لم تعد أساليب التربية كما كانت من قبل، بل شهدت تغييرات جذرية نتيجة تطور القيم الاجتماعية واختلاف التوقعات باختلاف الأجيال. ولذلك، فإن الطريقة التي تربينا بها لا تصلح لتربية أبنائنا، ولا ينبغي لها أن تكون كذلك.

**اضغط على عنوان الفقرة بالأعلى لقراءتها كاملة مصحوبة بكل الروابط**

ما الذي تغير؟ أشار نصف الآباء الأمريكيين الذي شاركوا في دراسة شملت 3800 شخص إلى أنهم يفضلون تربية أطفالهم على أساس الحب والاحترام، مع تقديم دعم غير مشروط وتشجيعهم على التعبير عن مشاعرهم. وبدلا من اللجوء إلى الصراخ، يفضلون الحوار الهادئ والمفتوح مع أطفالهم حول الموضوعات الصعبة والمعقدة. ورغم زيادة مشاركة الأمهات في سوق العمل، ما زلن يقضين وقتا طويلا مع أطفالهن كما كانت الأمهات الأمريكيات ربات البيوت تفعلن في الماضي. ويعود ذلك إلى الرغبة في بناء علاقات قوية مع أطفالهن وتوفير بيئة آمنة لهم للتعبير عن أنفسهم.

لم يعد قلق الآباء يقتصر على سلامة أطفالهم الجسدية، بل باتوا يولون اهتماما بالغا بصحتهم النفسية أيضا. إذ أعرب ثلاثة أرباع الآباء عن مخاوفهم من أن يعاني أطفالهم من مشاكل نفسية مثل القلق والاكتئاب والتنمر، بحسب نيويورك تايمز. وفي تعبير واضح عن تلك المخاوف، تقول إحدى الأمهات إنها حين كانت طفلة لم تجد بيئة آمنة تعبر فيها عن مشاعرها، ولذلك تتحدث مع أطفالها أسبوعيا لتعرف مشاعرهم والمصاعب التي مروا بها خلال الأسبوع، أو لتذكرهم فقط بأنها تهتم بأمرهم وأن بإمكانهم اللجوء إليها متى أرادوا.

يعبر كثير من الآباء عن رغبتهم في تجنب تكرار الأخطاء التي ارتكبت في حقهم حين كانوا أطفالا، كما يرغبون في توفير حياة أفضل لأبنائهم من خلال الدعم العاطفي والنفسي. هذه التغيرات في أنماط التربية جعلت مهمة الأبوة والأمومة أكثر صعوبة من ذي قبل، إذ يتعين على الآباء تربية الأبناء بطريقة لم يعتادوا عليها.

بشكل عام، ارتفع مستوى الوعي العاطفي عند التعامل مع الأطفال. ومع زيادة الحديث عن الصحة النفسية، أصبح الناس أكثر إدراكا لمدى تأثر الأطفال بكل ما يمرون به خلال نشأتهم الأولى، وهو ما أدى إلى "بزوغ أنماط تربية تتمحور حول الطفل وتستعين بالخبراء وتمتص المشاعر وتتطلب جهدا مكثفا وتكلفة مالية كبيرة"، وفقا لما تذكره أستاذة علم الاجتماع ودراسات النوع الاجتماعي المعاصرة شارون هايز في كتابها The Cultural Contradictions of Motherhood.

ولكن بعض الآباء يفرطون في حماية أطفالهم، مما يؤدي إلى ما يسمى بالتربية المكثفة. يتضمن هذا بذل كل جهد وطاقة في رعاية الأطفال إلى حد المراقبة الشديدة لسلوكهم وتقييد استقلاليتهم، فضلا عن التضحية برغبات الوالدين من أجل تلبية احتياجات الطفل. يمكن أن تبدأ هذه السلوكيات أحيانا خلال فترة الحمل، حين تجري الأم تغييرات كبيرة في نظامها الغذائي للحفاظ على صحة الطفل، وتصل إلى التدخل في شؤون الأبناء البالغين وحياتهم المهنية، كأن تتصل أم بمدير الشركة للتأكد أن ابنها أبلى بلاء حسنا في مقابلة العمل.

هذا السلوك ربما ينبع من نوايا طيبة، إلا طريقة تربية الأطفال هذه غالبا ما تؤذيهم. ففي ظل عدم وجود فرصة للتجربة والخطأ أو التعلم من الفشل، تقل قدرة الطفل على حل مشاكله بنفسه، ما يقلل بالتبعية من ثقته في نفسه. ومع تزايد تقبل الأطفال للسلطة الأبوية، تؤدي الحماية المفرطة من جانب الأهالي إلى تفاقم مثل هذه المشكلات.

كما أن الأطفال أصبحوا بطبيعة الحال أقل اعتمادا على أهلهم في الحصول على المعلومات، نتيجة إتاحة الإنترنت للجميع والانفتاح الكبير على كل الأفكار التي تقدمها وسائل التواصل. لذا فالمقارنة مع الأجيال السابقة التي خضعت لتربية مسيطرة وصارمة، أصبحت الأجيال الأصغر أقل امتثالا للأوامر، وكذلك أكثر ميلا لطرح المزيد من الأسئلة لفهم أسباب القواعد قبل الاستجابة لها.

ربما تبدو هذه العبارة شديدة الابتذال، إلا أن طاعة الآباء قد أصبحت حقا في مهب الريح. لم يعد الأطفال يكترثون بالقواعد التي يمليها عليهم آباؤهم دون أن يصاحبها سبب منطقي مقنع.

علماء النفس قلقون من أن هذه الأساليب قد تسبب ارتفاع مستويات التوتر والاعتمادية على الأهل لدى الأطفال. فالأطفال الذين لديهم آباء مفرطون في التدخل والحماية يكونون أكثر ميلا إلى الإصابة بالقلق المفرط والشعور بعدم الرضا في الحياة، بينما يكون الأطفال الذين منحوا مساحة أكبر للتجربة دون إشراف مفرط أكثر تطويرا لمهارات اجتماعية ونضج عاطفي واضح، مع قدرة أفضل على تخطيط وتنفيذ الأهداف المستقبلية.

خير الأمور الوسط: بينما يحاول الآباء في عصرنا الحالي منح الأولوية لعلاقاتهم بأطفالهم وحماية صحتهم النفسية والعقلية، فإنهم يعرضون أنفسهم لخطر الإفراط في هذه السلوكيات التي قد تنعكس سلبا على ديناميكيات العلاقة بين الابن وأهله. لذا فإن إيجاد التوازن بين الدعم والاستقلالية وتعزيز المرونة وتوفير الدعم العاطفي أمر بالغ الأهمية في العلاقة الأبوية.

العلامات: