بعد مضي أكثر من سبعة أشهر على تعويم الجنيه، يمكن القول بأن كثيرا من الشركات المصرية تتطلع للاستثمار في الخارج أكثر مما يتطلع المستثمرين الأجانب لدخول مصر. من أجل مزيد من الإيضاح لاستكشاف ما إذا كان ذلك حقيقة أو محض فرضية لا تتجاوز الظن، أجرينا مقابلة مع علي تقي رئيس الخدمات المصرفية التجارية لدى بنك إتش إس بي سي مصر.

يعمل تقي في إتش إس بي سي منذ أكثر من 13 عاما، تنتقل خلالها بين الإمارات ونيويورك والأردن ومصر. يمثل إتش إس بي سي قناة رئيسية لدخول مصر بالنسبة للمستثمرين الأجانب، ويعمل مع الشركات في الداخل التي تسعى للنمو خارج الحدود. وإليكم مقتطفات من الحوار:

إنتربرايز: كيف تغيرت ممرات التجارة منذ قدومك إلى مصر قبل عامين ونصف؟

علي تقي: كانت مصر مكانا وددت القدوم إليه، لأنها سوق استراتيجية بالنسبة لنا، ولديها كل الأمور الجيدة التي تجعلنا نسعى إليها. التجارة قطعة جوهرية من أعمالنا — فنحن موجودون من أجل تيسير التجارة. ومن ثم فإن الممرات التجارية، والاتجاهات الرائجة، والتطور — جميعها مهمة حقا بالنسبة إلينا.

حين تقرأ التقارير التي تنشر في الصحف أو حين تنصت للمحللين — يردد جميعهم نفس الشعور: وهو أننا نتجه نحو انحسار العولمة. غير أن ذلك ليس ما نراه، وليس ما يخبرنا به عملاؤنا. بل إنهم يرون في واقع الأمر مزيدا من روح العولمة، ويرون سلاسل توريد أكثر تكاملا. أجل، كانت هناك بعض الاضطرابات هنا وهناك، لكن الحقيقة تقول إن مستويات أعمالنا — ومستويات تجارتنا — تشير إلى أن تلك الممرات التجارية تنمو.

تمثل عملياتنا في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا نشاطا تجاريا آخذا في النمو، وهذا النمو يدعمه مستوى التجارة والاستثمارات الجارية في المنطقة وخارجها. تجسد مصر واحدة من الأسواق الرئيسية في المنطقة بالنسبة إلينا — فلديها جميع الركائز السليمة، ولذا فهي سوق نمو بالنسبة لنا، بجانب كونها قلب التجارة من منظور جغرافي.

نرى نمو التجارة في السوق المصرية مع الصين وآسيا والسعودية والإمارات، بل وحتى مع أوروبا. وقد وضعت مصر ضمن أولوياتنا التي تخص تطبيق حلولنا التجارية العالمية لإتش إس بي سي — وهي عملية تحديث كاملة من الخلف إلى الأمام، ومصر كانت واحدة من الأسواق ذات الأولوية من أجل تنفيذ هذا المشروع.

وفي غضون ذلك، تصير سلاسل التوريد أكثر تكاملا، ونحن — بوصفنا أحد البنوك — في وضع يدعم ذلك.

إنتربرايز: ما الذي يقود نمو التجارة على المستوى المحلي؟ وما هو مقدار النمو الذي يأتي من الشركات المصرية التي تتطلع للتوسع خارج البلاد؟ وما هو مقدار النمو الذي يأتي من الشركات الصينية التي تبحث عن مناطق التصنيع الساحلية الأقرب من أوروبا؟ وما هو مقدار النمو القادم من السعودية والإمارات؟

تقي: إنه متوازن للغاية. لقد تضاعف عدد الشركات المحلية التي تأتي إلينا وتتطلع لإطلاق عمليات أو تأسيس فروع في السعودية والإمارات، عدة أضعاف، وذلك يخلق نموا بأبعاد متعددة.

لكننا أيضا نجلب العملاء إلى هنا. فالمستثمرون القادمون من الخارج يرون الركائز طويلة الأجل التي تمتلكها مصر — فهم يرون التعداد السكاني البالغ أكثر من 100 مليون نسمة، والأيدي العاملة المدربة، والموارد الطبيعية الهائلة، والعوائد على استثماراتهم. إنهم مقتنعون للغاية بحكاية مصر. يتضمن هذا المستثمرين وأصحاب الشركات في آسيا، وتحديدا في جنوب آسيا.

إنتربرايز: توجد إذن شهية للاستثمار في الوقت الراهن؟

تقي:لدينا عملاء محددون يجرون بالفعل الفحص النافي للجهالة. التحديات قائمة، لكن تذليل العقبات أمام مجيئهم إلى هنا هو مجال تميزنا. ولكن على أي حال، ثمة توازن بين كم الشركات المحلية التي تتوسع في الخارج والشركات الأجنبية التي تؤسس فروعا لها هنا.

