أصدرت وحدة أبحاث “بي إم آي” التابعة لمؤسسة فيتش سوليوشنز تقريرا عن المخاطر التي تواجه مصر في الربع الرابع من العام الجاري — يحمل نبرة قاتمة إلى حد ما. وسلطت وحدة الأبحاث الضوء على التأثير الاقتصادي المستمر للحرب الإسرائيلية على غزة وتراجع إنتاج النفط والغاز، باعتبارهما يثقلان كاهل اقتصاد البلاد في الفترة المقبلة.

تنويه: تمت كتابة أجزاء من هذا التقرير على أقل تقدير في 8 أغسطس — بعد ثلاثة أيام من عمليات بيع الأسهم العالمية التي أدت إلى خروج المستثمرين من أدوات الدين المصرية والأسواق الناشئة إلى أصول الملاذ الآمن — وبعد خمسة أيام من اغتيال إسماعيل هنية في طهران وتصاعد التوترات الإقليمية عقب ذلك.

الأوقات صعبة، لكن بي إم آي متمسكة بتوقعاتها للعام المالي الحالي: أبقت بي إم آي على توقعاتها بنمو الاقتصاد المصري بنسبة 4.2% خلال العام المالي الحالي 2025/2024.، وهو ما يتوافق مع توقعات الحكومة الجديدة وبزيادة 0.1 نقطة مئوية عن توقعات صندوق النقد الدولي.

لا يوجد عامل واحد وراء تلك التوقعات الإيجابية، إذ تشير وحدة الأبحاث إلى ارتفاع الاستثمار الأجنبي المتوقع، وانتعاش التصنيع المحلي حيث يستغل المنتجون ضعف الجنيه لزيادة الصادرات، والتوقعات بانتهاء الحرب في غزة بحلول نهاية عام 2024، الأمر الذي سيؤدي لعودة حركة مرور السفن عبر قناة السويس، وارتفاع شهية المستثمرين تجاه السوق المصرية.

كما خفضت بي إم آي نسب النمو للعام المالي الماضي، إذ ترى أن الاقتصاد المحلي نما بنسبة 3% في العام المالي 2024/2023، بانخفاض 0.2 نقطة مئوية عن تقديراتها السابقة البالغة 3.2%. وتشير تقديرات الوحدة إلى أن النمو وصل إلى أدنى مستوياته عند 2.2% على أساس سنوي في الربع الثالث من العام المالي، قبل أن يقفز إلى 4.8% في الربع الأخير — في أعقاب تعويم الجنيه وتدفق استثمارات بعشرات مليارات الدولارات إلى البلاد.

لكن في المستقبل، تظل المخاطر قائمة – خاصة إذا استمر العدوان الإسرائيلي على غزة حتى عام 2025: فالحرب الإسرائيلية على القطاع وخطر التصعيد الإقليمي يؤديان إلى إبعاد بعض المستثمرين، ما يعرض الجنيه للتقلبات، ويجعل التعافي الاقتصادي في البلاد هشا. ومع افتراض أن حرب إسرائيل ستنتهي قبل نهاية العام، فإن إطالة أمد الحرب، وخاصة إذا ما توسع الصراع ليمتد إلى لبنان، يمكن أن يكون لها عواقب وخيمة على الاقتصاد المصري. ومن شأن إطالة أمد الحرب أيضا أن يضغط على إيرادات قناة السويس، وإبعاد المستثمرين، وتضرر صناعة السياحة، وقد يؤدي إلى قيام إسرائيل بوقف صادراتها من الغاز إلى مصر، ما يمنع البلاد من سد النقص في الطاقة أو استخدام منشآت الإسالة لإعادة تصدير الغاز.

قد يؤثر التباطؤ الاقتصادي العالمي أيضا على التعافي في مصر، خاصة حال أدى انخفاض أسعار النفط إلى مشاكل اقتصادية لدول مجلس التعاون الخليجي — أحد أبرز مصادر الاستثمارات لمصر التي تشتد الحاجة إليها لتعويض تراجع استثمارات الحكومة ووسط ارتفاع تكاليف الديون — وفق التقرير، الذي أشار إلى التأثير الذي يمكن أن يحدثه تباطؤ النمو في دول مجلس التعاون الخليجي على تحويلات المصريين العاملين بالخارج، والتي تعافت بشكل كبير في الأشهر الأخيرة مع انتهاء السوق الموازية للدولار.

تراجع إنتاج الغاز قد يؤثر على النمو على المدى الطويل: تتوقع وحدة الأبحاث أن يتباطأ النمو إلى نحو 4% بين عامي 2026 و2033 في ظل عدم وجود اكتشافات جديدة للنفط والغاز وتسريع تنفيذ الإصلاحات — وهو معدل يراه التقرير كافيا بالكاد لاستيعاب القوى العاملة الجديدة.

ويؤثر نقص الطاقة لدينا أيضا على الصادرات، ففي حين من المتوقع أن تنمو الصادرات غير النفطية خلال الفترة المقبلة، فإن تأثيرها سيتقلص بسبب الحاجة إلى استيراد المزيد من المنتجات البترولية.

إلى جانب ذلك، من المتوقع أن يتباطأ الإنفاق الاستهلاكي بنسبة 2.8% في العام المالي الحالي في ضوء استقرار التضخم، وانخفاض الأجور الحقيقية، والتأخر في تأثير تخفيف القيود النقدية، والذي لا يتوقع التقرير أن يبدأ قبل الربع الأول من عام 2025.

وبالحديث عن التضخم: يتوقع التقرير أن يصل معدل التضخم إلى 29% في المتوسط خلال العام الجاري و18.1% في عام 2025، “قبل أن يقترب من 7% على أساس سنوي في المتوسط بين عامي 2026 و2033”.

تقلبات الجنيه قد تستمر حتى نهاية العام: توقعت وحدة الأبحاث أن يتراوح سعر صرف الدولار بين 47.90 و49.50 جنيه حتى نهاية العام، ما يشير إلى تقلبات أكبر في سعر الصرف مما كان متوقعا في السابق بسبب المخاطر الجيوسياسية المتزايدة. ومن المرجح أن يتراجع الجنيه أكثر في عام 2025، وفقا للتقرير — مع توقعات باستقرار سعر الصرف عند 49.67 جنيه للدولار بنهاية العام المقبل.

زيادة احتياطيات النقد الأجنبي تحصن الاقتصاد المصري ضد الصدمات الخارجية الكبيرة: توقع التقرير ارتفاع احتياطيات النقد الأجنبي إلى 41.7 مليار دولار بحلول نهاية العام المالي المنتهي في يونيو 2025، وهو ما يكفي لتغطية نحو 5.6 شهر من الواردات، مدعوما بزيادة الاستثمار وإصدارات السندات المحتملة في 2025. مع ذلك ، فإن التزامات خدمة الديون المرتفعة واستنفاد معظم مصادر الأموال تعني أن الاقتصاد سيظل يكافح لمواجهة الصدمات واسعة النطاق، وفق التقرير.

مصر لا تزال عرضة لتقلبات الأموال الساخنة: ذكر التقرير أن الأجانب يستحوذون على نحو نصف أذون الخزانة التي تصل فترات استحقاقها إلى 12 شهرا، وهو ما يمثل نحو 90% من احتياطي البلاد من النقد الأجنبي. وفقا لما قالته وحدة الأبحاث، فإن أي صدمة كبيرة أو تزايد للمخاطر الجيوسياسية يمكن أن يعكس هذه التدفقات”.