كيف تستعيد مصر ثقة المستثمرين الأجانب؟ حتى بعد تعويم الجنيه والإعلان عن إصلاحات طموحة تجري حاليا، لا يزال المستثمرون حذرون بشأن السوق المحلية، فما الذي يتعين على مصر القيام به أيضا؟ خلال منتدى إنتربرايز للتمويل الأسبوع الماضي، تحدثنا إلى ثلاثة من قيادات القطاع المالي والمصرفي لفهم كيف ستشكل الإصلاحات الأخيرة المشهد المالي للبلاد، والقطاعات التي يراهنون عليها، وتوقعاتهم بشكل عام للسنوات المقبلة.

انضم إلينا في منتدى إنتربرايز للتمويل أحمد عيسى، وزير السياحة السابق ونائب الرئيس التنفيذي لبنك مصر؛ وحلمي غازي، نائب الرئيس التنفيذي ورئيس الخدمات المصرفية العالمية في بنك إتش إس بي سي؛ وكريم عوض، الرئيس التنفيذي لمجموعة إي إف جي القابضة. وحاولنا التعرف معهم على ملامح المسار الاقتصادي في مصر خلال الفترة المقبلة.

تشهد سوق الصرف الأجنبي في مصر علامات إيجابية على الاستقرار والنمو: فالسوق تستقر حاليا عند سعر الصرف الرسمي، وفقا لغازي، في ظل الإفراج عن البضائع المكدسة ووجود سيولة في سوق الإنتربنك. وأكد عوض الأمر نفسه، مشيرا إلى أن المستثمرون الأجانب يتمكنون منذ التعويم من التخارج من مراكز مالية كبيرة بسهولة ودون عوائق كبيرة. وأضاف عيسى أن هناك سوق صرف ناشئة بشكل صحي في مصر، تتسم بتحركات صعودا وهبوطا وفقا لديناميكيات السوق.

إذًا، ما المستوى الذي نتوقع عنده الدولار العام المقبل؟ لم يتفق المشاركون في الجلسة النقاشية حول رقم، وقال غازي إن بنك إتش إس بي سي يتوقع أن يبلغ سعر الدولار 48 جنيها بحلول نهاية العام المقبل، فيما يتوقع عوض أن يتراجع الجنيه إلى 49.5 قبل أن يرتفع مرة أخرى بفضل ديناميكيات السوق الصحية. في حين أن عوض أشار إلى سعر صرف أعلى قليلا، لكنه بدد المخاوف حول احتمالية وجود خفض كبير آخر مرتقب في سعر الصرف، مؤكدا أن الارتفاع الأخير في سعر الصرف إلى 49.5 جنيه قبل تراجعه مرة أخرى، ليس إلا دليلا على ديناميكيات السوق الصحية. أضاف عوض: "ترى خفض سنوي في قيمة العملة استنادا إلى فروق التضخم". فيما قال عيسى: "سترى نطاق تداول، من المستحيل تقريبا استنتاج ذلك".

وماذا عن أسعار الفائدة؟ "نتوقع انخفاضا بمقدار نقطة مئوية في عام 2024، وانخفاضا بنسبة ست نقاط في عام 2025"، وفقا لغازي. ينبغي أن تكون هذه الانخفاضات في معدلات الفائدة كافية بشكل مثالي لتحفيز الاستثمارات الجديدة"، أسعار الفائدة المتجهة نحو الانخفاض في الأسواق المتقدمة ومستويات أجور التي لم تواكب التضخم، هو ما يمهد الطريق أمام "دورة خفض معدلات الفائدة التي من المتوقع أن تبدأ في الأشهر المقبلة"، بحسب عيسى.

ما الذي يتطلبه الأمر حتى تنتعش تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر؟ ينبغي أن يستثمر القطاع الخاص المصري أولا قبل أن نبدأ في رؤية تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وفقا لعوض، والذي أشار إلى أن الشركات متعددة الجنسيات التي تستثمر بالفعل في مصر هي أكبر مروج للاستثمار الأجنبي المباشر. أضاف عوض: "إنها معركة صبر، لا أعتقد أن توقعاتنا ينبغي لها أن تكون انهمار الاستثمار الأجنبي المباشر في التو واللحظة".

الزخم يتصاعد، لكن ببطء: "نشهد زيادة في الاستفسارات حول الاستثمار في مصر، لا سيما من آسيا وأوروبا"، حسبما قال غازي، مضيفا أن هناك اهتماما متزايدا "في قطاعات مثل السلع الاستهلاكية والطاقة المتجددة، لكن الوقت لا يزال مبكرا جدا".

هل التوقعات تتجاوز الواقع؟ "إذا نظرت إلى الأرقام، ستجد أن مصر كانت أكبر متلق للاستثمارات الأجنبية المباشرة في جميع أنحاء أفريقيا باستمرار على مدى السنوات الخمس الماضية"، وفقا لعيسى. تحصل مصر على حصتها العادلة من الاستثمارات الأجنبية بين الأسواق الناشئة، ولذا إن كان هناك ضعفا في الأداء، فإن السبب يعزى إلى "توقعاتنا الكبيرة على صعيد التحولات العالمية في رأس المال، أو في تدفقات رأس المال العالمي نحو الجنوب في العموم".

نحتاج إلى دليل ملموس على تراجع دور الدولة في الاقتصاد: "إنه تقريبا أشبه بتأثير كرة الثلج… نريد أن نرى إتمام للطروحات وبيع الأصول"، بحسب عوض. وأضاف أن دعم الصفقات التي طال الحديث عنها، لا سيما في قطاع الطاقة، سيعطي إشارة إلى المستثمرين على جدية التزام الحكومة تجاه برنامج الطروحات. "العائق الرئيسي في رأيي أمام برنامج الطروحات اليوم سيظل هو مسألة التقييمات. وأعتقد أنك في مرحلة ما سيكون لزاما عليك اتخاذ قرار: هل أحتاج أم لا إلى الموازنة بين التقييم والعائدات التي أحصل عليها، وبين المزاج العام الذي سأخلقه من خلال تنفيذ بتلك الصفقة".

مع تراجع دور الدولة للحد الأدنى، كيف يمكننا تحقيق أهدافنا لمصادر الطاقة المتجددة؟ إبرام اتفاقيات شراء قائمة على الدولار ضروري لجذب التمويل الدولي للمشروعات، وفقا لغازي، الذي سلط الضوء على أهمية الشراكات بين القطاعين العام والخاص في المشروعات الكبيرة، لا سيما في الطاقات المتجددة والهيدروجين.

إنها عملية شاقة وطويلة: "فترة الهيكلة التي نتحدث عنها ربما تكون سنة، ووضع شرط مالي قد يستغرق سنتين أخريين"، بحسب غازي. كذلك ثمة تحديات كبيرة مع مشروعات البنية التحتية الاجتماعية، حيث تكون التدفقات النقدية مقومة بالجنيه، في حين أن تكاليف المشروعات تكون عادة مقومة بالدولار، مما يعقد جهود جمع التمويلات. ومن جانبه، أوضح عوض أن جذب التمويلات من أجل هذه المشروعات الكبيرة يستلزم وجود استثمار مباشر طويل الأجل ومستثمرين في البنية التحتية.

ما الذي يعنيه كل هذا للقطاع المصرفي؟ "نتوقع نموا مزدوج الرقم في كل من القروض والودائع في عام 2025"، بحسب غازي، الذي أشار إلى أن نمو القروض الحالي في قطاع البنوك كان مدفوعا أساسا بتمويلات رأس المال العامل. مع قدوم مزيد من المستثمرين في عام 2025، نأمل أن نشهد "مزيجا من رأس المال العامل والقروض المدفوعة بالاستثمارات، ويعزى جانب كبير من هذا إلى الانخفاض المتوقع في أسعار الفائدة، الذي ينبغي أن يحفز مزيدا من الاستثمارات"، وفق غازي.

تتمتع الخدمات المالية غير المصرفية بصمود مبهر، بحسب عوض، في ظل قلة الخسائر الائتمانية في قطاعات التأجير التمويلي، والتمويل متناهي الصغر، والتمويل الاستهلاكي، رغم التحديات الاقتصادية. وأوضح: "قد تتوقع وجود خسائر ائتمانية كبيرة، لكن الأمر ليس كذلك".

السياحة هي المشروع القومي الأول لمصر، حسبما قال عوض، مشيرا إلى الإمكانات التي يتمتع بها القطاع في تحقيق إيرادات أجنبية بأقل قدر من المدخلات بالعملة الصعبة. وأكد عيسى على تلك النظرة المتفائلة تجاه قطاع السياحة، مشيرا إلى أن البنية التحتية المطلوبة للنهوض بالقطاع لم تكن موجودة قبل إطلاق المبادرات الحكومية الأخيرة.

يشهد القطاع نموا سريعا: أشار عيسى إلى أن عدد الغرف الفندقية في مصر خلال العام الحالي سيرتفع بأسرع معدل مقارنة بأكبر 30 دولة من حيث عدد السائحين الوافدين، كما أبدى ثقته في جهود الحكومة لزيادة عدد الغرف الفندقية، وتوقع أيضا أن تتمكن مصر من جذب 30 مليون سائح بحلول عام 2028 أو 2032 على أقصى تقدير، إذا استمرت اتجاهات النمو الحالية.