إنتربرايز: ما مدى أهمية الصين في هذا المزيج، إذا قارنا الوقت الحالي بما قبل عامين ونصف؟ هل نفعل ما يكفي لجذب الشركات الصينية؟

تقي:الصين ذات أهمية ضخمة لأسباب عدة. التكنولوجيا، والمعرفة التقنية التي يجلبونها معهم، والحقيقة التي تقول إنهم يصوبون أنظارهم إلى الخارج — كل هذا يجعلها سوقا ضرورية بالنسبة إلينا. إنها ذات أهمية ضخمة وليس لك أن تتجاوز تلك الحقيقة من وجهة نظر تجارية، حسبما أعتقد. لدينا بالفعل مكتب إقليمي للصين هنا في مصر. كان هذا المكتب موجودا منذ سنوات، وينفذ عمليات في مختلف التخصصات. لقد جعلناه يغطي الأسواق، والتجارة، والمدفوعات.

أعتقد أن الكثير من الأمور تنفذ من أجل جذب المستثمرين الصينيين. جاءت الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة معنا إلى الصين للتحدث مع المستثمرين الصينيين. وتلقينا مردودا إيجابيا منهم — وقد بدأنا نتلقى الكثير من الاهتمام على إثر ذلك.

إنتربرايز: ما هي التساؤلات الكبرى التي يطرحها الأجانب عليكم الآن حول مصر، سواء على صعيد التجارة أو الاستثمار؟

تقي:كان العامان الماضيان مليئين بالتحديات، إذ إن استقرار سعر الصرف كان شاغلا رئيسيا بالنسبة للعملاء الذين يريدون الاطمئنان أنهم يحصلون على العوائد التي توقعوها. والحقيقة التي تشير إلى تباطؤ التضخم العام وإلى أن الأمور في العموم تتحرك في اتجاه إيجابي حسبما يبدو، كانت مبشرة للمستثمرين.

شهدت الأشهر الثمانية عشرة الأخيرة تحسنا كبيرا على صعيد البيئة الملائمة للأعمال، إذا نظرت إلى ما جلبته الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة فيما يخص إجراءات التبسيط — وذلك كله كان إيجابيا. لكن المستثمرين يحتاجون إلى رؤية بعض الاستقرار، والتقلبات الصحية في سعر الصرف، وتحرك المؤشرات في الاتجاه الصحيح.

إنتربرايز: ما هي الحالة المزاجية بين عملائك المصريين حاليا؟

تقي: إنهم يفكرون في طريقة تأمين أعمالهم المستقبلية من أية صدمات محتملة على مستوى الاقتصاد الكلي. فالحالة المزاجية هي: نحن منخرطون في الأمر برمته، ونمضي قدما. تتمتع الشركات المصرية بقدرة هائلة على الصمود والمرونة، ومستوى صمودها ومرونتها وتفكيرها الاستراتيجي ملحوظ للغاية.

ولكن إذا نظرنا بواقعية، سنجد أن ثمة "ترقب". الكل يأمل في الأفضل ويسعى جاهدا من أجله، لأنهم يرون ما تراه الأطراف المعنية الدولية. ولكن توجد حالة من توخي الحذر.

إنتربرايز: ما هي أمثلة الأخطاء التي يرتكبها الشركات المصرية عندما تصوب أنظارها إلى الخارج؟ وهل هناك علامات تبرهن على أن شركة ما تعرف ما الذي تفعله عندما تنظر إلى الخارج؟

تقي: الأمر يعتمد على القطاع المستهدف، لكن الخطوة الأولى هي استيضاح إذا ما كانوا قد وضعوا خطة تفصيلية للمنافسة. وهؤلاء الذين وضعوا مثل هذه الخطة، عرفوا تماما هوية منافسيهم، وعلموا الجوانب التي يرجح أن يكونوا أكفاء فيها. فهؤلاء رسموا خطة تفصيلية على نهج تحليل SWOT (القوة، والضعف، والفرص، والتهديدات) — أي الجوانب الإيجابية التي يحوزونها، والجوانب السلبية التي لديهم. ووجدوا فجوة، فانخرطوا في تخطيط شديد الدقة لما يدور حول ذلك التحليل. وبنوا نموذج تكلفة/ربحية/إيرادات صارما للغاية. من الناحية الاستراتيجية، لم يسعوا وراء نمو محموم — بل كانوا يسعون وراء شيء مستدام. كانت الإيرادات موجودة، وكانوا على دراية بأنهم قادرون على الحصول عليها.

ما يميز العمل التجاري الناجح، هو أن المالك يكون صاحب فكر استراتيجي للغاية حول "السبب". لم يتعلق الأمر بالتوسع لأن السعودية كانت الشيء الجديد — بل لأنهم رغبوا في بناء عمل تجاري دولي مستدام. فمثلا يقول هؤلاء: "أنا أشعر أن لدي منتجا، أو مقترحا غير متوفر في بعض الأسواق، وأشعر أنني قادر على ملء تلك الفجوة" — فتلك الرؤية الواضحة مهمة.

أخيرا، الوعي برأس المال البشري يشكل عاملا أساسيا آخر. إنهم يعرفون تماما الأشخاص الذين يحتاجون إليهم، أي "كيف سأعين أفضل مدير عام، وما الذي سيجعلني جذابا بالنسبة لهم؟ وكيف أحفزهم؟"، فكلها تساؤلات مهمة ينبغي التفكير فيها، وهي تساؤلات يجري إهمالها في أغلب الأوقات.

إنتربرايز: هل هناك قطاعات يكون الزخم حولها بالنسبة للشركات المصرية أكثر من قطاعات أخرى؟

تقي:لدى مصر ميزة على صعيد الطاقة المتجددة والتصنيع. فعلى صعيد الطاقات المتجددة، تملك مصر وفرة في الموارد، واستراتيجية حكومية واعدة، ورأس المال البشري لتنفيذ مشروعات الطاقة المتجددة — كل ذلك قابل للتصدير إلى أي بلد آخر تكون لدى حكومته استراتيجية واضحة.

أما على صعيد التصنيع، فقد ساعدنا عددا من العملاء لتأسيس أعمالهم في السعودية — ذهب هؤلاء العملاء إلى هناك بفرق التصنيع الخاصة بهم، لأنهم على دراية بأنهم قادرون على تكرار خبراتهم هناك، وأنهم قادرون على إصلاح الكثير من أوجه القصور الموجودة في هذه الأنواع من الأسواق.

إنتربرايز: من السهل بدرجة معقولة الذهاب والفوز بحصة من عقد بنية تحتية حكومي في السعودية، ولكن من الأصعب دخول السوق والمنافسة بوصفك طرفا فاعلا في القطاع الخاص يتطلع للفوز بأعمال تجارية في هذا القطاع. فما الذي ترونه؟

تقي: ما نراه من واقع أعمالنا أنهم ينافسون في كلتا الجبهتين. بكل وضوح، لدى الحكومة السعودية دور كبير لتضطلع به — إذ إنهم ينمون ويستثمرون — ولكن كانت هناك مشروعات مشتركة كثيرة اجتذبت عملاء مصريين. نرى أيضا أن بعض الأطراف الفاعلة الأصغر لدينا تنشط في السوق السعودية، وتقدم العروض للفوز بأعمال تجارية في القطاع الخاص المحدد الذي تعمل فيه. إنه نهج ينجح أحيانا ويفشل في أحيان أخرى، لكن الأمر مثل أي سوق أخرى.

إنتربرايز: ما هو الشيء الذي يجذب الشركات إليكم محليا في بيئة ذات معدل فائدة مرتفع؟

تقي: عدد من الأمور. الركيزة الأساسية بالنسبة إلينا هي إدارة السيولة — إننا نرى العديد من العملاء يطبقون نهجا أشد صرامة بكثير على صعيد إدارة السيولة، لأنهم يريدون تمويل أنفسهم ذاتيا بقدر المستطاع. ونحن نساعدهم في أخذ أموالهم، ونساعدهم في استخدامها في المجالات التي يريدون الدفع فيها إلى الموردين على دفعات، وأعتقد أن لدينا حلول إدارة السيولة الأفضل في فئتها.

أعتقد أن الأمر الثاني بالنسبة إلينا هو مساعدة العملاء على التصدير. كان ذلك محركا هائلا بالنسبة إلينا. لدينا حس تنافسي للغاية في ذلك المجال، ونريد أن نكون البنك الرائد لدعم النمو الدولي. وأخيرا، تمثل مساعدة عملائنا في الانتقال دافعا رئيسيا آخر بالنسبة لنا. نفعل ذلك من خلال تقديم النصيحة، والمنتجات، والمقترحات، بالإضافة إلى الأمور الأخرى.

إنتربرايز: ما هي التحديات الموجودة في محفظتكم الآن؟

تقي: كنا مرنين بدرجة ما لأننا قدمنا الدعم للأطراف الفاعلة الصحيحة، والصناعات الصحيحة، وساعدتنا استراتيجيتنا في التنقل عبر تلك المجالات. ما زلنا نتمتع بتمويل جيد للغاية، والعملاء ذوو السيولة العالية يدركون هذا ويريدون التعامل معنا مصرفيا.

