بعد 15 شهرا من الحرب الإسرائيلية الوحشية على غزة ومقتل عشرات الآلاف من المدنيين، أصبح وقف إطلاق النار على بعد أيام فقط، بعد أن توصلت إسرائيل وحماس إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بوساطة مصرية وقطرية وأمريكية، والذي من المقرر أن يدخل حيز التنفيذ يوم الأحد 19 يناير. وكان رئيس الوزراء القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني أعلن الأنباء الليلة الماضية، مضيفا في إعلانه "نأمل أن تكون هذه نهاية فصل مظلم من الحرب".
المحادثات "استمرت حتى الساعات الأولى من يوم الأربعاء، مع وجود [الوسطاء] في الطابق العلوي مع المفاوضين الإسرائيليين، وحماس في الطابق السفلي، حيث جرى الاتفاق على عشرات التفاصيل"، بحسب صحيفة فايننشال تايمز. ومن المقرر أن يجتمع الوسطاء الأمريكيون والقطريون مع نظرائهم المصريين في القاهرة يوم الخميس لإجراء محادثات "حول تنفيذ الاتفاق من جميع جوانبه"، حسبما قالت الصحيفة نقلا عن مسؤول في الإدارة الأمريكية.
ما نعرفه عن المرحلة الأولى من الاتفاق:
- ستشمل المرحلة الأولى من وقف إطلاق النار والتي تستمر ستة أسابيع انسحابا تدريجيا للقوات الإسرائيلية من وسط غزة، مما يسمح بعودة النازحين الفلسطينيين إلى المناطق في شمال القطاع، وفقا لمسؤول مطلع على المفاوضات، بحسب رويترز.
- وافقت حماس على إطلاق سراح 33 محتجزا إسرائيليا، وستبدأ بالنساء والأطفال والرجال لمن هم فوق الخمسين عاما، ثم رفات القتلى الإسرائيليين.
- في المقابل، ستفرج إسرائيل عن 30 معتقلا فلسطينيا مقابل كل محتجز مدني و50 مقابل كل مجندة إسرائيلية يتم الإفراج عنها.
- من المتوقع أن تفرج إسرائيل عن ما بين 990 و1650 معتقلا فلسطينيا بنهاية المرحلة الأولى، بما في ذلك جميع النساء والأطفال دون سن 19 عاما المعتقلين منذ أكتوبر 2023.
- ستقوم حماس بالإفراج عن المحتجزين على مراحل على مدى ستة أسابيع، بحيث يجري الإفراج عن ثلاثة على الأقل كل أسبوع، وسيجري الإفراج عن جميع المحتجزين الأحياء قبل عودة الرفات.
سيعقب هذا المرحلة الثانية والثالثة من الاتفاق اللتان لم يجر الانتهاء منهما بعد: بحلول اليوم السادس عشر من سريان وقف إطلاق النار، ستبدأ المفاوضات بشأن المرحلة الثانية التي تشمل إطلاق سراح جميع المحتجزين المتبقين ووقف دائم لإطلاق النار والانسحاب الكامل للقوات الإسرائيلية. وستعمل المرحلة الثالثة على تسهيل إعادة إعمار غزة تحت إشراف مصر وقطر والأمم المتحدة.
يأتي هذا في الوقت الذي تستعد فيه مصر لإدخال أكبر قدر ممكن من المساعدات الإنسانية إلى القطاع، حسبما قال مصدر مطلع لموقع القاهرة الإخبارية. وينص الاتفاق على السماح بدخول 600 شاحنة محملة بالمساعدات الإنسانية، بما في ذلك 50 شاحنة محملة بالوقود، إلى غزة يوميا خلال فترة وقف إطلاق النار، مع تخصيص 300 شاحنة منها لشمال القطاع، بحسب ما قاله المسؤول الأمريكي لوكالة رويترز.
من جانبه، رحب الرئيس عبد الفتاح السيسي بالتوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار، مشددا على "أهمية الإسراع في إدخال المساعدات الإنسانية العاجلة لأهل غزة، لمواجهة الوضع الإنساني الكارثي الراهن"، بحسب بيان صادر عن رئاسة الجمهورية.
