تقف مصر عند منعطف مهم وقد تعيد تشكيل دورها على الساحة العالمية مع استمرار خضوع عالم الأعمال التجارية للكثير من التحولات الجوهرية والأساسية. وثمة خمسة توجهات ناشئة تعمل على إعادة تشكيل التجارة على المستوى العالمي تتمثل في نمو أعمال تجارة الخدمات، وتحولات سلاسل التوريد والاستدامة، ورقمنة المعاملات التجارية بالإضافة إلى منصات الأعمال التجارية والتمويل المضمن، كما أن قدرة مصر على تبني هذه التوجهات من شأنها أن تحدد مستقبلها في عالم التجارة.
في البداية، كان التحوّل نحو الخدمات والمعاملات التجارية الرقمية أمراً ملحوظاً. فبعد جائحة كوفيد، شهدنا ارتفاعاً في الطلب على الخدمات الرقمية، ومن خلال التزامها برقمنة القطاعات الرئيسية، أصبحت مصر في وضع جيد يمكنها من اغتنام هذه الفرصة. ولقد أدى ارتفاع حجم تجارة الخدمات للشركات المصرية بتوسيع نطاق انتشارها على المستوى الدولي من خلال التغلب على القيود المادية والحدود الجغرافية التقليدية.
ولكن التحوّل الأكثر إلحاحاً بداً واضحاً جداً في سلاسل التوريد. إذ لم يعد تركيز الشركات في جميع أنحاء العالم منصباً على التكلفة فقط، بل أصبحت تعطي الأولوية للمرونة والقدرة على الاستمرارية والشفافية في اختيار سلاسل التوريد الخاصة بها. وكانت الجائحة بمثابة ناقوس الخطر– حيث أصبحت التجارة العالمية بحاجة إلى التنويع للتخفيف من حدة المخاطر. ومن خلال موقعها المتميز ونظامها البيئي التجاري الراسخ، أصبحت مصر ناضجة بما يكفي لتولي دورها الجديد كمركز إقليمي، وذلك من خلال توفير مصادر إمداد بديلة للشركات التي تسعى إلى تنويع مصادرها من آسيا. إلا أن هذه الإمكانية تتطلب ضخ المزيد من الاستثمارات في مجالات البنية التحتية لتسهيل الحصول على المواد الأولية محلياّ. ومن الجدير بالذكر أن الشركات التي تركز على الاستدامة والمعايير البيئية والاجتماعية والحوكمة تحظى باهتمام كبير من قبل المستثمرين العالميين. وقد أصبح امتثال مصر لتلك المعايير ضرورةً اقتصادية لجذب الشركات الدولية.
لقد كشفت محادثاتنا مع العملاء عن مجالين رئيسيين: تعزيز الصادرات وتعزيز الإنتاج المحلي. إذ تعمل زيادة الصادرات على تقليل الاعتماد على العملات الأجنبية، مما يؤدي إلى استقرار المشهد الاقتصادي في مصر. كما أن إتباع مصر لنهج يعتمد على الاستثمار متوسط إلى طويل الأجل للتحول إلى شبكات توريد محلية يمكن أن يؤدي إلى حماية الدولة من الاضطرابات المستقبلية، مما يجعل القطاعات الصناعية المحلية أكثر مرونة.
ومع ذلك، فإن رقمنة المعاملات التجارية لا يزال أمراً يشكل تحدياً لأنها تتطلب إجراء تحولات في الأطر القانونية، وتبادل البيانات، والتعاون بين المشاركين في السوق. ولقد قطعت مصر خطوات واسعة من خلال مبادرات مثل “نافذة”، البوابة الجمركية ذات المنفذ الواحد، التي ساعدت في تبسيط سير الإجراءات والمستندات وتنفيذ المعاملات. وبينما يحدث ذلك وحيث أننا ندرك كم سيستغرق ذلك الأمر من وقت، فإن هدف HSBC الآن هو جعل عملياتنا والطريقة التي نخدم بها عملائنا أكثر رقمية. ومن إحدى الطرق العديدة التي نستجيب من خلالها لهذا التحدي، إطلاق الحلول التجارية من HSBC (HTS)، وهي عبارة عن منصة شاملة تمثل تحولاً شاملاً لكيفية معالجة المعاملات والتفاعل مع العملاء. ومع حلول نهاية العام، سيتم تحويل 95% من معاملاتنا التجارية في مصر لتصبح رقمية، لنتجاوز بذلك المتوسطات العالمية.
وفي النهاية ، فإن عملية التحقق من صحة البيانات تعمل على تحول منصات الأعمال التجارية، مع استمرار المنصات الرقمية في التطور. ولقد ترسخت بالفعل حلول التمويل المضمنة، التي تقدم للشركات التسهيلات التمويلية المباشرة من خلال المنصات الرقمية الموجودة في مناطق أخرى، وسيتم إطلاق حلول مماثلة قريباً في مصر. ويعتمد هذا على التقدم في مجال جودة البيانات الموثوقة وتعزيز الثقة بين المشترين والبائعين – وهو التحدي الذي نتعامل معه من خلال الشراكة مع المنصات العالمية لتوسيع خيارات التمويل.
من شأن هذه التوجهات أن تؤثر بشكل كبير على كيفية رؤيتنا لمعاملاتنا التجارية في المستقبل، وتعتبر مصر في مكان جيد للعب دور حيوي في هذا المجال مستقبلاً.
رحاب تمام، رئيس حلول التجارة العالمية لدى بنك إتش إس بي سي مصر.