أين أبطالنا الشعبيون؟ في عالم يزداد فيه وعي الأفراد بالعدالة الاجتماعية والانقسامات الأخلاقية، تبرز شخصيات الأبطال الشعبيين كرموز تتحدى الزمن وتعبر عن الاحتياجات الإنسانية الأساسية للعدالة والأمل. وعلى مر العصور، سواء من خلال الحكايات الخيالية أو القصص الواقعية، كان للأبطال الشعبيين دور بارز في التعبير عن مقاومة الظلم وتجسيد القيم المشتركة التي تربط المجتمعات.

**اضغط على عنوان الفقرة بالأعلى لقراءتها كاملة مصحوبة بكل الروابط**

حفرت قصص الأبطال الشعبيين التقليديين – مثل روبن هود – مكانها في خيال الناس على مدى قرون، حتى صارت رمزا لمقاومةالتفاوت الاجتماعي وانعاكسا للتعقيدات التي يعاني منها المجتمع، ولذلك بقيت تلك الأساطير تتردد في نفوس المهمشين. وجود بطل يسرق من الأغنياء ليمنح الفقراء لا يعكس فقط الغضب المبرر تجاه تركز الثروات وعدم المساواة، بل يمثل أيضا شيئا أكثر أهمية: الأمل.

عندما تبدو السبل القانونية لتحقيق الحراك الاقتصادي مغلقة، تظهر هذه الشخصيات لتقدم وعدا بأن هناك من يمكنه الوقوف في وجه الظلم، حتى لو تطلب الأمر وسائل غير قانونية تخرج من رحم اليأس. وقد ظلت هذه القصص حية لقرون بأشكال متعددة، مدفوعة بوجود فئات لا تزال تشعر بأنها عالقة في دوامة الفقر والعجز.

ثم جاء الإنترنت: يغير الإنترنت الكيفية التي يظهر بها الأبطال الشعبيون وطريقة سرد قصصهم بشكل جذري، مما يخلق ديناميكيات جديدة بين الحقيقة والخيال. وتعد قضية الأخوين مينينديز أحد أبرز الأمثلة على ذلك، فقد أثارت جريمة قتل أبويهما في عام 1989 موجة من الإدانة العامة ووصما بأنهما قتلة بلا ضمير. ولكن بفضل إعادة سرد القصة في وثائقيات على منصات مثل نتفليكس، برزت صورة مختلفة ترسم طفولة مليئة بالإساءات والصدمات النفسية على نحو أعاد تشكيل الرأي العام بشأن القضية.

لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دورا محوريا في تحويل أشخاص مثل لويجي مانجيوني إلى رموز شعبية. فرغم أن مانجيوني أقدم على فعل عنيف بقتل الرئيس التنفيذي لشركة يونايتد هيلث كير براين تومبسون، تفاعلت السوشيال ميديا مع قصته بصورة مليئة بالتعاطف. بالنسبة لكثيرين، لم يكن ما فعله الشاب الأمريكي جريمة، بل تعبيرا عن غضب واسع ضد عدم المساواة في نظام الرعاية الصحية. وهكذا وحد الإنترنت أيديولوجيات مختلفة حول شعور مشترك بالخيبة من النظام، مما أعطى مانجيوني مكانة البطل الشعبي رغم أن أفعاله تتحدى المعايير الأخلاقية التقليدية.

يرتبط الناس بهذه الشخصيات لأنهم يرون فيهم انعكاسا لمعاناتهم الشخصية، فالأبطال الشعبيون غالبا ما يمثلون التحديات التي تواجهها الجماهير، مما يجعل رحلة حياتهم ذات معنى لدى أولئك الذين يمرون بعقبات مماثلة، مثلما حدث مع بوني وكلايد خلال فترة الكساد العظيم حين ثار الجمهور على المصرفيين.

الناس فقدوا الأمل في تحقيق تغيير حقيقي من خلال القنوات الرسمية، لذا حين يظهر الأبطال الشعبيون – غالبا كرد فعل لمقاومة الظلم الاجتماعي – يصبحون في نظر الجمهور تجسيدا للأمل في العدالة والتعبير عن طموحاتهم. ويأتي الميل المتزايد تجاه هذا النوع من الأبطال في الوقت الذي تتراجع فيه ثقة العامة في المؤسسات التقليدية، خاصة بين جيل الشباب.

الثقة في تراجع: ضربت الثقة في الحكومات وقادة الأعمال ووسائل الإعلام أدنى مستوياتها مع بداية عام 2025، حسبما أظهرت نتائج مؤشر إيدلمان السنوي للثقة. إذ أيد 40% تقريبا من إجمالي المشاركين الانخراط في أنشطة قاسية لتغيير الوضع الحالي، مثل مهاجمة الآخرين عبر الإنترنت ونشر معلومات مضللة وتخريب الممتلكات العامة أو الخاصة. وترتفع هذه النسبة بشكل واضح بين من تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عاما إلى 53%. وتبرز قضية الأخوين مينينديز كمثال على هذا التحول، إذ صار البعض ينظر إليهما على أنهما ضحيتان حاولا تحقيق العدالة التي لم يكن بإمكان النظام القضائي أن يمنحهما إياها.

الاحتفاء بالأبطال الشعبيين المعاصرين يثير تساؤلات أخلاقية جوهرية، إذ أن تمجيد الأفراد الذين يرتكبون أعمالا عنيفة قد يؤدي إلى تطبيع هذه الأفعال في المجتمع، حتى وإن كانت دوافعهم “مشروعة”. ومع تزايد إمكانية وصول الشباب إلى الإنترنت، فإن الرسائل التي تمجد السلوك العنيف أو تبرره – خاصة إذا افتقدت إلى تحليل دقيق للسياق – قد تسهم في تقبل الشباب لهذه الأفعال.

تكشف ظاهرة بروز الأبطال الشعبيين المعاصرين عن التداخلات المعقدة بين الفعل الفردي والتغيير الاجتماعي. وتعد قصص هؤلاء الأفراد انعكاسا حقيقيا للتغيرات الجذرية في القيم الاجتماعية المتعلقة بالعدالة والأخلاق والتقدم الاجتماعي، لا سيما في ظل تزايد الاستقطاب السياسي وانعدام الثقة في المؤسسات. هذه الروايات وطبيعة التفاعل معها تعمل كمرآة للتوترات الاجتماعية، وتعكس اللحظات التي تبدأ فيها الأفعال المتمردة شرارة لإشعال حركات اجتماعية أوسع نطاقا.

العلامات: