الشركات الصغيرة والمتوسطة فرص كبيرة وتحديات متجددة: في الوقت الذي تشكل الشركات الصغيرة والمتوسطة 98% من الشركات المصرية وتساهم بأكثر من 43% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد وتوظف نحو 47 مليون مصري، عدد محدود من المؤسسات تمكن من فك شفرة تمويل تلك الشريحة من الشركات وسط فجوة تمويلية تقدر بنحو 46 مليار دولار. قبل عقد من الزمان، كانت الشركات الصغيرة والمتوسطة قطاعا غير قابل للتمويل المصرفي بالأساليب التقليدية إلى حد كبير، بالنظر إلى تعدد مخاطره وتدني أرباحه. وقد ساعدت جهود البنك المركزي المصري لتحفيز إقراض تلك الشريحة في تغيير اللعبة، لنشهد اليوم صعود المؤسسات المالية غير المصرفية وشركات التكنولوجيا المالية، إلى جانب البنوك، لتغيير القطاع.

جمعنا عددا من الفاعلين في تمويل الشركات الصغيرة والمتوسطة في مصر خلال منتدى إنتربرايز للتمويل لهذا العام، لإلقاء نظرة على الهيكل الحالي للسوق، والفرصة المتاحة في المستقبل، وكيفية استخدام المؤسسات التكنولوجيا ليس فقط لتنمية أعمالها، ولكن لتخفيف المخاطر - وأكثر من ذلك. تحدثنا إلى أحمد علي عبد الرحمن الرئيس التنفيذي والعضو المنتدب لشركة البريد للاستثمار، وشانتال صباغ رئيسة قطاع تمويل الشركات الصغيرة والمتوسطة في البنك الأهلي المصري، وحاتم سمير المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي لمجموعة جلوبال كورب للخدمات المالية.

"المتابعة المستمرة لاحتياجات المشروعات الصغيرة والمتوسطة، مكنت البنك الأهلي المصري وغيره من المؤسسات المالية من فك شفرة تمويل الشركات الصغيرة والمتوسطة"، بحسب شانتال، موضحة أنه على الرغم من ضخامة الفجوة التمويلية للشركات المتوسطة والصغيرة إلا أنها تمثل سوقا كبيرة تتوسع باستمرار، وبمجرد الوصول إلى منهجية لتمويل تلك الشريحة من الشركات تجد البنوك نفسها أمام منحنى جديد يتطلب التعامل معه، ولذلك لا يدخر البنك المركزي جهدا لتحديث إجراءات التعامل مع القطاع تمويليا لتحفيز ضم تلك الشركات إلى منظومة الاقتصاد الرسمي وتمكينها من الوصول إلى التمويل، ولكن الأمر يتعلق بنماذج أعمال الشركات.

ما الذي تريده الشركات الصغيرة والمتوسطة حقا؟ الوصول إلى التمويل الرخيص والانتشار الجغرافي والخدمة الجيدة وبعض الحلول الرقمية تعد مطالب تقليدية، ولكن البعض يتطلب أيضا المزيد من التعمق في نماذج الأعمال على خلفية النضج أو التعقيد الذي تتسم به الشركات الصغيرة والمتوسطة حاليا، وفقا لما قالته صباغ، مشيرة إلى إمكانية إعداد قائمة بالشركات المؤهلة للحصول على تمويل بنكي، ولكن في عصر الرقمنة يمكننا التركيز أكثر فأكثر على نماذج الأعمال، بحسب كل صناعة وكل قطاع بدلا من تعميم نموذج واحد على الجميع.

مبادرات البنك المركزي التمويلية ذات الفائدة المنخفضة في الأعوام القليلة الماضي أوجدت متنفسا تمويليا للشركات بالفعل، إضافة إلى تعديل الرقابة المالية لضوابط مزاولة نشاطي تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة بما في ذلك السماح للشركات بالحصول على قرض جديد مع الاستمرار في سداد قرض مسبق بشرط أن يمول القرض الجديد مشروعا مختلفا تماما، وفقا لما قاله عبد الرحمن. وأضاف عبد الرحمن أن محفظة الإقراض لدى القطاع المصرفي تصل إلى نحو 11 تريليون جنيه نصفها فقط للقطاع الخاص، بينما نجد أن نصيب الشركات الصغيرة والمتوسطة من هذه القروض سواء المقدمة من القطاع المصرفي أو غير المصرفي في عام 2023 يتراوح بين 87-90 مليار جنيه، إضافة إلى محافظ التأجير التمويلي بحصة تصل إلى نحو 20 مليارا التي تعالج جزء من هذا الانكشاف، وكذلك خدمات التخصيم. لذلك تقدر محفظة إقراض المشاريع المتوسطة والصغيرة لدى مؤسسات التمويل غير المباشر تتراوح بين 15-20 مليار جنيه، إضافة إلى 6-7 مليارات جنيه للأعمال التجارية الأخرى والتي بدأت في العام الماضي.

