبلاد في عام 2024، بارتفاع عن نسبة الـ 25% المسجلة في العام السابق، ولكن لا تزال أقل بكثير عن الـ 45% المسجلة في عام 2020 قبل أن تبدأ تدفقات التحويلات في الانخفاض مع بداية أزمة العملة الأجنبية وظهور السوق الموازية التي جذبت تدفقات التحويلات بعيدا عن القنوات الرسمية.

تعد دول الخليج أكبر مصدر للتحويلات الواردة إلى البلاد، إذ يقيم غالبية المصريين العاملين في الخارج الذين يقدر عددهم بـ 14 مليون شخص في الخليج. وتأتي السعودية في الصدارة كمصدر رئيسي لتحويلات المصريين في الخارج بواقع 2.5 مليون مصري، تليها الإمارات والكويت بنحو 600 ألف لكل منها.

التعويم يعتبر كلمة السر وراء الارتفاع الكبير في تحويلات المصريين بالخارج. عاد المصريون في الخارج لإرسال المزيد من أموالهم عبر القنوات الرسمية بعد تعويم الجنيه في مارس من العام الماضي، والذي وضع حدا للسوق الموازية التي دفعت تدفقات التحويلات عبر القنوات غير الرسمية. وتعد التحويلات مصدرا حيويا للعملة الصعبة للبلاد، وتعمل الدولة على زيادتها بنسبة 10% سنويا لتصل إلى 53 مليار دولار بحلول عام 2030.

تأمل الحكومة أيضا في تشجيع الأدوات التكنولوجية اللازمة لاجتذاب المزيد من تدفقات التحويلات، بما في ذلك الخدمة الجديدة التي أطلقها البنك المركزي في ديسمبر والتي تتيح التحويل الفوري للأموال إلى مصر من أي مكان في العالم. وستكون الخدمة الجديدة متاحة للمصريين المقيمين في دول السعودية والإمارات والأردن وقطر والكويت وعمان والبحرين — وسيجري إضافة المزيد من الدول إلى القائمة قريبا.

الزيادة في التحويلات أصبحت أمرا ملحا أكثر من أي وقت مضى، بالنظر إلى الانخفاض الذي شهدته إيرادات قناة السويس بقيمة 7مليارات دولار العام الماضي بسبب هجمات الحوثيين على السفن المارة عبر البحر الأحمر، التي أدت إلى تغيير خطوط الملاحة الرئيسية في العالم مسار سفنها إلى طريق رأس الرجاء الصالح. وستساعد زيادة تدفقات تحويلات المصريين بالخارج على طمأنة صانعي السياسات بأنه حتى لو لم تتحقق عودة حركة الملاحة المتوقعة عبر قناة السويس بعد وقف إطلاق النار في غزة، فلا تزال هناك مصادر أخرى للعملة الأجنبية يمكن الاستفادة منها لتمويل واردات السلع الأساسية، والوفاء بالتزامات الديون الخارجية، وعدم عودة السوق الموازية للدولار، وطمأنة المستثمرين بأن بإمكانهم تحويل أرباحهم إلى الخارج، وتحسين سيولة العملات الأجنبية وبالتالي استقرار الجنيه.

إلا أن تحويلات المصريين بالخارج وإيرادات قناة السويس ليسا المصدرين الوحيدين للعملة الأجنبية والسيولة الدولارية، إذ تستهدف الحكومة تعزيز إيراداتها الدولارية من مصادر أخرى بما في ذلك السياحة والاستثمار الأجنبي المباشر والصادرات.

الحكومة تكثف جهودها بالفعل لزيادة عدد السائحين الوافدين إلى البلاد، مثل مشروعات تطوير قطاع الضيافة، والحوافز المقدمة لبناء الفنادق، وجهود زيادة الرحلات الجوية المتجهة إلى مصر، وغيرها من المبادرات. وأعلن رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في وقت سابق من هذا الأسبوع عودة الحكومة لهدفها المتمثل في جذب 30 مليون سائح سنويا بحلول عام 2030، والذي جرى تخفيضه مؤخرا إلى 25 مليون سائح.

يلعب الاستثمار الأجنبي المباشر دورا كبيرا في خطط الحكومة لجذب العملة الصعبة ودعم عجز الحساب الجاري، إذ وضعت الحكومة هدفا يتمثل في زيادة حجم الاستثمار الأجنبي المباشر بنسبة 14% سنويا. وفي حين أن العجز في الحساب الجاري قد تأثر جراء انخفاض عائدات قناة السويس، وارتفاع الواردات البترولية، واتساع العجز التجاري غير النفطي، فإن الاستثمار الأجنبي المباشر ساعد في تخفيف تلك التأثيرات، إذ ارتفع بنحو 20% على أساس سنوي ليسجل 2.7 مليار دولار خلال الربع الأخير الذي توفرت فيه البيانات.

كما تعد زيادة الصادرات وخفض فاتورة واردات البلاد إحدى الوسائل المهمة لدعم السيولة من العملة الأجنبية، إذ تأمل الحكومة في تحقيق فائض تجاري قدره 10 مليارات دولار بحلول عام 2030، وهو ما سيتحقق بزيادة سنوية تتراوح بين 15-20% في قيمة الصادرات لتبلغ 115.8 مليار دولار سنويا بحلول نهاية العقد.

التقلبات في سوق العملات الأجنبية ليست بالضرورة مدعاة للقلق –

لم يكن تجاوز سعر صرف الجنيه حاجز الـ 50 أمام الدولار في ديسمبر أفضل ما يمكن أن ننهي به العام، لكنه بدأ في التحسن منذ ذلك الحين. وقالت إسراء أحمد، محللة الاقتصاد الكلي لدى الأهلي فاروس، في تصريحات لإنتربرايز إن الأمر يتعلق بصعود الدولار أكثر من انخفاض الجنيه، إذ أدى انتخاب دونالد ترامب في 4 نوفمبر إلى ارتفاع العملة الأمريكية. وعلى الرغم من الضغوط المستمرة والتراجع الأولي، إلا أن الجنيه قلص خسائره إلى 2.5% فقط منذ انتخاب ترامب.

كما كان الجنيه صاحب أفضل أداء مقابل الدولار مقارنة بالعديد من العملات العالمية، إذ انخفض اليورو بنسبة 3.8% مقابل الدولار، وتراجع الدولار الكندي بنسبة 3.2%، والجنيه الإسترليني بنسبة 3.7% منذ فوز ترامب بولاية ثانية. وما دفع الدولار للارتفاع والعملات الأخرى للهبوط هو ترقب السياسات التجارية الحمائية، والوعود بإلغاء القيود المفروضة على التجارة، وزيادة احتمالية ارتفاع أسعار الفائدة لفترة أطول، واعتبار الدولار ملاذا آمنا من حالة عدم اليقين والفوضى التي يبدو أنها أصبحت السمة السائدة لعهد ترامب.

هناك الكثير من العوامل الموسمية المحلية التي ينبغي أخذها في الحسبان أيضا، بما في ذلك — على سبيل المثال لا الحصر — التضخم الاعتيادي في فاتورة واردات البلاد قبل شهرين أو ثلاثة أشهر من شهر رمضان — وهي حقيقة يعرفها الكثير منا جيدا من خلال عادات التسوق التي نتبعها في الفترة التي تسبق الشهر الكريم. وبالمثل، في بلد يبلغ عدد سكانها نحو 110 ملايين نسمة، هناك من 5 إلى 6 ملايين نسمة يصنفون كأثرياء وغالبا ما يقضون إجازة نهاية العام. ويعني هذا أن جميع سكان لبنان يذهبون لقضاء العطلات ويعتمدون على العملات الأجنبية لدفع تكاليف الفنادق والوجبات والهدايا التذكارية.

تلعب الشركات أيضا دورا في ذلك، إذ يتطلع العديد منها إلى الحصول على العملات الأجنبية حتى تتمكن من دفعها في شكل أرباح للمستثمرين الأجانب مع اقتراب نهاية العام. وتتطلع الشركات أيضا إلى بناء مخزونها من العملات الأجنبية خلال هذه الفترة كوسيلة لإدارة خسائر أو مكاسب بالعملات الأجنبية والاستعداد لنفقات 2025.