? في عالم سريع الحركة حيث الإلهاء والمتع اللحظية على كل هاتف، أصبح الهدوء وللمفارقة أمرا مزعجا. لقد فقدنا القدرة على الاستمتاع بالهدوء والملل، وصرنا نستهلك أي شيئ وكل شيئ بنهم شديد. وما أن نجلس دون أن نفعل شيئا حتى نشعر بالملل فنسعى باستمرار إلى ملء أوقات فراغنا بأنشطة مبهجة ومتنوعة. ولكن هل فكرنا يوما في أن الملل قد يكون نعمة وليس نقمة كما نتخيل.

قديما كان الناس يعتبرون الفراغ والملل ترفا، وكننا اعتدنا التحفيز المستمر وأصبحنا نخشى الفراغ ونعتبره مصدر للقلق. ونلجأ حاليا إلى وسائل الترفيه المختلفة من تصفح وسائل التواصل الاجتماعي إلى مشاهدة المسلسلات هربا من الشعور بالملل. ووصل الأمر بنا إلى حد الإفراط في تناول الطعام أو التعرض لصدمات كهربائية أو مشاهدة صور مؤلمة، كل هذا فقط لنخرج من حالة الملل. وقد أصبح أولئك الذين يتوقون إلى التحفيز باستمرار أكثر عرضة لتطوير سلوكيات إدمانية مثل تعاطي المخدرات والمقامرة، فقد كان باسكال محقا حين قال إن "جميع مشكلات البشرية تنبع من عدم قدرة الإنسان على الجلوس بهدوء في غرفة بمفرده". وترى الباحثة بعلم النفس في جامعة سنترال لانكشاير في بريطانيا الدكتورة ساندي مان أن الترفيه يشبه الحلقة المفرغة. فكلما زاد استهلاكنا للترفيه، زادت حاجتنا إليه وهو ما يؤدي إلى فقدان قدرتنا على الاستمتاع بالأشياء البسيطة في الحياة.

وعلى عكس الاعتقاد السائد، فإن الحياة لا يجب مثيرة دائما كما يتصور كثيرون منا. إذ أن إتقان فن الاستمتاع بالفراغ يفتح الباب أمامنا لندرك متع الحياة البسيطة. قد يبدو ذلك تمردا على نمط الحياة القائم على المحفزات وتقديس أهمية الإنجاز المستمر، لكن مجرد الجلوس دون فعل أي شيء لبعض الوقت ربما يسمح لنا بتأمل ذواتنا التي ضاعت وسط سيل الانشغال الدائم.

الملل منجم أفكار أيضا: في إحدى محاضرات تيدكس شرحت مانوش زمردي فكرة مشروعها "الملل والذكاء". جاءت فكرة المشروع من إدراكها بأن أفضل الأفكار تأتيها حين تشعر بالملل. ولذلك طورت تطبيق يقدم تحديات يومية تشجع المستخدمين على الابتعاد عن هواتفهم الذكية، مما يمنحهم فرصة للاسترخاء والتأمل. وأكدت المراجعات على التطبيق فوائد هذا النهج، إذ أشار العديد من المستخدمين إلى أن فترات الملل حفزتهم على الإتيان بأفكار إبداعية جديدة وقللت من شعور الذنب الناتج عن إضاعة الوقت على وسائل التواصل الاجتماعي. وقد وصف أحد المستخدمين هذه التجربة بأنها بمثابة "استيقاظ من سبات ذهني"، وهكذا نجد أن زومورودي كانت محقة عندما اختتمت محاضرتها بأن "عدم القيام بأي شيء يجعلك أكثر إبداعا وإنتاجا".

يمكننا تعلم كيفية التعامل مع الملل من خلال تقنيات "العلاج بالتعرّض". فعلى الرغم من أن الملل ليس اضطرابا نفسيا، إلا أنه يمكن أن يسبب شعورا بعدم الراحة. وتساعد تقنيات التعرض على تدريب الفرد على تحمل هذا الشعور، مما يمكن أن يؤدي إلى تحسين التركيز والانتباه. وتتضمن طريقة العلاج تحديد جوانب عدم الراحة المرتبطة بالملل ثم ربطها بتقنيات استرخاء. يمكن للمرء البدء بفترات قصيرة من الملل، ثم زيادة هذه الفترات تدريجيا. وبمرور الوقت، يصبح الفرد أكثر قدرة على تحمل الملل، مما يمكن أن يؤدي إلى زيادة الإنتاجية والإبداع، بحسب مجلة سايكولوجي توداي.

العلامات: