كيف نجح المستهلكون والشركات المصرية في مواصلة صمودهم في ظل ارتفاع الأسعار؟ لقد أظهر المستهلك المصري مرونة وصمودا كبيرين تحت ضغط تعويم الجنيه وتضخم يواصل الارتفاع. فما الذي يقود هذه المرونة؟ هل تؤسس البنوك والمؤسسات المالية غير المصرفية أعمالا مستدامة؟ ما هي الأنماط التي نشهدها — وما هي المخاوف التي ينبغي رصدها؟

جمعنا عددا من الفاعلين في قطاع التمويل الاستهلاكي بمصر خلال منتدى إنتربرايز للتمويل لهذا العام، لتسليط الضوء على تعامل القطاع والمستهلك المحلي في مواجهة التضخم، وما إذا كانت البنوك والجهات الفاعلة في مجال الخدمات المالية غير المصرفية تطور نماذج أعمال مستدامة، والكثير والكثير. تحدثنا إلى ميشال بانوفيتش، المدير الإداري والشريك في مجموعة بوسطن كونسلتينج جروب لندن؛ ومنير نخلة، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة “إم إن تي – حالا”؛ ووليد حسونة، الرئيس التنفيذي لشركة فاليو للتكنولوجيا المالية، التابعة لمجموعة إي إف جي القابضة.

هذا العام كان حافلا بالأحداث، إذ شهد رفع أسعار الفائدة بواقع 200 نقطة أساس في فبراير ثم 600 نقطة أساس في مارس، مرورا بصفقة رأس الحكمة، ووصولا إلى تعويم الجنيه في مارس. دخلت “إم إن تي – حالا” الربع الأول بقوة كبيرة جدا على مستوى المبيعات، ثم كان الربع الثاني بطيئا للغاية على خلفية الركود الذي شهدته السوق، ثم تحسنت الأمور مجددا في الربع الثالث على مستوى المبيعات وتحصيل الأقساط، وفقا لما قاله نخلة. وواجهت فاليو تحديات مماثلة، بعدما شهدت نموا هائلا في عام 2023.

كيف انعكس ذلك على إنفاق وسلوكيات العملاء؟ بعد إعلان صفقة رأس الحكمة، أصبح العملاء أكثر تحفظا فيما يشترونه رغم أن المنتجات توفرت، لكنهم كانوا يعلمون أن أسعار الفائدة ستنخفض عاجلا أو آجلا.

لكن، كيف يبدو المشهد عالميا؟ ظروف الفائدة العالمية تدفعنا نحو التفكير فيما يمكن للجهات التنظيمية والحكومة الاضطلاع به لتعزيز التنافسية والنمو، وفقا لما قاله بانوفيتش، مشيرا إلى قدرة المؤسسات المالية غير المصرفية واللاعبين المستقلين على الابتكار والوصول بالتمويل إلى العملاء، فضلا عن توقع المخاطر لتجنب تأثيرها على مصداقية القطاع. تتسم تدخلات الجهات التنظيمية بنظرة طويلة الأجل لتشكيل القطاع وليس التفاعل اللحظي مع التقلبات قصيرة الأجل، حسبما أضاف.

“في مصر، يحسب الناس التكلفة الحقيقية للقرض. إنهم يفهمون كم يدفعون من الرسوم الإدارية والفائدة وكل شيء آخر، ويقارنون في الواقع سعر المنتج الذي يشترونه سواء نقدا أو من شركات مثل فاليو أو “إم إن تي – حالا”، وفقا لما قاله حسونة، مضيفا أنه بعد الاعتماد لسنوات على الموافقة الفورية على منح الائتمان، أصبح رهان هذه الشركات حاليا على المنتج الفريد من نوعه والمبتكر، بالاعتماد على تحليل سلوك المستهلكين، بما يلبي احتياجات العملاء الحقيقية، ويضمن سهولة التجربة في ظل المنافسة بين 42 شركة في سوق التمويل الاستهلاكي محليا.

إم إن تي – حالا تتبنى نهجا مختلفا إلى حد ما، إذ تركيز على توفير حل شامل للمستهلكين، عبر تقديم خدمة تلو الأخرى بمراعاة الأنماط المختلفة من المستهلكين، طبقا لنخلة. إن دخول الشركة في نشاط تلقي عمليات شراء واسترداد وثائق صناديق الاستثمار يمثل تطورا كبيرا، إذ تسهم في تحويل سلوك المستهلك بأكمله، طبقا لنخلة، والذي أشار أن هذا جنبا إلى جنب مع توفير الترفيه لمستخدمي تطبيق “حالا” سيغير قواعد اللعبة، إذ سيمكن الشركة من تطوير شبكة اجتماعية. وتابع: “البيئة التي نعمل فيها مليئة بالتحديات، وعلينا أن نكون فطنين. نحتاج إلى أن نكون سريعين ومدفوعين بالبيانات قدر الإمكان”.تأثير ارتفاع أسعار الفائدة والتعويم؟ ما حدث على أرض الواقع هو امتصاص السيولة من السوق، وعندما استقر سعر الصرف عند 60 جنيها للدولار، أراد التجار وتجار التجزئة تصفية المخزون والبضائع التي اشتروها بسعر صرف يتراوح بين 65-74 جنيها للدولار فورا، حسبما قال نخلة. بينما رأى المستهلكون أن القيمة الحقيقية في نطاق 50 جنيها للدولار، ما أحدث شيئا من الركود في السوق وكان ذلك في الربع الثاني من هذا العام، حسبما أضاف نخلة.

…ثم انخفضت الأسعار واستقرت بسرعة: برغم وجود بيئة تضخمية بشكل عام، بدأ النشاط التجاري من جديد وانتعش الاقتصاد، ثم تمكن التجار من تصفية بضائعهم، والحصول على المزيد من السيولة النقدية، واستطاعوا سداد أقساطهم، وأصبح العملاء أكثر ارتياحا في السداد، وفق نخلة. زاد حجم القروض المتعثرة، ولكن إلى مستوى غير مقلق.

وما المستوى المقلق حقا على صعيد معدلات التعثر؟ إذا كنت تحسب خسائرك الائتمانية، ولا يزال العمل يبدو مثيرا للاهتمام وجذابا للغاية، فذلك مستوى مقبول، وفقا لما قاله نخلة، الذي يعتقد أن هذا هو المعيار الرئيسي. في مجال الإقراض، ستتعرض للائتمان الجيد والسيء أيضا، لذلك فإن القروض المتعثرة لا يجب أن تكون العامل الرئيسي الذي تركز عليه في نشاطك في أي وقت، وفقا لحسونة.

إدارة القروض المتعثرة من منظور طويل الأمد يتعلق بإدارة كل خطوة من خطوات سلسلة القيمة للإقراض، ثم نشر الأدوات الحديثة، بالاعتماد على عنصرين رئيسيين الأول: ضخ المزيد من الأموال ولكن بمسؤولية، والثاني هو الاعتماد على تعلم الآلة لاكتشاف العملاء بشكل أفضل وأكثر ديناميكية عند استقبالهم، وفقا لما قاله بانوفيتش.

إذا عاد الاقتصاد الكلي إلى مساره السليم مجددا، سيتمكن معظم الفاعلين في القطاع من تحقيق ربح إضافي، لأنهم سيتمكنون من تخفيض جزء من مخصصاتهم أو عكس مسارها، بحسب حسونة. اتفق نخلة معه، وأشار إلى أن الشركات تنظر إلى العوائد المعدلة وفقا للمخاطر، فضلا عن أن موازنة المخاطر الممتدة عبر مزيج المنتجات يشكل أمرا حتميا بالفعل للوصول إلى تلك النقطة. “أعتقد أننا بحاجة فقط إلى أن نكون أكثر صرامة في نماذجنا الخاصة بالتسجيل، ومعدلات القبول. فالائتمان بسيط للغاية — إذا وصلت إلى الأشخاص المناسبين، فالأرجح أنهم سيدفعون”، بحسب نخلة، مشددا على الحاجة إلى تقييم جانبين: قدرة العملاء على الدفع والاستعداد للدفع.

التوسع في بيئة كهذه يتطلب امتلاك المزيج الصحيح من المنتجات لأن هناك منتجات تنطوي بطبيعتها على مخاطر أعلى. إذا كانت الشركة تمنح العملاء قروضا نقدية أو ائتمانا لشراء هاتف محمول يبيعونه نقدا، فهذا منتج ذو مخاطر أعلى — ولكن إذا كان لديك قائمة متنوعة من المنتجات، فيمكنك التحوط ضد المخاطر، بحسب حسونة، مضيفا أن العملاء الذين يحصلون على قروض نقدية أو الأجهزة الإلكترونية يمثلون 30% فقط من أعمال فاليو، مقابل 85% قبل ثلاث سنوات. “فكلما زادت شهيتنا تجاه العملاء ذوي المخاطر العالية، وارتفعت معدلات قبولنا للطلبات، ما يحدث هو أن معدل دوران الطلبات غير متناسب مع شهيتنا للمخاطر، بل في الواقع أعلى بثلاث أو أربع مرات، لذلك ينتهي بك الأمر إلى اكتساب المزيد من العملاء الأقل مخاطرة من قاعدة عملائك العادية والطبيعية، على الرغم من المخاطرة لفترة قصيرة”.

الأشياء التي ينبغي أن تتغير؟ يجب توفير خدمات التأجير التمويلي للمستهلكين، بدلا من اقتصارها على الشركات الصغيرة والمتوسطة، وفقا لما قاله نخلة، مضيفا أن إتاحة التأجير التمويلي للمستهلكين سيوفر المزيد من المنتجات المطلوبة بالفعل في السوق، بينما تنحصر المنافسة حاليا بين شركات التأجير التمويلي وبنوك الشركات. “لا يزال أداء التأجير التمويلي جيدا… لكن هناك مشكلات حول التمويلات وحول عدم تقديم الخدمة إلى المستهلكين. إذا وجد حل لهذه المشكلة، سيكون أداء خدمات التأجير التمويلي جيدا للغاية في السوق”، حسبما أوضح.

وعلى صعيد الإجراءات التنظيمية: صحيح أن البنك المركزي شدد ضوابط تمويل البنوك لشركات التأجير التمويلي، للحد من المخاطر المصاحبة للنشاط — من خلال وضع سقف لإجمالي التسهيلات الائتمانية والاستثمارات في محافظ التوريق لشركات التأجير التمويلي عند 5% من إجمالي محفظة القروض والتسهيلات للبنك — لكن الرقابة المالية أصبحت تتحمل عبء نمو السوق من خلال التركيز على التمويل الجماعي قدر المستطاع، أو محاولة تعديل ضوابط صناديق أسواق المال الحالية وصناديق الدخل الثابت لتمكينها من الحصول على سندات غير مصنفة.