عالم الأعمال يشهد تغييرات جذرية، وعلى الشركات أن تتكيف مع التريندات الجديدة التي يقودها الموظفون أو تستعد لمواجه مصير محتوم. هذه التحولات تأتي استجابة لعوامل متعددة مثل التضخم والتغيرات الاجتماعية والاقتصادية، ومؤخرا مع جائحة كوفيد-19 وما ارتبط بها من تقلبات تخص العمل من المكتب أو المنزل، فضلا عن طفرة تقنيات الذكاء الاصطناعي. لكن بغض النظر عن العوامل التي تشعل فتيل التغير، دائما ما يكون الموظفون في قلب الحدث، وتحركاتهم الجماعية حتى ولو كانت دون قصد هي التي تقود عالم الأعمال.
**اضغط على عنوان الفقرة بالأعلى لقراءتها كاملة مصحوبة بكل الروابط**
الترحال الرقمي: يعتبر انتشار ظاهرة العمل عن بعد من أبرز هذه التحولات، فالكثير من الموظفين يمارسون أعمالهم الآن بعيدا عن المكاتب. لم يعد هذا النمط مقتصرا على العاملين بالقطعة، بل جذب الشباب والمتقاعدين وحتى العائلات التي لديها أطفال. فمع تزايد صعوبة امتلاك منزل والاستقرار في وظيفة بأجر عادل، أصبح معظم الموظفين أكثر ميلا للترحال الرقمي، لأن العمل عن بعد خيار جذاب وعملي للهروب من ارتفاع تكاليف المعيشة.
المكتب تحول إلى الخيار الأقل شعبية: لم تتوقف ظاهرة العمل عن بعد عن اكتساب الزخم حتى بعد انقضاء الجائحة، ليرتفع عدد العاملين وفقا لهذا النمط حتى العام الجاري إلى 35 مليون موظف، بنمو يتجاوز الضعف خلال العامين الماضيين. لم يكن أمام الاقتصادات المحلية والقطاعات الصناعية سوى الاستجابة لهذا الاتجاه من خلال توفير فرص عمل مخصصة للعاملين عن بعد، والاستثمار في التقنيات التي تدعم هذا النمط، وتقديم حوافز مالية لاستئجار مساحات عمل مشتركة، وحتى إصدار تأشيرات خاصة للرقميين الرحل.
"الباب يفوت جمل"؟ تهديدات فارغة: لا يقتصر تغيير قواعد اللعبة في بيئة العمل على العاملين عن بعد، بل يمتد الأمر إلى ظاهرة الاستقالة الصامتة، وهي عبارة عن أداء الحد الأدنى المطلوب من العمل دون بذل أي جهد إضافي. ظهر هذا الاتجاه ردا على سياسة الشركات التي تتجاهل شكوى الموظفين وتعتمد سياسة مفادها أنه "إذا لم يعجبك العمل، يمكنك الاستقالة"، وتعكس تلك الظاهرة الإحباط وعدم الرضا الذي أصبح ملحوظا بين الموظفين.
بدلا من الاستقالة أو إحداث قلقلة في مكان العمل، يختار بعض الموظفين الاستقالة الصامتة للانفصال عن العمل بشكل سلمي. وتشير الإحصائيات إلى أن 90% من الموظفين بالمملكة المتحدة يمكن تصنيفهم ضمن هذه الفئة، فهم ملتزمون بالحضور إلى العمل وأداء وظائفهم والمغادرة في الموعد المحدد، أملا في الاستمتاع بأكبر قدر ممكن من وقت فراغهم.
يرجع السبب الرئيسي لهذه الظاهرة إلى شعور الموظفين بالإرهاق وعدم التقدير وانخفاض الأجور. كثيرون فقدوا إيمانهم بفكرة أن العمل الجاد يؤدي بالضرورة إلى النجاح والتقدير، مما دفعهم إلى إعادة تقييم أولوياتهم والتركيز على حياتهم الشخصية خارج العمل. ويحذر الخبراء من أن هذا قد يكون حلا مؤقتا لمشكلة جوهرية أكبر وأكثر تعقيدا.
من ناحية أخرى، بدأنا ظاهرة الاستقالة الصاخبة تشهد انتشارا يلفت الانتباه. اكتسب هذا الاتجاه شعبية كبيرة على منصات التواصل الاجتماعي، خاصة على تيك توك في ما يعرف باسم " كويت توك "، إذ يشارك الموظفون مقاطع فيديو لاستقالاتهم ومقابلات تركهم للعمل، وكلما كانت هذه المقاطع أكثر إثارة للجدل كان ذلك أفضل. يستخدم الموظفون هذه الطريقة للتعبير عن الإحباط علنا وكشف التجارب السلبية في مكان العمل، مما يشجع الآخرين على المطالبة بحقوقهم أو مغادرة بيئات العمل المنفرة دون طول تفكير.
لماذا لا تدعهم الشركات يرحلون ببساطة؟ السبب ببساطة يكمن في أن ارتفاع معدل التعاقب الوظيفي لا يؤثر سلبا على ميزانية الشركة فحسب، بل على معنويات الزملاء أيضا، كما أنه يضر بثقافة العمل داخل الشركة.
الطريقة الوحيدة لمواجهة هذا الاستياء الكبير هي فهم جذوره، وذلك لن يكون إلا من خلال التواصل المفتوح والمشاركة الفعالة. تحتاج الشركات إلى بناء بيئة عمل يشعر فيها الموظفون بالتقدير والدعم، سواء من خلال فرص التطوير الوظيفي الواضحة، أو توفير الدعم النفسي، أو السماح بنظام عمل مرن على غرار الترحال الرقمي، حسبما يشير تقرير جالوب لأماكن العمل العالمية عام 2024 (بي دي إف).