هل تغير الكتب الإلكترونية قواعد القراءة؟ حين سقطت بغداد عام 1258، تغير لون نهر دجلة إلى الأسود بعد إلقاء المغول آلاف المخطوطات الأصلية في مياهه الجارية، ليكتبون واحدة من أكبر الخسائر الثقافية في التاريخ ويمحون قرونا كاملة من المعرفة الإنسانية في شتى العلوم والآداب. ومع تراجع الكتب الملموسة وصعود البدائل الإلكترونية في العصر الحديث، صار من المستبعد وقوع خسائر بذلك الحجم، لكن التقدم المستمر في الرقمنة يدعو إلى التساؤل: هل تختفي الكتب الورقية تماما في يوم ما؟
**اضغط على عنوان الفقرة بالأعلى لقراءتها كاملة مصحوبة بكل الروابط**
الأرجح أن هذا لن يحدث: صمدت الكتب وتكيفت مع كل التحولات التكنولوجية، من المخطوطات في مصر القديمة إلى مطبعة جوتنبرج في القرن الخامس عشر وحتى الطباعة الحديثة. ومع ظهور الراديو والتلفزيون والإنترنت، توقع كثيرون مرارا وتكرارا نهاية عصر القراءة، لكننا ما زلنا هنا نقلب بين الصفحات ونفتش عن الكتب الورقية بوسائل شتى.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن الكتب الإلكترونية قد غيرت المشهد. منصات مثل كيندل وتطبيقات مثل أوديبل جعلت من السهل على القراء حمل أعداد هائلة من الكتب معهم في أي مكان طوال وقت. كما أن السوق تشهد نموا ملحوظا، إذ تشير التوقعات إلى تحقيق عائدات تصل إلى 14.6 مليار دولار بنهاية العام الجاري، ترتفع إلى 15.3 مليار دولار في 2027. وفي الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، من المتوقع أن تتجاوز عائدات الكتب الإلكترونية 291 مليون دولار في 2024، ترتفع إلى 302 مليون دولار بحلول عام 2029.
النشر الرقمي صنع تغييرات جذرية في الصناعة أبرزها انتشار النشر الذاتي، خصوصا مع الإغراءات التي توفرها منصات مثل أمازون كيندل دايركت بابليشينج للكتاب بالحصول على 35-70% من عائدات الكتب التي ينشرونها عبر المنصة، وهي نسبة أكبر بكثير ما تقدمه دور النشر التقليدية (16-25% فقط)، وفق تقرير فوربس. وقد حقق بعض المؤلفين نجاحا ملحوظا بهذا الأسلوب، رغم استمرار التساؤلات حول مصداقية الكتب المنشورة ذاتيا ومخاوف إغراق السوق بسيل هائل من المحتوى الجديد.
شعبية الكتب الإلكترونية والصوتية زادت بشكل ملحوظ في العالم العربي، لا سيما مصر والسعودية والإمارات. ففي عام 2018، أضافت أمازون كيندل دعما للنصوص العربية، مما فتح الباب أمام عدد أكبر من القراء للاستفادة من جهازها الشهير. كما ظهرت شركات محلية بارزة مثل مع " أبجد " العمّانية التي تقدم أكثر من 28 ألف كتاب مقابل رسوم اشتراك، و" رفوف " في دبي والتي توفر أكثر من 25 ألف كتاب عربي مقابل اشتراك شهري، و" نيل وفرات " في بيروت والتي تقدم أكثر من 23 ألف كتاب إلكتروني يمكن قراءته عبر تطبيق " أي كتاب ". بالإضافة إلى ذلك، إتاحة النسخ الرقمية من الكتب الإنجليزية تسهل الوصول إلى مؤلفات باهظة التكلفة ورقيا، مما يجعلها خيارا مفضلا لكل من القراء والموزعين.
ورغم ازدياد انتشار الكتب الإلكترونية، تظل الكتب الورقية مهيمنة على السوق خاصة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ففي العام الماضي، شكلت الكتب الإلكترونية نحو 30% من مبيعات الكتب عالميا، لكن حصتها في العالم العربي لم تتجاوز 10%، وهي نسبة منخفضة بشكل ملحوظ. ويرتبط استمرار هيمنة الكتب الورقية جزئيا بالتعلق الثقافي العميق بالنصوص المكتوبة، إلا أن هناك أيضا تحديات أساسية تواجه النشر الإلكتروني في المنطقة مثل ضعف البنية التحتية للتوزيع وغياب بيئة تنظيمية مناسبة لدعم انتشار الكتب الإلكترونية.
بيع الكتب رقميا يشكل تحديا كبيرا في الاقتصادات التي تفضل الدفع عند الاستلام، وفقا لما أوضحه مؤسس منصة رفوف شادي الحسن لمجلة عرب ليت. وقد حاولت بعض الشركات مواجهة هذا التحدي بالمشاركة مع رعاة حكوميين أو غيرهم للسماح بتوفير الكتب مجانا للقراء، أو من خلال جمع مبالغ نقدية من المستخدمين وتحويلها إلى أرصدة رقمية تستخدم لشراء الكتب الإلكترونية.
القرصنة تمثل أيضا مصدر قلق كبير، لأن رقمنة الكتب تجعلها أسهل في النسخ والتوزيع بطرق غير قانونية، مما يؤدي إلى انخفاض كبير في العائد على الاستثمار بالنسبة للناشرين. كما أن معظم الناشرين يتجنبون الكتب الإلكترونية خوفا من سرقة المحتوى وتكراره، حسبما تؤكد مديرة المحتوى بمنصة رفوف ضحى الرفاعي لموقع تك إكس. ورغم أن هذه مشكلة عالمية، ما زال مجال النشر الإلكتروني العربي بالتحديد يفتقر إلى اللوائح اللازمة، طبقا للرفاعي. بعض الناشرين يستخدمون تقنيات مثل إضافة علامات مائية للحد من مخاوف القرصنة، إلا أن الأمر يتطلب أيضا تغييرا ثقافيا أوسع في طريقة التعامل مع الكتب الإلكترونية، إذ يرى الحسن أن "كثيرين يعتبرون أن المحتوى الرقمي يجب أن يكون مجانيا".