عام 2025 يحمل مخاطر كبيرة لمستقبل مصر المالي: مع استمرار حالة عدم اليقين التي لا تزال قائمة، استمعنا إلى ثلاثة من قادة القطاع لمشاركة توقعاتهم للعام المقبل بشأن الموضوعات الملحة مثل نشاط الدمج والاستحواذ، وتدفقات الديون، وسعر الصرف الأجنبي المهم للغاية، إضافة إلى التشريعات والضوابط التنظيمية الرئيسية التي يجري إعدادها حاليا.
استضفنا عددا من كبار الخبراء الماليين في منتدى إنتربرايز للتمويل لهذا العام. وتحدثنا مع أحمد صبحي، الرئيس التنفيذي للاستثمار في بنك مصر، وعمرو هلال، الرئيس التنفيذي لقطاع بنك الاستثمار (جانب البيع) في سي آي كابيتال، وكامل صالح، الشريك الإداري والرئيس التنفيذي لشركة جرانت ثورنتون مصر.
التفاؤل الحذر يعود إلى مشهد الأعمال في مصر بعد عام صعب. ففي حين أن “الجميع كان يتوقع الأسوأ”، فالإصلاحات الأخيرة على صعيد الاقتصاد الكلي والإجراءات التي اتخذتها الحكومة تبعث في الوقت الراهن بـ “إشارات إيجابية”، وفقا لما ذكره صبحى. وأعرب صالح أيضا عن هذا التفاؤل، لكنه تطرق في الوقت نفسه إلى التحديات العديدة التي تنتظرنا والتي ينبغي التعامل معها. وقال صالح: “يأتي العملاء إلينا للحصول على المشورة المتعلقة في الغالب بالتحديات التي تواجههم في تحقيق طموحاتهم الاستثمارية أو النمو في مصر”.
صفقات الدمج والاستحواذ ستستغرق بعض الوقت حتى تكتسب الزخم، حسبما يعتقد هلال. وعلى الرغم من انخفاض قيمة الجنيه، لم تحدث الطفرة المتوقعة في تدفق الصفقات بعد، لكن هلال يصر على أن هذا التأخير كان متوقعا، إذ “لم يكن الأمر مفاجئا بالنسبة لنا”، على حد قوله. الأمر سيستغرق “ربعين إلى ثلاثة أرباع” من الترقب قبل أن نشهد حركة كبيرة، حسبما أشار هلال، متوقعا “انتعاشا ملحوظا في تدفق الصفقات” بحلول الربع الأول من عام 2025، إذ أن الاستفسارات الواردة في ارتفاع بالفعل — وهي علامة مشجعة لأسواق رأس المال المصرية.
يترقب الجميع أول صفقة بالفعل: العقبة الرئيسية أمام النمو والتدفقات الاستثمارية في مصر هي انعدام الثقة السائد الذي جعل الجميع ينتظر اتخاذ الخطوة الأولى من شخص آخر، حسبما أكد صبحي، موضحا أن هذه العقبة تعد حجر العثرة الرئيسي التي ينبغي التغلب عليها لاستئناف النشاط الاستثماري من جديد.
“نحن بحاجة إلى جعل سوق الأوراق المالية مكانا مرغوبا للاستثمار فيه”، حسبما يعتقد صبحي، مشددا على الحاجة إلى مشاركة أكبر من صناديق المعاشات وشركات التأمين. ومع استثمار أقل من 5% من أموال صناديق المعاشات التقاعدية في مصر في سوق الأوراق المالية – مقارنة بـ 20% في دول أخرى – حذر صبحي من أن سوء التوزيع هذا يحول رأس المال من القطاعات الإنتاجية ويقلل من نشاط البورصة المصرية. وقال صبحي إن الاستثمار في سوق الأوراق المالية، وخاصة من خلال صناديق المعاشات، أكثر فائدة من التركيز فقط على أذون الخزانة، التي “تغذي العجز الحكومي” فقط دون دعم مشاريع البنية التحتية طويلة الأجل.
مصر بحاجة إلى المزيد من الحوافز المستهدفة، وفقا لما قاله صالح، موضحا أنه لا يمكننا حقا أن يكون لدينا نظام ضريبي يفرض ضرائب على التضخم لأن ذلك يؤدي إلى تآكل كفاءة رأس المال، وحقوق الملكية”، معربا عن أمله في أن ينخفض التضخم في غضون عام، مع ضرورة أن “تتحرك الجهات التنظيمية بسرعة كبيرة جدا جدا”.
ما الذي قد يجذب المزيد من المستثمرين إلى مصر الآن؟ “هناك الكثير من الاهتمام الدولي بالأصول المصرية اليوم. وقد يكون ذلك لكونها رخيصة، وأنا أفهم أن الناس لا يحبون حقيقة أن أصولك رخيصة. ولكن عليك أن تبدأ من مكان ما”، وفق صبحي، الذي أضاف أن علاوة المخاطر العالية المرتبطة بالاستثمار في مصر تجعل الأصول أرخص، مما يوفر للمستثمرين الأوائل فرصة فريدة، وإن كانت تنطوي على مخاطر أعلى.
