💸 اقتصاد الاشتراكات المدفوعة يبتلع العالم: شهد عام 2023 نموا في اقتصاد الاشتراكات بنسبة 435% مقارنة بحجمه عام 2012، أي بمعدل زيادة بلغ 3.7 أضعاف نمو الشركات المدرجة على مؤشر ستاندرد أند بورز 500، والتي تتكون في أغلبها من شركات قائمة على المنتجات التقليدية، حسبما يوضح مؤشر اقتصاد الاشتراكات الصادر عن مؤسسة زورا، والذي يتتبع أداء الشركات التي تقدم خدمات تتطلب دفع مقابل مادي. ومن المتوقع أن يصل حجم سوق اقتصاد الاشتراكات العالمي إلى 1.5 تريليون دولار بحلول عام 2025.
**اضغط على عنوان الفقرة بالأعلى لقراءتها كاملة مصحوبة بكل الروابط**
اشتراك لكل شيء: معظم منصات الإنترنت تتطلب دفع رسوم للحصول على الخدمات، سواء كانت مشاهدة الأفلام أو الاستماع إلى الموسيقى أو ممارسة ألعاب الفيديو. لكن الاشتراكات لا تتوقف عند هذا، بل تمتد إلى ماكينات الخياطة وفرش الأسنان والثلاجات وحتى السيارات.
خسائر المستخدمين تتجاوز المال: تغير الاشتراكات طبيعة علاقتنا بالأشياء التي نستخدمها ونعتمد عليها بطريقة كبيرة، إذ أصبح من الطبيعي أن يشتري المستهلك منتجا باهظ الثمن ثم يستمرون في دفع الأموال من أجل استخدامه. أكثر الأمثلة تطرفا على هذه الحالة شركة إتش بي، التي لا تسمح باستخدام طابعاتها دون اشتراك مستمر في خدمة إعادة تعبئة الحبر “إنستانت إنك”، حتى لو كانت خراطيش الحبر ممتلئة بالفعل. وفي حال انتهاء صلاحية الكارت البنكي أو فقدت الطابعة الاتصال بالشبكة، تتجه إتش بي إلى تعطيل الجهاز عن بعد.
إذا كان القانون يسمح للشركات بتعطيل المنتج الذي اشتراه المستهلك في أي وقت، فإنه يخرج بذلك من قائمة المشتريات إلى قائمة المنتجات التي نحصل على ترخيص باستخدامها، مثل ما تفعله مايكروسوفت وبلاي ستيشن ويوبي سوفت مع منتجاتها.
إن أردنا توجيه أصابع الاتهام إلى أحد بعينه، فربما علينا العودة للوراء إلى القرن الخامس عشر. نموذج الخدمة مقابل الاشتراك كان موجودا على الأقل منذ اختراع الصحافة المطبوعة، إذ كان يتعين على المهتمين بتلقي إصدارات منتظمة من الصحف أو المجلات أن يسجلوا في الخدمة من خلال كتابة الأحرف الأولى من أسمائهم في أسفل وثيقة الاتفاقية. بل أن حتى كلمة اشتراك بالإنجليزية تتكون من مقطعين: Sub أي جزء من، وScribe أي كتابة. ساعدت هذه الاتفاقيات على كسب الناشر ولاء العملاء، وبالتالي ضمان دخل ثابت مقابل منح عملائه القيمة المضافة، والتي تتضمن توصيل أحدث نسخة من الجريدة أو المجلة بمجرد صدورها إلى باب البيت.
ظهرت اشتراكات الوسائط الإعلامية كما نعرفها لأول مرة في عام 1948، حين قدمت خدمة التلفزيون عبر الكابل في الولايات المتحدة إشارة أعلى جودة لمن يدفعون مقابلها. وفي عام 1997 ولدت خدمة نتفليكس الشهيرة، ووسعت هذا المفهوم ليشمل المسلسلات والأفلام والوسائط عامة حسب الطلب، كما طورته ليشمل التوصيل وإلغاء رسوم التأخير في الإرجاع. وعندما أعادت إطلاق منصتها كخدمة بث في عام 2007، قدمت نتفليكس خدمة ثورية لا تقدر بثمن: مشاهدة أفلام ومسلسلات عند الطلب دون الحاجة إلى تخزينها، وذلك مقابل رسوم شهرية معقولة. وخلال الفترة ما بين بداية الألفية وحتى عام 2010، حافظت الشركات بشكل معقول على التوازن بين راحة المستهلك والرسوم الشهرية.