يكمن التحدي في قدرة العملاء على أن يكونوا صامدين ومرنين، وذلك مرتبط بالموقف على مستوى الاقتصاد الكلي.

إنتربرايز: ما هي معدلات الفائدة التي نحتاج أن نراها من أجل أن نشهد عودة شهية الاقتراض، أو الومضات الأولى لعودة شهية الاقتراض؟

تقي: بالطريقة التي أراها، استقرار السياسة أكثر أهمية مما ستكون عليه معدلات الفائدة — سواء كانت 20%، أو 30%، أو 15%، فأنا لا أعتقد أن ذلك شيء ينظر إليه المقترضون. أصحاب الأعمال التجارية يريدون الاستقرار. يريدون معرفة ماهية الشيء المقبل عليهم، وسيتولون هم بقية الأمور. بالنسبة إلي، لا يتعلق الأمر سوى بإدارة عمل تجاري منضبط. إنهم ينظرون إلى الموقف ويقولون — ما الذي يتوجب علينا فعله الآن؟ سواء كان ذلك التفاوض على أنواع مختلفة من العقود، أو استخدام أطراف فاعلة دولية، أو حتى التركيز على السوق المحلية.

إنتربرايز: ما الذي تراه في ديناميكيات سوق الصرف الآن؟ وما هي الإشارات التي تشير إلى أننا على المسار الصحيح؟

تقي: نعتقد أننا على الطريق الصحيح، وأعتقد أن السياسات التي جرى إقرارها أعطت قدرا من الثقة، لكنها تحتاج إلى بعض الوقت كي نرى أن هذا سيتواصل. ينبغي أن تنظر إلى الاتجاهات الأساسية — التضخم واحد منها — بالنسبة إلينا، وبوصفنا شركة تجارية، هذه المؤشرات ذات دلالة مرتبطة بما إذا كان العملاء قادرين على مزاولة البيع، وأن القوة الشرائية اللازمة للمضي قدما في ذلك التحرك موجودة بالفعل. إذا استمر استقرار سعر الصرف وتوفر العملات الأجنبية على المدى الطويل، سيتولد الكثير من الثقة لدى المستثمرين الدوليين. ما رأيناه حتى الآن يمثل إشارة إيجابية. وذلك، مقترنا بكون مصر سوقا إيجابية في الأساس، يثير حالة من الشعور بالتفاؤل الحذر.

إنتربرايز: إذا اخترت ثلاث صناعات فائزة بكل وضوح خلال الأشهر الـ 36 المقبلة، فما هي هذه الصناعات؟

تقي: الطاقة المتجددة هي بكل تأكيد واحدة من هذه القطاعات، على المدى القصير والطويل. التصنيع هي صناعة أخرى — لا سيما الأجهزة المنزلية والكهربائية. إنه تعداد سكاني آخذ في النمو، وثمة الكثير من الطلب، وموقع مصر يدفع هذا الأمر إلى الأمام. وأخيرا، سأضم المركبات الكهربائية والهواتف المحمولة — وتحديدا تجميع المكونات. قد أضيف قطاع الزراعة ليكون القطاع الرابع الفائز أيضا. إذا نظرت إلى ما تنتجه مصر، لا سيما بالنظر إلى أن الأمن الغذائي قضية استراتيجية مهمة عالميا، فإنني أعتقد أن مصر لديها دور رئيسي لتضطلع به.

إنتربرايز: ماذا عن المشروعات الصغيرة والمتوسطة؟

تقي: المشروعات الصغيرة والمتوسطة هي من الأعمال المهمة التي ننفذها في مصر. نرى فرصة في مساعدة العملاء في التحرك دوليا. إن الأعمال المتعلقة بالمشروعات الصغيرة والمتوسطة تتركز بدرجة كبيرة حول ما نصفه بـ "الاقتصاد الجديد". لقد أطلقنا مبادرة "آفاق" المخصصة للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، ونركز فيها على دعم التجارة والتكنولوجيا والاستدامة، فهذه القطاعات الثلاثة تشكل الركائز التي يبنى عليها الاقتصاد الجديد.

نحن في موقف فريد يتيح لنا الاستفادة من المنصات التكنولوجية المتطورة الخاصة بالمجموعة، من أجل دعم هذا الجزء المهم في الاقتصاد، وجلب حلول عالمية بحق إلى المشروعات الصغيرة والمتوسطة التي لدينا هنا في مصر. رواد الأعمال المصريون في وضعية ابتكار مواتية، فهم يقودون المسار نحو الوصول إلى اقتصاد الغد في البلاد، لا سيما بالنظر إلى ما يشهده الاقتصاد من تنويع واتصال دولي.