هذا ليس اتفاقا نهائيا: رغم تصدر أخبار اتفاق وقف إطلاق النار عناوين الصحف المحلية والأجنبية، ورغم الاحتفالات التي بدأت في العديد من الدول، إلا أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قال إن هناك بعض البنود في الاتفاق "لا تزال مفتوحة"، بحسب مكتب نتنياهو. ومن المتوقع أن يصدر رئيس الوزراء الإسرائيلي إعلانا بمجرد الانتهاء من "تفاصيل الاتفاق".
إعادة إعمار غزة سيكون تحديا هائلا: التكلفة الإجمالية لإعادة إعمار قطاع غزة قد تتجاوز 80 مليار دولار عند احتساب الآثار طويلة الأجل، حسبما قال دانيال إيجل الخبير الاقتصادي في مؤسسة راند لبلومبرج، مضيفا أنه "يمكنك إعادة بناء مبنى، ولكن كيف يمكنك إعادة بناء حياة مليون طفل؟". لقد تضرر أكثر من 70% من منازل غزة، إلى جانب المدارس والمستشفيات والشركات، مخلفا وراءه أكثر من 42 مليون طن من الحطام الذي قد يستغرق سنوات وآلاف العمال وما يصل إلى 700 مليون دولار لإزالته.
غزة تحتاج دعما ماليا ضخما لإعادة الإعمار. تعهدت العديد من الدول، بما في ذلك دول الخليج والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة واليابان، بتقديم الدعم المالي اللازم لإعادة إعمار غزة، لكن لا شيء ملموس حتى الآن. كما أن هناك مخاوف من المانحين الرئيسيين - بما في ذلك قطر - بشأن إنفاق الأموال على إعادة إعمار غزة وسط سلام غير دائم.
الأسواق ترتفع بفضل تلك الأنباء: أنهت جميع الأسهم الأمريكية تداولات الأربعاء على ارتفاع، إذ سجلت المؤشرات الرئيسية الثلاثة أكبرمكاسبهااليومية منذ أكثر من شهرين، بدعم من عدة عوامل بما في ذلك اتفاق وقف إطلاق النار الذي جرى التوصل إليه أمس، وبيانات التضخم القوية، ونتائج الأعمال الجيدة للبنوك الأمريكية. وارتفع مؤشر ستاندرد أند بورز 500 بنسبة 1.83%، كما أغلق مؤشر داو جونز الصناعي مرتفعا بنسبة 1.65%، وقفز مؤشر ناسداك المركب بنسبة 2.45%. وأغلق مؤشر راسل 2000 للشركات الصغيرة على ارتفاع بنسبة 2%.
أسواق السندات الحكومية في المنطقة تفاعلت هي الأخرى إيجابيا: سجلت السندات الحكومية المصرية والأردنية تحسنا بعد اتفاق وقف إطلاق النار، وفقا لما ذكرته وكالة رويترز، وهو ما أرجعه المحللون إلى انحسار المخاطر الجيوسياسية.
وهيمن اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة على اهتمامات مقدمي برامج التوك شو في مصر الليلة الماضية، والذين رحبوا بالاتفاق الذي يأتي بعد حرب وحشية أتت على الأخضر واليابس في القطاع. وقدم كل من شريف عامر في برنامجه "يحدث في مصر" (شاهد 3:29 و4:46 و5:09 دقيقة) وأسامة كمال في "مساء دي إم سي" (شاهد 32:15 دقيقة) عرضا مفصلا لبنود الاتفاق ومراحله والتوقعات للمرحلة المقبلة.
"العرب والمنطقة ككل عاشت كابوسا، وهم يشاهدون أشقاءهم في غزة يذبحون بدم بارد، ويتعرضون لكل أنواع الأعمال الإجرامية التي يمكن أن يرتكبها أي جيش احتلال؛ لكن ليس بمثل ما حدث هناك، فلم يسبق لهولاكو ولا لأي منحط أخلاقيا أن فعل ما ارتكبته إسرائيل بغزة"، وفق ما قاله أسامة كمال، الذي شدد على ضرورة استمرار وقف إطلاق النار وصولا إلى سلام شامل بين الطرفين.
أشار البعض، ومن بينهم عامر، إلى دور ترامب في التوصل لوقف إطلاق النار، قائلا "نتنياهو لا يوقع على اتفاقات، ولا يريد ذلك، لكنها هدية (الاتفاق) أجبر على تقديمها للساكن الجديد للبيت الأبيض (ترامب)".