إذن كيف وصلنا هنا؟ بدأت فئة الاشتراكات الجديدة التي تتطلب الدفع مقابل الاستمرار في استخدام شيء نملكه بالفعل مع شركة سيلزفورس. في بداية ظهور برامج السوفت وير كانت تباع على أقراص مضغوطة (سي دي)، وبهذا يحتفظ بها المستخدم مدى الحياة. أدخلت سيلز فورس نظام شراء البرامج السحابية والقابلة للتحميل (البرمجيات كخدمة) في عام 1999، وقد قادت اتجاها عالميا إلى تحصيل رسوم شهرية قليلة على السوفت وير للحصول على أحدث إصدارته دائما، وبالتالي لم يعد البرنامج منتجا تشتريه مرة واحدة بل خدمة تدفع رسوما شهرية لضمان استمراريتها.
نجاح سيلز فورس كان ضخما: طرحت الشركة أسهمها للاكتتاب العام في عام 2004 وقد كان الطرح الأنجح على الإطلاق خلال العام، ثم سار الجميع تقريبا على نهجها. ففي عام 2010، أطلقت مايكروسوفت حزمة “أوفيس 365” المعتمدة كليا على الاشتراك. وقفزت إيرادات مايكروسوفت السنوية بنسبة 187% إلى 211.9 مليار دولار في عام 2023، مقابل 73.7 مليار دولار في 2012، وجاء معظم هذا النمو مدفوعا بعوائد المنتجات السحابية وخدمات الاشتراك. كما اتجهت شركة أدوبي إلى الاعتماد على الاشتراكات فقط في عام 2013. وبينما يعتبر كثيرون أن أبل تقوم على الأجهزة (مثل أيفون وأيباد وغيرها)، فإن أكبر مصادر الإيرادات نموا لدى الشركة العام الماضي كان قطاع الخدمات القائمة على الاشتراكات، والذي حقق ارتفاعا بنسبة 12% إلى 25 مليار دولار.
لكن المستخدمين سئموا الاضطرار لدفع اشتراكات مقابل كل الخدمات، وفقا لتقرير وول ستريت جورنال، وهي ملاحظة مثيرة للسخرية لأن التقرير نفسه ليس متاحا سوى لدافعي الاشتراكات. المستثمرون يفضلون البرمجيات كخدمة، ولكن أين تكمن قيمة العميل ؟ تبلغ تكلفة برنامج أدوبي فوتوشوب نحو 553 جنيها في الشهر، وبهذا يتجاوز ما يدفعه العميل قيمة البرنامج نفسه في أقل من عامين.
هل يحصل المستخدم على أي قيمة إضافية مقابل التكلفة المتزايدة؟ لا. فالبرامج لا تتحسن بشكل كبير بما يكفي لتبرير الدفع المستمر، فمثلا ظل برنامج وورد على حاله تقريبا منذ عام 2006 باستثناء بعض التعديلات في التصميم، لتتحول البرمجيات كخدمة إلى وسيلة تستغلها الشركات لانتزاع بعض الأموال الإضافية من المستهلكين. وشيئا فشيئا، وجدت الاشتراكات طريقها بعيدا عن أجهزة الكمبيوتر إلى المتعلقات المادية الأخرى، وتحولت أشياء لم تحتج يوما للاتصال بالإنترنت إلى خدمات ندفع مقابلها اشتراكات باهظة.
السوفت وير هو نقطة البيع الجذابة في المنتجات الذكية، لكن هذه الأجهزة لها عمر افتراضي أقصر من الأجهزة العادية بكثير، كما أن من يشترونها لا يستخدمون كل مميزاتها الفاخرة. وإلى جوار الأعطال المادية، تصاب البرامج المشغلة للأجهزة بأعطال خاصة بها وتحتاج إلى الصيانة، مما يصعب ممارسة بعض المهام اليومية المعتادة بشكل أكبر بكثير مما تتخيله.
كل هذا مقصود: “هدفنا تقليل عدد ما نسميه ‘العملاء غير المربحين’، لأن كل مرة يشتري فيها العميل طابعة تعتبر استثمارا لنا، أما إذا لم يستخدمها العميل ما فيه الكفاية أو لم يشتر إمداداتنا، يتحول إلى استثمار سيئ”، حسبما ذكر الرئيس التنفيذي لشركة إتش بي إنريكي لوريس خلال مقابلة تلفزيونية (شاهد 7:30 دقيقة). اعتراف لوريس يؤكد أن نموذج الاشتراكات مصمم لحصد الأموال من المستخدمين لمجرد أنهم يمتلكون المنتج، بينما لا يضيف في الحقيقة أي قيمة جديدة إلى العميل.
لم يعد المستخدمون يدفعون مقابل الراحة، بل مقابل عدم التعرض للإزعاج. توقفت الشركات القائمة على الاشتراكات عن الاهتمام بمدى صعوبة تجارب المستخدمين طالما أنها تحقق ربحا، ولم تعد مضطرة إلى كسب ولاء عملائها للحصول على الإيرادات المتوقعة، بل يمكنها ببساطة فرض مزيد من التعقيدات غير الضرورية على منتجاتها لخلق احتياج مادي لم يكن ضروريا من البداية.