مؤسسات التمويل الأصغر حجما ربما تكون أجدى في التعامل مع الشركات الصغيرة والمتوسطة، لأنها أكثر مرونة وشمولية وتركيزا على توفير جميع المنتجات التي تلبي احتياجات تلك الشركات، بما في ذلك الإقراض المدعوم بالأصول أو التكنولوجيا وخدمات التخصيم، أو حتى القيام بعمليات الاكتتاب مباشرة، وفقا لما قاله سمير، مشيرا إلى أن مساهمي جلوبال كورب مهتمين بالتأثير بقدر اهتمامهم بالعوائد. وعلى الجانب الآخر تطرح البنوك برامج متخصصة للغاية في مجالات ليست فعالة بالقدر المأمول، بينما تكون أكثر كفاءة عندما يتعلق الأمر بإقراض الشركات، وهياكل ومؤشرات الشركات الكبرى، وأن "كبر سوق الشركات الصغيرة والمتوسط يتطلب إعادة هيكلة الاستراتيجيات للتعامل معها تمويليا وبنفس القدر توفير الدعم الفني والتقني لمساعدتها على النمو "، حسبما أوضح سمير. واتفقت صباغ مع حتمية تقديم الدعم الفني لتلك الشركات من قبل جهات التمويل، إذ لم يعد هذا الدعم منحة كما في السابق بل أصبح ضرورة.

لكن، هل يعد دخول لاعبين جديد في قطاع تمويل الشركات الصغيرة والمتوسطة تهديدا للبنوك أم حافز للمنافسة؟ توسع السوق بدخول لاعبين جدد لا يعد منافسة بقدر ما هو تكامل يتطلب المزيد من التنظيم بين البنوك في إطار علاقة قائمة بالفعل، يسعى الطرفين للاستفادة منها، ومن ثم الدفع باتجاه الانتشار الجغرافي للمؤسسات المالية غير المصرفية أكثر فأكثر، وفقا لما قالته صباغ. كما اتفق عبد الرحمن مع تكاملية العلاقة بين البنوك ومؤسسات التمويل الأصغر حجما، موضحا أن شركات الخدمات المالية غير المصرفية ربما تكون قناة للبنوك لتوسيع نطاق انتشارها والاستجابة أسرع لطلبات العملاء وبمرونة أعلى، لاختراق قطاع الشركات الصغيرة والمتوسطة بسرعة وكفاءة.

بينما يمكن للبنوك تحقيق المزيد من العوائد من خلال تمويل شركات الخدمات المالية غير المصرفية بدلا من تمويل العملاء مباشرة، لأن تكلفة المخاطرة لدى البنوك في هذه الحالة ستكون أعلى بكثير مقارنة بمزودي الخدمات المالية غير المصرفية، حسبما يعتقد سمير. وأشارت صباغ إلى ارتفاع تكلفة إدارة حسابات العملاء الأصغر حجما لدى البنوك التي تنظر بالتأكيد إلى العوائد والأجندة التنموية وتحقيق استراتيجية الدولة، إذ تسعى البنوك إلى تنمية أعمالها من خلال العمل مع مؤسسات التمويل الأصغر حجما، مضيفة أن التسعير في هذه الحالة سيكون أعلى، ولكن الأمر يتعلق بنماذج الأعمال التجارية للمؤسسات التي تتلقى التمويل. لا تعارض البنوك وجود الكثير من مؤسسات التمويل غير المصرفي، حيث تستثمر فيها الكثير من الأموال بدلا من الإقراض المباشر للعملاء، بحسب صباغ.