“لدينا موقع رائع وعمالة قوية”، وفقا لصبحي، مشيرا إلى قرب مصر من الأسواق الرئيسية مثل أوروبا ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. كما سلط الضوء على اتجاهات الاستعانة بمصادر خارجية، إذ “تأتي الشركات الأوروبية إلى هنا لشراء مصانع أصغر لأغراض التصدير، بينما تختار الشركات الصينية، التي تتطلع إلى تعريفات جمركية أقل على سلعها، التصنيع في مصر”. كما سلط صبحي الضوء على الاستثمار الخليجي القوي في العقارات المصرية التي تركز على السياحة، مشيرا إلى أن قطاعات مثل خدمات الأعمال والتكنولوجيا المالية، والتي تستفيد من رأس المال البشري في مصر، واصلت الازدهار ومن المتوقع أن تستمر في ذلك.
ما هو سعر صرف الدولار الذي ستستخدمه لميزانية العام المقبل؟ “سيكون السعر أعلى من 50 جنيها بقليل بنهاية العام المقبل. نريد التأكد من أننا مستعدون لانخفاض طفيف في قيمة العملة. ومع ذلك، هناك الكثير من الرياح المعاكسة الإيجابية لسعر الصرف”، بحسب صبحي. “السعر الضمني في تقارير صندوق النقد الدولي – والذي أعتقد أنه مبالغ فيه للغاية – هو 57 جنيها لعام 2025. نحن نفكر في نطاق يزيد قليلا عن 50 جنيها. لكن هذه آمال وليست مجرد توقعات”، وفق ما قاله صالح.
أي القطاعات تبدو واعدة اليوم؟ إن الشركات التي تركز على المستهلك تخرج من التحديات الاقتصادية “في وضع أفضل بكثير”، مع اكتساب اللاعبين المحليين حصة سوقية من الشركات متعددة الجنسيات، وفقا لهلال. كما ذكر خدمات تكنولوجيا المعلومات، حيث “تكسب الشركات النقد الأجنبي بقاعدة تكلفة مقومة بالجنيه إلى حد كبير”. ويبدو هلال أقل تفاؤلا بشأن المشروعات ذات النفقات الرأسمالية المرتفعة، وخاصة تلك التي تعتمد على الواردات، بسبب فترات الاسترداد الأطول وزيادة العزوف عن المخاطرة أثناء التعافي.
إن تغيير وجهة الأموال من الذهب والعقارات يتطلب جعل الأصول المالية أكثر جاذبية وسهولة في الوصول إليها، بحسب صالح. “يجب النظر في سهولة إجراء المعاملات وتكلفة المعاملات”. إن عدم اليقين المحيط بضريبة الأرباح الرأسمالية على بيع الأسهم، وخاصة ضريبة المكاسب المدفوعة بالتضخم، يشكل رادعا كبيرا للاستثمار ويجب النظر فيه، وفقا لصالح.
“أود أن ألغى ضريبة الأرباح الرأسمالية بالكامل”، حسبما قال هلال، معربا عن شكوكه في قدرة الضريبة على خلق إيرادات مجدية. وأضاف أن إلغاء الضريبة من شأنه أن يحفز المزيد من الشركات على الإدراج في سوق الأوراق المالية، “لكن بالتأكيد الإدراج يجب أن يكون له جدوى اقتصادية”، بحسب هلال.
هناك قدر كبير من السيولة في السوق كتحوط ضد انخفاض قيمة العملة والتضخم، وفق ما قاله هلال. “أعتقد أن هناك حاجة إلى بذل المزيد من الجهود لتشجيع هؤلاء المستثمرين، وخاصة مع انخفاض أسعار الفائدة وتحويل الأموال السهلة من الإيداع في سندات الخزانة أو الأوراق المالية الحكومية، إلى زيادة مخصصاتهم لسوق الأسهم”.
لا يمكن توقع تدفق رأس المال الأجنبي على سوق الأوراق المالية لدينا قبل أن يحدث ذلك، بحسب هلال، مضيفا أن “رأس المال الخارجي في حاجة إلى رؤية رأس المال المحلي مستثمرا بكثافة في أسواقه المحلية حتى يشعر بالأمان”. ومع استمرار المشاركة المحلية وعودة التدفقات الإقليمية والدولية، يعتقد حلمي أن نشاط التداول قد يتجاوز في نهاية المطاف السنوات السابقة، حتى من حيث القيمة بالدولار.
أين تستثمر 500 مليون دولار اليوم؟ “إن الآفاق طويلة الأجل لمصر مرتفعة للغاية، نظرا لإمكاناتنا في التصدير إلى أوروبا لبناء الصناعة وخدمة أوروبا والمنطقة وأفريقيا”، بحسب صالح. في حين يعتقد صبحي أن مصر تقدم عوائد جذابة طويلة الأجل، خاصة في القطاعات التي تستفيد من المزايا التنافسية للبلاد. وحذر صبحي من الاستثمار في القطاعات منخفضة القيمة والقائمة على الاستهلاك، والتي تعتمد بشكل كبير على رأس المال الأجنبي، مؤكدا أن التركيز يجب أن يتحول نحو الاستثمار والصادرات بدلا من الاستهلاك.
