تتسم النظرة العامة إلى مصر من الخارج بالتفاؤل الحذر: الإصلاحات الهيكلية قيد التنفيذ، والقيود المفروضة على النقد الأجنبي تنحسر، والأدوات النقدية أعيد تنظيمها لمعالجة التضخم بشكل مباشر، لكن المستثمرين الدوليين لا يزالوا حذرين بشأن ضخ رؤوس الأموال هنا. ما الذي يتطلبه الأمر لإعادة إحياء ثقة المستثمرين؟ بينما تمضي الحكومة قدما في مشروعات مثل رأس الحكمة وتحاول جذب رؤوس الأموال من الشركاء الرئيسيين مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة — يبقى السؤال الحقيقي — هل تستطيع الحكومة تحقيق ما تطمح إليه وتحويل التفاؤل إلى أفعال؟.

جمعنا عددا من المستشارين والمستثمرين الدوليين الذين يخصصون رؤوس أموالهم في مصر أو يقدمون المشورة لأولئك الذين يتطلعون إلى ممارسة الأعمال في مصر خلال منتدى إنتربرايز للتمويل لهذا العام. تحدثنا إلى عمرو البهي الرئيس التنفيذي لبنك المشرق مصر، وعصام التميمي مؤسس ورئيس مجلس إدارة "شركة التميمي ومشاركوه"، وليلى سرحان، نائبة رئيس مجلس الإدارة والمديرة الإقليمية لعمليات مجموعة فيزا في شمال أفريقيا ودول المشرق وباكستان، وشريف الخولي، الشريك والرئيس الإقليمي للشرق الأوسط وأفريقيا في أكتيس.

لا يمكن الحديث عن الاستثمارات دون ذكر رأس الحكمة: الاتفاق التاريخي مع شركة أيه دي كيو القابضة الإماراتية بقيمة 35 مليار دولار والذي منح صندوق الثروة السيادي في أبو ظبي — والمستثمر القديم في مصر — حقوق تطوير رأس الحكمة في الساحل الشمالي، هو ما مهد الطريق أمام تحرير سعر الصرف وفتح الباب أمام الكثير من الاستثمارات.

إلى أن وصل مشروع تطوير رأس الحكمة؟ قال التميمي: "رأس الحكمة مشروع ضخم بالنسبة لدولة الإمارات. هناك وزيران يقودان المشروع من الجانب الإماراتي، وهو يتقدم ببطء، لكنه ينفذ". وتابع: "قد يستغرق الأمر ستة أشهر إلى عام حتى نرى تقدما واضحا في المشروع. يمضي المشروع قدما لكنه يواجه تحديات بسبب تعقيداته". وأوضح التميمي أن التحدي الرئيسي يكمن في أن تضمن الإمارات حرية التشغيل والتنظيم الكامل للمنطقة.

وضوح القواعد التنظيمية أمر أساسي: أحد عناصر القلق التي أثارها التميمي هو الافتقار إلى وضوح القواعد التنظيمية، إذ يترك قانون الاستثمار الحالي الكثير من الأمور لتخضع لتقدير الوزراء أو الحكومة، وهذا ما لا يريده المستثمر. وأضاف: "يريد المستثمرون عملية واضحة وبسيطة وشفافة". مضيفا أن هناك بعض الإصلاحات التي يمكن القيام بها في بعض القضايا المنفصلة، ولكن لا توجد لوائح أو قوانين يمكن أن توضح الأمور بشكل أساسي وتجعل المستثمرين يدخلون الأسواق بشكل أكثر سلاسة وراحة. وأوضح: "هناك نية جادة لحل المشكلات، ولكن مصر غالبا ما تنزلق في المشكلات نفسها مرارا وتكرارا".

الأمر كله يتعلق بالتنفيذ: "سيتعلق الأمر كله بما إذا كان بإمكانك تحويل الإمكانات إلى فرص ملموسة قابلة للتنفيذ تولد عوائد تنافسية عالميا ومعدلة حسب المخاطر"، وفق ما قاله الخولي. وأضاف أنه "بينما يجري العمل على استقرار الاقتصاد الكلي على قدم وساق مع تقدم في برنامج الإصلاح الهيكلي"، فإن الكثير من فرص الاستثمار في مصر سيعتمد على التنفيذ". وأكد أن هذا هو ما يوحي بالثقة حقا وليس مجرد توقيع المزيد من مذكرات التفاهم. ووافق البهي على أن "الأمر كله يتعلق بالتنفيذ ثم التنفيذ ثم التنفيذ".

لقد حان الوقت الآن: هذا المزيج من تخفيف الضغوطات الاقتصادية الكلية العالمية والإصلاحات المحلية هو نقطة الانطلاق، التي يمكن أن تجذب مزيدا من الاستثمارات إلى مصر.، طبقا للبهي. وأردف: "أعتقد أن الجميع يدركون أن هذا هو الوقت المثالي لإطلاق العنان لإمكانات مصر... الناس متفائلون بحذر ويريدون أن يكونوا أكثر تفاؤلا".

إذًا، ما هي علامات التفاؤل؟ اعتبر البهي أن زيادة خطوط الإنتاج والمشروعات الصناعية، ونمو الاستثمارات الرأسمالية، وزيادة الاهتمام من الشركاء مثل الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية بمثابة مؤشرات على التفاؤل. وقال: "هناك تطور إيجابي آخر يتمثل في التركيز على استهداف التضخم بدلا من مجرد تثبيت سعر الصرف"، مشيرا إلى أن تخفيف القيود المفروضة على النقد الأجنبي وتلبية الطلب المتراكم كلها عوامل عززت من الثقة. وفي الوقت نفسه، أشارت سرحان إلى مجموعة المواهب المصرية كسبب رئيسي للتفاؤل.

مصر وجهة استثمارية طويلة المدى: في حين كان الإجماع العام في الجلسة النقاشية يميل نحو التفاؤل الحذر، قالت سرحان إن وجهة نظرها "متفائلة بواقعية". وقالت: "عندما تأتي إلى مصر، فأنت تعلم أنك تلعب لعبة طويلة الأجل — فالأمر لا يتعلق بالربع المقبل، بل بالمدى الطويل".

لماذا كانت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر أبطأ من المتوقع: المستثمرون يتبنون نهج "الانتظار والترقب"، وفقا للخولي، مضيفا أن هذا يفسر سبب عدم تحقق الزيادة المتوقعة في الاستثمار الأجنبي المباشر بعد التعويم. وأوضح قائلاً: "يريد المستثمر طويل الأجل في أفق زمني يمتد من خمس إلى 10 سنوات أن يرى وضوحا في السياسات قبل اتخاذ أي قرارات". "نحن بحاجة إلى أن نرى زخما حقيقيا في برنامج الطروحات الحكومية ومناخا أكثر تشجيعا لاستثمارات القطاع الخاص"، أضاف الخولي.

هناك دلائل على زيادة إقبال المستثمرين الصناعيين: "المستثمرون من أصحاب العقلية طويلة الأجل بدأوا في الاستجابة وإلقاء نظرة جديدة على الفرص المتاحة هنا"، وفق الخولي، مشيرا إلى زيارة وفد كبير من الصين مؤخرا. وعلى الرغم من أن هذا الأمر واعد، لكن المشاركين في الجلسة النقاشية اتفقوا على أن الاستثمارات لن تأتي على نطاق واسع إلا باكتمال تنفيذ إصلاحات السياسات.

المستثمرون يترقبون الخطوة التالية: يراقب المستثمرون عن كثب ليروا كيف ستتعامل مصر مع تعديلاتها الداخلية في ظل التحولات العالمية، مثل بدء دورة التيسير النقدي من قبل الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي. والشعور العام السائد هو أنه إذا تمكنت مصر من تحسين أدائها فإنها ستكون في وضع جيد لجني ثمار بيئة عالمية مواتية بدرجة أكبر.

السيناريو الأساسي: يتمحور السيناريو الأساسي لمصر، بحسب المشاركون في الجلسة النقاشية، حول الحفاظ على الاستقرار من خلال برنامج الإصلاح الهيكلي المستمر وإحراز تقدم في تحمل أعباء الديون، الأمر الذي من شأنه أن يعيد ثقة المستثمرين تدريجيا. وأشار الخولي إلى أن الظروف العالمية تمنح الأسواق الناشئة بما في ذلك مصر بعض الراحة. وأضاف البهي أن البلاد قد قطعت بالفعل نصف الطريق، مع إدراك الحكومة للتحديات التي تواجهها. وفي الوقت نفسه، أكدت سرحان على أهمية تجنب دورات الازدهار والكساد للحفاظ على الاستقرار على المدى الطويل.

بالنظر إلى المستقبل، نحن بحاجة إلى الاستفادة من الجيل زد والنظر إلى ما وراء القطاعات التقليدية: سلطت سرحان الضوء على الإمكانات الكامنة في جيل الشباب في مصر والطبقة الوسطى في دفع عجلة النمو الاقتصادي على المدى الطويل. ومن المتوقع أن تتضاعف القوة الشرائية للجيل زد في السنوات الخمس المقبلة، ما يجعلهم شريحة ديموغرافية رئيسية تستهدفها الشركات. وأكدت سرحان على الإمكانات الكامنة في الصناعات الإبداعية في مصر، مثل السينما والموسيقى والأزياء، والتي يمكن أن تكتسب زخما دون الحاجة بالضرورة إلى الاستثمار الأجنبي المباشر.

ماذا سيفعل أعضاء الجلسة النقاشية لاحقا؟ قال البهي إن المشرق "متفائل للغاية بشأن مصر". ويتوسع البنك في جميع القطاعات مع التركيز على تنمية أعمال التجزئة المصرفية. وتشارك شركة أكتيس بحذر في برنامج الطروحات الحكومية، بينما تعمل شركة فيزا على زيادة قوتها العاملة والاستثمار في التكنولوجيا المالية ومنظومة الشركات الناشئة في البلاد.