التخصص مطلوب: عندما وجدت البنوك شركات التأجير التمويلي تحقق أرباحا هائلة من النشاط أسست شركات مملوكة لها بالكامل واستفادت من الدعم التمويلي في السيطرة على السوق بدلا من التركيز على تمويل شركات القطاع. ويتكرر هذا المشهد حاليا على صعيد التمويل الاستهلاكي، حسبما يرى سمير. وأكد عبد الرحمن على الأمر نفسه، مشيرا إلى أنه يؤيد الرأي القائل بأن البنوك تميل إلى التحرك ببطء بسبب حجمها الضخم، وبالطبع، بسبب اللوائح التي تنظم عملها وغيرها من العوامل التي تمنح شركات الخدمات المالية غير المصرفية المرونة والرغبة والقدرة على الازدهار والمنافسة. لاعبو التأجير التمويلي استفادوا من ابتعاد البنوك عن ممارسة النشاط، كما اكتسبت شركات التمويل الاستهلاكي والتمويل متناهي الصغر حصصا سوقية معتبرة لسرعة استجابتها لطلبات العملاء وتوفير منتجات متنوعة ومبتكرة، بمساعدة الهياكل والضوابط التنظيمية، بحسب عبد الرحمن.

لا يخفى على أحد دور البنوك في دعم الخدمات المالية غير المصرفية، "علينا الاعتراف بأن أحد عوامل النجاح الرئيسية لنمو هذه الصناعة وازدهارها هو التأثير المضاعف الذي توفره البنوك، والذي دونه كان المشهد سيختلف تماما"، وفقا لما قاله عبد الرحمن. واتفقت صباغ مع هذا الطرح قائلة إن التكامل مربح للطرفين، لا سيما في سوق كبيرة غير منظمة تنمو ببطء ولكن يفضل العملاء دوما التمويل الأرخص، والقطاع المصرفي هو الرابح في جميع الحالات سواء منح التمويل للعميل مباشرة أو من خلال شركة خدمات مالية غير مصرفية.

تأتي القطاعات الإنتاجية لا سيما الصناعة والزراعة بين الأكثر معاناة للحصول على التمويل حاليا، بينما عززت سرعة دوران البضائع قدرة القطاع التجاري على التكيف مع ارتفاع تكلفة التمويل، وأبدى القطاع الصناعي مرونة كبيرة من خلال تمرير زيادة التكلفة إلى المستهلكين، لكن لا ينفي ذلك معاناة القطاعات كافة، وفقا لما قالته صباغ. وعلى صعيد الخدمات المالية غير المصرفية، أظهرت قطاعات التأجير التمويلي والتخصيم والتمويل العقاري والتمويل الاستهلاكي نموا، لكن أثر ارتفاع أسعار الفائدة ظهر في انخفاض عدد الصفقات والعملاء على أساس سنوي على الرغم من زيادة حجم الصفقات وهذا أمر جيد بسبب التضخم، وفقا لما قاله سمير، مشيرا إلى أن توقعات خفض أسعار الفائدة تدعم نمو النشاط.

تكلفة التمويل المرتفعة ربما لها جانب إيجابي على المدى الطويل، إذ تستبعد نماذج الشركات غير المستقرة وغير القابلة للتطوير، وفقا لما قاله عبد الرحمن، موضحا أن الشركات الصغيرة والمتوسطة أكثر هشاشة في مواجهة التغيرات الاقتصادية، لا سيما ارتفاع أسعار الفائدة، إذ تشير بيانات البنك الدولي إلى أن كل زيادة بنسبة 1% في سعر الفائدة يقابلها تراجعا بنسبة 3% في نمو هذه الشركات.

كيف ستبدو المرحلة القادمة لتمويل الشركات الصغيرة والمتوسطة؟ بالنظر إلى الشركات سيكون هناك تقسيم جديد في نماذج الأعمال المختلفة بحسب القطاعات، إذ لن تتمكن جميع مؤسسات التمويل غير المصرفي من تمويل القطاعات كافة، بل سيكون هناك تخصص وتقسيم في السوق في نهاية المطاف، وربما يكون هذا هو التطور الثالث الذي نترقبه، عندما تبدأ في التفكير في كيفية تقديم المساعدة لقطاعات محددة، بحسب صباغ.

إنها لعبة التكنولوجيا وليس التمويل عندما نتحدث عن المستقبل. الاعتماد على التكنولوجيا سيكون محور التطور في تمويل الشركات الصغيرة والمتوسطة إذ تتيح قدرة أفضل على الوصول إلى العملاء وابتكار منتجات مناسبة، فضلا عن تعزيز التآزر بين البنوك والمؤسسات المالية غير المصرفية لدعم تلك الشركات، بحسب صباغ، التي أشارت إلى تحرك السوق أسرع من اللاعبين فيه بينما أصبحت الخدمات غير المالية ضرورية للجميع ليتمكنوا من إقراض المزيد.